Share |
ابريل 2012
25
الجبهة الوطنية المصرية!
المصدر: الأهرام اليومى

د. أسامة الغزالى حرب

من أكثر الموضوعات جاذبية وإثارة فى عالم السياسة، بل وأيضا فى «علم» السياسة تحديدا هو الإجابة عن السؤال: كيف تتشكل الأحزاب والتكتلات السياسية؟، وكيف تتحدد بالتالى ملامح وخصائص النظم السياسية المختلفة؟ أقول هذا لأننا اليوم نعاصر فى مصر عملية «تخليق» نظام سياسى جديد، نظام ذى مؤسسات ووظائف سياسية حقيقية لا وهمية أو شكلية. فالواقع أننا قبل ثورة 25 يناير كنا نعيش فى نظام «كأنه» نظام سياسي، ولكنه لم يكن أبدا كذلك! إننا كنا نعيش تقريبا فى «تمثيلية» كبيرة، تتكلم فيها الأحزاب والقوى السياسية و«كأنها» تناقش أو تعارض!
وتعقد المؤتمرات فى القاعات الفارهة، وتلقى البيانات، فى تمثيلية كبرى تحجب الواقع المر، وهو: الحكم الفردى المستبد، المستند إلى آلة قمعية هائلة، تتخفى وراء الطقوس الشكلية. اليوم، نحن نعيش فى أجواء سياسية «حقيقية» فيها قوى سياسية واجتماعية تتحاور وتتصارع، حتى وإن كان بشكل غير منظم أو غير منضبط فى أحيان كثيرة، فالممارسة السياسية ـ شأن أى نشاط إنسانى تعتمد على الخبرة والمران وعلى التقاليد التى تتراكم عبر الزمان. ويمكن القول أننا فى أثناء الثورة وبعدها تعاملنا مع القوة الحقيقية الأولى المؤثرة فى السياسة المصرية، أي: القوات المسلحة! وكان ذلك واضحا للكافة منذ اليوم الأول، وبعد ذلك - بسرعة - ظهرت القوة الثانية «الحقيقية» على الساحة السياسية وهى قوة «الإخوان المسلمين» سواء قبل أو بعد تكوين حزبهم «الحرية والعدالة»، والذين كانوا أول من استفاد من انتصار الثورة، بحصولهم على الشرعية الكاملة، غير المنقوصة بدعاوى الحظر أو الملاحقات الأمنية. لكن مصر والسياسة فيها أوسع بكثير من العسكر والإخوان! فغالبية المصريين هم قوى مدنية أى (لا عسكرية، ولا دينية!)، وبالتالى فإن المشهد السياسي، أو بتعبير أدق ـ النظام السياسى لن تكتمل ملامحة فى مصر، إلا مع تبلور الأحزاب والمؤسسات التى تعبر عن تلك القوى المدنية بجميع تنويعاتها الاجتماعية والثقافية والإقليمية. إلخ. لذلك كان من الطبيعى أن تشهد مصر ما بعد الثورة «إنفجارا» فى الأحزاب السياسية الجديدة التى ظهرت جنبا إلى جنب مع الأحزاب (القديمة) أى التى كانت قائمة فى العهد السابق، والتى فرضت عليها التحديات أن تعيد تطوير وتأهيل نفسها، كى تكون قادرة على التعايش والتنافس، مع تلك الأحزاب الجديدة.
غير أن تأمل المسار الذى تحركت فيه الأحزاب السياسية المصرية مؤخرا، يوضح لنا كيف أن معركة كتابة "الدستور" أثرت بشدة على ذلك المسار، وعلى علاقة الأحزاب ببعضها البعض فضلا عن علاقتها بالقوتين السياسيتين الكبيرتين: الجيش والإخوان! ففى مواجهة الأسلوب المشوه لتشكيل لجنة كتابة الدستور، الذى اتبعه - على عجل! - حزب "الحرية والعدالة" رفضت القوى السياسية عملية احتكار أو سلق دستور مصر الثورة، وعملت على أن تكتل جهودها ليس فقط لكى تمنع وضع الدستور بطريقة متحيزة أو غير سليمة، بل وأن يأتى متسقا مع روح ثورة 25 يناير وأهدافها.
فى هذا السياق العام - سياق معركة وضع الدستور - تكونت "الجبهة الوطنية المصرية" من عدد كبير من الأحزاب والحركات السياسية فضلا عن الشخصيات العامة، التى أخذت تنسق مواقفها فى الشهور الثلاثة الأخيرة على نحو يجعلنا نتساءل: هل سوف تتطور تلك الجبهة لتصبح كيانا سياسيا قويا متكاملا أم أنها ارتبطت فقط بمعركة الدستور، وسوف تنتهى بانتهائها؟ من السابق لأوانه بشدة أن نصل إلى أحكام أو آراء قطعية، ولكن من المفيد هنا تتبع نشاط وتكوين الجبهة فى الشهرين الأخيرين! فى هذا السياق، لابد أولا من الإشارة إلى الدور الرائد الذى لعبته الجمعية الوطنية للتغيير مع العديد من الحركات السياسية الأخرى مثل (6 أبريل والحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) وغيرها فى صياغة وقيادة حركة الاجماع والرفض ضد قرار مجلس الشعب بتشكيل لجنة وضع الدستور، ومسانده الدعاوى القضائية التى رفعت بشأن بطلانها. ومن المهم هنا الإشارة - بوجه خاص - إلى حملة "دستور لكل المصريين" والبيانات القوية التى صدرت عن الجمعية الوطنية للتغيير، وهى كلها الحملات التى أسهمت - مع الاستقالات الكثيرة المعروفة من اللجنة - فى إبطال عملها فعليا، قبل أن يجهز حكم مجلس الدولة فى 10 أبريل عليها تماما!
فى خضم هذه التطورات يمكن القول أن مولد «الجبهة الوطنية المصرية» بدأ مع الاجتماع الذى عقد فى حزب الوفد فى 5 أبريل 2012 والذى جاء فيه: «أن المجتمعين ناقشوا الأوضاع الراهنة المتعلقة بإقدام الأغلبية البرلمانية عن السيطرة على اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، وقرروا اعتبار هذا الاجتماع تمهيدا لبناء جبهة وطنية واسعة، لتحقيق دستور ديمقراطي، يمثل المصريين جميعا، ويعبر عن مصالحهم وآمالهم فى استقرار سياسى وعدل اجتماعى واقتصادي». وفى يوم السبت 7 أبريل تم إعلان تشكيل «الجبهة الوطنية» - "داعية جميع قوى الشعب للانضمام اليها" - واشتركت فى تأليفها أحزاب: الوفد، والتجمع، والناصري، والجبهة الديمقراطية، والمصريين الأحرار، والمصرى الديمقراطى الاجتماعي، والوسط، والجيل، والإصلاح والتنمية، والتحالف الشعبى الاشتراكي، والعدل، والاتحاد، والغد، وغد الثورة. واختارت الأستاذ سامح عاشور نقيب المحامين متحدثا رسميا باسمها.
ومع أن «الجبهة الوطنية المصرية»، لا تزال فى مرحلة الإنشاء والتكوين، إلا أنه يمكنها بالقطع أن تكون قوة سياسية فاعلة على الساحة السياسية المصرية إذا ما بذلت جهود لإحكام الربط بين عناصرها المختلفة، ليس فقط وظيفيا من خلال المشاركة فى مواقف سياسية موحدة، وإنما من خلال آليات مؤسسية تعمل - تدريجيا - على إيجاد روابط هيكلية وتنظيمية بين عناصرها المختلفة.
وبشكل أكثر تفصيلا فإننى أدعو الأحزاب والقوى السياسية التى شاركت فى الاجتماعات الأولية «للجبهة الوطنية المصرية» أن تبدأ على الفور فى التواصل فيما بينها لبناء تكتل سياسى حقيقى وفاعل على الساحة السياسية المصرية. وفى تقديرى أن هناك ثلاثة معايير أو متطلبات ينبغى بحثها والتداول بشأن تحقيقها:
الأولي، أن تجلس الأحزاب والقوى المكونة للجبهة للتباحث فيما بينها من أوجه الاتفاق والاختلاف، فبالقطع هناك اختلافات هامة مثلا بين حزب التجمع وحزب التحالف الشعبى الاشتراكى من ناحية، وأحزاب مثل الوفد والمصريين الأحرار من ناحية أخري، هناك حاجة ملحة لحوار معمق يمكن أن تتضمنه وثيقة أو بيان مفصل.
وهناك - ثانيا - حاجة للنظر فى تعقيدات عملية التفاعل المؤسسى والتنظيمى بين الأحزاب والقوى المكونة للجبهة، بمعنى ضرورة التفاعل ليس فقط على مستوى قيادات الأحزاب وإنما أيضا على المستويات الأدني، فضلا عن العلاقات بين المكونات "النوعية" التى توجد بدرجة أو أخرى فى بعض أو كل الأحزاب، مثل تنظيمات الشباب والمرأة، فضلا بالطبع عن التنسيق على مستوى الاقاليم والمحافظات.
وهناك - ثالثا - ضرورة وضوح ما يميز الجبهة عن القوى الأخرى الموجودة على الساحة المصرية، فضلا عن قدرتها على التحرك والعمل باستقلالية، وتجنب صور التبعية لقوى أخرى سائدة فى الدولة والمجتمع!
وأعتقادى أن فكرة العمل المنظم لتكوين وبناء الجبهة لابد وأنها تراود الآن الكثيرين من أقطابها فضلا عن أننى أتصور أن الأستاذ سامح عاشور الذى برز دوره النقابى والسياسى مؤخرا، والذى كان حضوره ملموسا فى اجتماعات الجبهة بشأن قضية الدستور، يمكن أن يكون الشخصية الجامعة التى تلعب دورا مهما فى البلورة التنظيمية والسياسية للجبهة، فضلا عن أهليته الكاملة للتحدث باسمها. وربما كان البدء فى وضع «ميثاق» لتلك الجبهة وتصور أولى لبنائها المؤسسى والتنظيمى يمكن أن تكون هى القضايا ذات الأولوية التى يحسن البدء ببحثها، إذا توافرت الإرادة وخلصت النيات ووضحت الرؤي!
فى هذا السياق يكون من الجائز أن نتساءل عن موقف الأحزاب والقوى السياسية الجديدة التى تدخل إلى الساحة السياسية المصرية، والتى اقصد منها تحديدا الحزب الذى ينوى د. محمد البرادعى إنشاءه بالتعاون مع عدد من الرموز السياسية البارزة والتى ذكر منها د. محمد غنيم، ود. علاء الأسواني، ود. جلال أمين، ود. حسام عيسي، والسفير شكرى فؤاد، والأستاذ وائل قنديل (المتحدث الرسمى للحزب الجديد). وأعتقادى أنه من الضرورى أن يؤخذ فى الاعتبار - منذ البداية - انضمام ذلك الحزب الوليد إلى الجبهة، ليس فقط لما ينطوى عليه تكتل القوى المدنية من تحقيق فاعليه أكبر لها، وإنما أيضا لأن د. محمد البرادعى (الأب الروحى للثورة المصرية) أكبر من أن يستأثر به حزب واحد، وإنما هو فى الواقع الشخصية الجديرة بأن تكون رمزا لجميع القوى المدنية النشيطة التى تضمها الجبهة الوطنية.
فإذا رجعنا إلى الوراء قليلا لنتأمل المشهد السياسى المصرى الآخذ فى التشكل الآن فسوف نلاحظ تغيرات مهمة قياسا للمعطيات التقليدية للنظام السياسى المصرى منذ استقلال مصر عام 1922 حتى اليوم. فالقوى السياسية (بل والثقافية) فى المجتمع المصرى منذ عشرات السنين إنقسمت إلى أربعة، أى الإسلامية والليبرالية والاشتراكية والناصرية. الليبرالية سادت فى الفترة بين 1923 و1952، وبعد 1952 تنازعت (أو تقاسمت) الغلبة على الحياة السياسية القوى القومية (الناصرية) والاشتراكية، جنبا إلى جنب مع بيروقراطية الدولة. والأن، وبعد 25 يناير 2011 تعود مصر لتتقاسم السلطة فيها القوى الإسلامية والليبرالية فى حضور قوى لبيروقراطية الدولة (العسكرية هذه المرة)! وهو مشهد يعود بنا - فى الحقيقة - إلى مصر فى النصف الأول من القرن التاسع عشر، فى عصر محمد على الذى وفدت فيه الأفكار الليبرالية من الغرب، لتزاحم التراث الإسلامى التقليدي، فى ظل وجود البيروقراطية العسكرية والمدنية الفتية التى أنشأها ورعاها محمد علي. وما أشبه الليلة بالبارحة!