Share |
ابريل 2012
1
الجوار القلق: تأثيرات الثورة في علاقات ليبيا الإقليمية
المصدر: السياسة الدولية


تشكل الحالة الليبية نموذجا لتأثير التغيرات في الأوضاع الداخلية في مناطق الجوار الإقليمي بعد الثورات العربية، إذ إن ليبيا ما بعد القذافي تعاني إشكالات معقدة قابلة للامتداد جغرافيا في محيطها، سواء العربي أو الإفريقي، وذلك بحكم موقعها الجيواستراتيجي كمدخل للعالم العربي علي القارة السمراء.
إن ليبيا التي شكلت استثناء في علاقاتها الإقليمية "المتقلبة" مع دول الجوار، إبان عهد القذافي، دخلت في استثناء من نوع آخر في مرحلة ما بعد الثورات، بفعل معطيات وضعها الداخلي المضطرب الذي يتراوح ما بين انتشار للأسلحة، واشتباكات ذات طابع قبلي، وميليشيات ثورية ترفض الانضواء تحت سلطة الدولة التي تعاني هشاشة سياسية وأمنية، دفعت "برقة" إلي إعلان نفسها إقليميا فيدراليا. علاوة علي كل ذلك، ضعف المجلس الوطني الانتقالي في تقديم نموذج نظام سياسي مستقر، يجمع تحت مظلته الأطياف السياسية التي شاركت في إسقاط القذافي.
باتت تلك المعطيات الداخلية تشكل مصدرا للقلق والتهديد لدي دول الجوار العربي والإفريقي، لاسيما أن مشكلات الداخل الليبي بدأت في الانعكاس إقليميا تارة في عودة "مقاتلي الطوارق" الذين ساندوا القذافي، ليكونوا إضافة للحرب الرابعة بين حكومة مالي وحركة تحرير أزواد، وتارة أخري في استثمار تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي الأسلحة المنتشرة في ربوع ليبيا، ليضاعف من سلطته في مناطق الساحل والصحراء، ويشكل عائقا أمام المصالح الدولية، وتارة ثالثة في توتر العلاقات الليبية مع دول الجوار، لاسيما أن بعضها يؤوي أعوان القذافي.
وما زاد من تعقد تأثيرات الداخل الليبي في دول الجوار أن هنالك حالة "غموض نسبي" في التوجهات الخارجية لدي النخبة الليبية الجديدة، يمكن إيعازه إلي عدم اكتمال بنية النظام الليبي، أو شكل الدولة ذاتها، وانكفاء النخبة الجديدة علي لملمة فرقاء الداخل في المرحلة الانتقالية، علاوة علي أن الإرث المعقد لعلاقات القذافي مع دول الجوار لا يزال مؤثرا، برغم اختفائه من المعادلة الإقليمية، حتي إن دولة مجاورة، مثل النيجر، ترفض تسليم الساعدي نجل القذافي، متذرعة بغياب بنية قضائية عادلة في ليبيا بعد الثورة.
في ضوء ذلك، يصبح من الضروري، استجلاء مدي تأثير ما أفرزه الداخل الليبي في دول الجوار الإقليمي بشقيه العربي والإفريقي، فضلا عن حدود تلك التأثيرات، علي أن ذلك يستلزم - ابتداء - النظر في محددات علاقات الداخل بالإقليم في مرحلة ما بعد الثورات.
أولا - الداخل والإقليم. تأثير ما بعد الثورات:
ثمة علاقة ارتباطية بين الداخل والإقليم، بدت تجلياتها في ثورات الربيع العربي، ليس فقط لجهة "العدوي والنفاذية الإقليمية" لحالة المد الاحتجاجي، وإنما - إن جاز التعبير - "أقلمة المشكلات الداخلية". فلقد امتدت التفاعلات الداخلية في مجتمعات ما بعد الثورة إلي ما وراء الحدود، استنادا إلي مفاعيل عدة، ومن أبرزها:
1 - عدم اكتمال بنية الأنظمة الجديدة، الأمر الذي خلق "ارتباكا" في المراحل الانتقالية. فالنخب الجديدة التي تدير تلك المراحل منشغلة بمشكلات الداخل، وبالتالي لم تؤسس لسياسة خارجية محددة المعالم تجاه دول الجوار، لاسيما أن المؤسسات التي تدير الشئون الخارجية للدولة لا تصنع التوجهات، بقدر ما تدير ما اتفق عليه داخل مؤسسات الحكم. مثل هذه الحالة لا تقتصر علي ليبيا، وإنما تنسحب علي مصر مثلا. فبرغم استقرار مؤسسة الخارجية، فإن ثمة اضطرابا حول إعادة ترتيب الأولويات، وفقا للمصالح المصرية، والتوجهات العامة للمجتمع. ذلك الأمر يقل كثيرا في تونس التي بدت أسرع في تجاوز استحقاقات المرحلة الانتقالية، وبالتالي بدا أن هناك استقرارا، ولو جزئيا، في تعاطيها مع الخارج.
2 - التحولات المحتملة في هوية المجتمع: إذ إن تحركات الدولة في محيطها الإقليمي، سواء القريب أو البعيد، يستند إلي مجموعة من التصورات، منها هوية المجتمع وتصوراته للدور الخارجي للدولة. والملاحظ أن المنطقة تمر بتحولات في مسألة الهوية لم تحسم بعد، لاسيما بعد تصدر التيارات الإسلامية للمشهد السياسي في دول كمصر وليبيا وتونس، وما يعنيه ذلك من إعادة الاعتبار للعامل الديني ضمن المكون السياسي للمجتمعات العربي، وهو الأمر الذي من المتوقع أن يلعب دورا في إعادة ترتيب مصالح وأولويات الدولة في محيطها الخارجي الإقليمي، خاصة في ظل إيلاء الحكام الجدد في المنطقة أهمية لـ"البعد الجماهيري"، ضمن معادلة التوجهات الخارجية. ولعل أحد مؤشرات ذلك دخول "الدبلوماسية الشعبية" علي خط العلاقات المصرية مع دول حوض النيل بعد الثورة، فضلا عن الضغوط الشعبية المطالبة بقطع العلاقات بين الدول العربية وسوريا، علي خلفية انتهاكات نظام بشار الأسد ضد المحتجين.
3 - تكريس الدولة "الرخوة": من أبرز ما أفرزته ثورات الربيع العربي تراجع قوة الدولة في المنطقة، وظهور إمكانات لتحولها من حالة الرخاوة إلي الفشل، فلم تعد قادرة علي أداء الوظائف المنوطة بها، خاصة الأمنية والتنموية، مما أفقدها الشرعية، وبالتالي ضعفت قدرتها في السيطرة علي مجريات التفاعلات الداخلية، وترشيدها بما يتناسب مع مصالحها المستقرة في دوائرها الخارجية، حتي إنها مهددة في بعض الحالات باحتمالات التفكك، كما حدث مع الإعلان عن برقة إقليما فيدراليا، وليس مجرد عدم القدرة علي إنفاذ القانون، كما الحال في مصر.
علي أن مستوي التغيير الداخلي في ثورات الربيع العربي ينعكس بشكل كبير علي الإقليم. فكلما كان التغيير حادا، ويتعلق ببنية الدولة، وليس فقط النظام، أضحي التأثير في دول الجوار أكثر عمقا. ولعل مقارنة أولية بين حالتي مصر وليبيا تكشف عن أن احتفاظ الأولي بهيكل الدولة، حتي ولو "مريضا"، علي عكس الثانية التي يعاد فيها النظر في فكرة الدولة أصلا، يحد من مستوي التغير في التوجهات الخارجية تجاه دول الجوار، بالرغم من أن هنالك مصالح ثابتة تجاه دول الجوار، انطلاقا من جغرافية الدولة ذاتها.
4 - طبيعة البيئة الإقليمية المحيطة: فكلما كانت تلك البيئة ذات طابع تشابكي معقد، أضحي تأثير التغييرات الداخلية أكثر عمقا. وهنا، يمكن القول إن اكتساب الحالة الليبية لسمات المجتمعات الإفريقية المفعمة بالصراعات، بجانب العربية، يضعها في وضع أكثر سيولة لجهة "أقلمة المشكلات الداخلية". فالحدود. الجنوبية مع الدول الإفريقية خاصة (النيجر، وتشاد) تشهد امتدادات قبلية علي جانبي الحدود، بما ييسر من تدفقات السلاح، والتآزر الهوياتي بين المجموعات الإثنية والعرقية الممتدة.
5 - إرث ما قبل الثورة: حيث يشكل مدخلا لزيادة درجة تأثير الداخل في الإقليم المجاور، أو تخفيض حدته، أو اتجاهه صوب التعاون. ولعل الدور الإقليمي التوسعي لليبيا، إبان عهد القذافي، سيمثل تحديا أمام السلطات الجديدة، حيث إن عليها إعادة إدارة التحالفات والمصالح مع دول الجوار الإفريقي التي كانت متحفظة في بداية الثورة الليبية تجاه النخب الجديدة، لاسيما مع وجود شبكة من المصالح الاقتصادية الواسعة للقذافي وأبنائه في القارة.
6 - تأثير العامل الدولي: حيث يلعب دورا في زيادة تأثير الداخل في دول الجوار الإقليمي، التي تصبح مترقبة لتبعات ذلك. فعلي سبيل المثال، فإن التدخل العسكري للناتو في ليبيا لم يفرز فحسب قضية انتشار الأسلحة، وإنما خلق قلقا لدي دول الجوار من احتمال تكرار مثل هذه التجربة مع تلك الدول، فضلا عن طبيعة المصالح العسكرية والسياسية التي تنشأ إثر هذا التدخل الدولي، وتمثل ضغطا علي دول الجوار.
إن هذه العوامل الستة تشكل محددات بارزة للعلاقة بين الأوضاع الداخلية والجوار الإقليمي في مرحلة ما بعد الثورات، علي أن مسارات تلك العلاقة وحدود التأثير تتحدد وفقا للأوزان النسبية لهذه العوامل.
ثانيا - التغييرات في الداخل الليبي:
لقد شهدت ليبيا تغييرات داخلية عميقة بعد الثورة علي القذافي، فتحت ملفات لا ترتبط بتغيير النظام، وإنما لجهة صياغة عقد اجتماعي جديد يشكل الدولة. إذ إن المجتمع الليبي المتنوع قبائليا وأيديولوجيا بات مشاركا فعليا في تقرير مصير دولته، بعد أكثر من أربعة عقود من حكم القذافي، الذي لم يقم أي اعتبار لفكرة الدولة، بل ظل أحد معاول إضعافها، عبر "شخصنة" السلطة والثروة والسلاح.
ومن هنا، يمكن رصد أبرز التغيرات في الداخل الليبي، والتي تشكل تأثيرا في دول الجوار العربي والإفريقي:
1 - الصعود السياسي للتيارات الإسلامية: فقد شاركت هذه التيارات التي قمعت إبان القذافي في الثورة عليه، كما شاركت بعض فصائلها الجهادية في العمل العسكري، جنبا إلي جنب مع قوات الناتو، ثم إنها اليوم تسعي لأن تحتل مكانة في العمل السياسي، ضمن حالة مد إسلامي عام في المنطقة. فعلي غرار إخوان مصر الذين اعتلوا المشهد السياسي، شكل إخوان ليبيا حزب "العدالة والبناء". كما أن الجماعة الإسلامية المقاتلة التي شاركت في العمل العسكري ضد القذافي، قال أحد قياداتها، عبدالحكيم بلحاج، إنها تحولت إلي الحركة الإسلامية للتغيير للمشاركة في العمل السياسي.
وبرغم تباين خبرة الإسلاميين في مصر وتونس في العمل السياسي، مقارنة بليبيا، فإن بروز التيار الإسلامي في المعادلة الليبية قد يسهم في إحداث تحولات في هوية المجتمع، بما قد يعيد التفكير في التواصل مع الدائرة العربية علي أسس "قومية"، وربما ذلك سيظهر جليا في الدستور الذي سيشكل، بعد انتخابات المجلس التأسيسي للدستور في يونيو 2012.
ويمكن الإشارة في هذا السياق إلي أن هدم تمثال الزعيم جمال عبدالناصر في بنغازي، من قبل بعض الثوار والجماعات الدينية المتشددة، لا يخلو من دلالة علي أن ثمة اتجاهات معادية للفكرة القومية العروبية التي تبناها القذافي في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وكانت أحد أبرز مرتكزات سياسته الخارجية، قبل تحوله إلي دعم قضية الوحدة الإفريقية. وبرغم أن وفدا ليبيا اعتذر إلي القاهرة عن واقعة هدم التمثال، فإن ذلك يعكس التفاوت بين فهم النخب الجديدة والمزاج الشعبي الليبي بعد الثورة.
2 - انتشار الأسلحة الخفيفة والمتوسطة: فتلك الظاهرة هي نتاج للتدخل الدولي في ليبيا للقضاء علي حكم القذافي، فضلا عن الطبيعة غير المركزية للجهات المسلحة التي شاركت إلي جانب الناتو في الحرب، وكذا انشطار المؤسسة العسكرية الليبية إبان الثورة.
وبالرغم من عدم وجود أرقام محددة لمن يحملون السلاح في ليبيا، فإن تقرير منظمة كرايسز جروب المختصة بالنزاعات المسلحة يقدرهم بأكثر من 125 ألف ليبي. وتبدو مشكلة الأسلحة في ليبيا - التي أدخلتها دول مختلفة، منها فرنسا وقطر، إلي الثوار إبان الحرب ضد القذافي - أنها تبدأ من الرشاشات الخفيفة، وقاذفات صواريخ، ومضادات الدبابات، وتصل إلي الأسلحة الكيماوية والبيولوجية التي كان يمتلكها القذافي، وتخشي الأمم المتحدة وقوعها في يد تنظيمات متطرفة، لاسيما مع رواج تجار السلاح في هذه المنطقة، وعدم القدرة علي السيطرة علي الحدود.
ولعل أحد تجليات انتشار السلاح هو "عسكرة القبيلة"، حيث تتنافس القبائل علي التسلح والتمترس في مناطقها، دفاعا عن مصالحها، أو عدم تهميشها في مرحلة تقسيم السلطة والثروة بعد القذافي. وبدا الأمر واضحا في جنوب ليبيا، حيث الاشتباكات في الكفرة بين قبائل "التبو" ذات الأصول الإفريقية التي تشكو من التهميش، والزوي ذات الأصول العربية.
3 - الميليشيات والتشظي الأمني: فعدم قدرة المجلس الوطني الانتقالي علي دمج الميليشيات المسلحة في المؤسسات الأمنية الداخلية والخارجية أوجد حالة من التشظي الأمني. فالثوار الذين لعبوا دورا ملموسا في إسقاط القذافي يرفضون إلقاء السلاح، ويرون أن لهم شرعية ثورية تفوق شرعية المجلس الوطني الانتقالي الذي بدا ضعيفا وغير حازم إزاء انتشار ظاهرة الميليشيات المسلحة. ويشير تقرير لمجموعة الأزمات الدولية إلي أن هنالك ما يقرب من مائة ميليشيا مسلحة تسيطر علي منافذ ومؤسسات الدولة، ولا يجمعها رابط مركزي، وجمعت أسلحتها من مخازن القذافي والدعم الدولي. فثوار الزنتان (غربا) مثلا يسيطرون علي مطار طرابلس الدولي، في حين استقر آخرون من مصراتة (شرق طرابلس) في مقر المؤسسة الوطنية للنفط. وفي طرابلس، تتنافس الميليشيات علي فرض نفوذها علي مناطق مختلفة، وتتبع إجراءات متباينة أثارت غضب سكان العاصمة. اللافت أن مشكلة الميليشيات نشأت إثر التحرير التدريجي لليبيا من حكم القذافي، حيث تكونت في كل منطقة علي حدة، واكتسبت شرعيتها.
وبالرغم من إعلان الحكومة الليبية عن خطة للأمد القصير لدمج 50 ألفا من الثوار السابقين في قوات الجيش وأجهزة الأمن، فإنه لم يتم البدء رسميا في أعمال الخطة، بسبب نقص الإمكانات المالية، فضلا عن ضعف شرعية المجلس الوطني الانتقالي.
4 - الخلاف علي شكل الدولة بعد الثورة: فلأن القذافي طمس معالم الدولة، وأضعف الجيش، وأحال السلوك الداخلي والخارجي لنظامه إلي مغذ لطموحاته الشخصية في الزعامة، لذا باتت الدولة الليبية بعده في حالة تشكك إزاء وجودها أصلا. ولا يمكن فصل هذه الخلفية عن إعلان زعماء ليبيين لمنطقة برقة شرقي ليبيا إقليما اتحاديا فيدراليا، يتمتع بحكم ذاتي، بعد عقود من إهمال القذافي تنمويا وسياسيا، فضلا عن "استشعار الشرق" أن معادلة التهميش في مواجهة طرابلس لم تزل مطروحة بعد الثورة، خصوصا أن قانون الانتخابات أعطي لطرابلس بعد الاحتجاجات عليه نصف المقاعد، مقارنة بالمنطقة الشرقية التي حازت 60 مقعدا من مائتين، بينما حصل الجنوب علي 40 مقعدا. وعلي ذلك، تخشي المنطقة الشرقية تكرار سيناريو سيطرة "طرابلس" علي السلطة والثروة النفطية، برغم أن الأخيرة تقع أكثريتها في الشرق.
وما يزيد الأمر تعقيدا أن السلطة في الشرق أصبحت للميليشيات المسلحة. وإذا ما استطاع الداعون إلي الحكم الذاتي السيطرة المركزية علي الأمن، وتوحيد القبائل والإدارة المحلية، والثروة النفطية، خاصة بالاتفاق مع الشركات الغربية، فإن برقة ستفرض "واقعا" فيدراليا، وليس "إعلانا"، بدا للبعض في الوهلة الأولي أنه يفتقد لمقومات الحكم الذاتي.
وبرغم التهديدات التي أطلقها المجلس الوطني الانتقالي ضد برقة، ثم تراجع عنها، مفضلا الحوار، أو كما رآه بعض المسئولين الليبيين "ممارسة ديمقراطية"، فإن إعلان برقة يعكس في طياته خلافا حادا علي فكرة دولة "القذافي" المركزية، حتي وإن تمسك من أطلقوا الإعلان بوحدة الدولة.
ولا شك في أن إعلان برقة - الذي تمسك بدستور 1951، والذي يقسم ليبيا إلي ثلاثة أقاليم (فزان، برقة، طرابلس) - يشير فحسب إلي أن هناك ميلا للدولة الفيدرالية ما قبل القذافي، التي تحتاج إلي أسس لا تتوافر في الحالة الليبية، خاصة أنه لم تنتظم علاقة مؤسسية، وتوزيع صلاحيات واختصاصات بين المركز والأقاليم، وإنما يشير أيضا إلي أن الأقاليم الأخري، خاصة طرابلس، قد تدخل في مواجهة صراعية علي الموارد مع الجنوب والشرق، لن يغيب عنها العامل الدولي الذي كان مدفوعا في مساندة الثورة بعوامل عدة، من أبرزها المصالح النفطية.
5 - العامل الدولي بعد سقوط القذافي: فبالرغم من أن مهمة الناتو بعد اختفاء القذافي قد تكون انتهت نظريا، فإنه لجهة الواقع فإن العامل الدولي سيظل مؤثرا في المشهد الداخلي الليبي، ليس فقط للمصالح النفطية، أو إعادة الإعمار، أو لتشكيل حائط صد أمام الهجرة غير الشرعية، أو المشاركة في إعادة تأهيل مؤسسات الأمن، وإنما لإنشاء شبكة تحالفات عميقة، تمكن الناتو والولايات المتحدة من مواجهة الأخطار المتدفقة من الموقع الجيواستراتيجي لليبيا باتجاه أوروبا، أو للحفاظ علي خطوط المصالح في عمق منطقة الساحل والصحراء، خاصة ما يتعلق بخطوط النفط والغاز الإفريقي الممتدة من ليبيا إلي تشاد، ثم الكاميرون، ونيجيريا، أو احتواء التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء.
ثالثا - التداعيات علي دول الجوار:
إن التغييرات في الأوضاع الداخلية في ليبيا ألقت، وستلقي، بالفعل بتداعيات علي الجوار الليبي، خاصة أننا إزاء دولة كانت نشطة إقليميا، واشتبكت - سلبا وإيجابا في مرحلة القذافي - مع الجوار العربي والإقليمي. ومن أبرز التداعيات المتوقعة:
1 - تهديد استقرار دول الجوار: فلا شك في أن تهريب الأسلحة الذي بات تجارة رائجة في ليبيا طال دول الجوار العربي والإفريقي، وبدأ يشكل شوكة في ظهر هذه الأنظمة. إذ إن بعض التقديرات تشير لتهريب ما يقرب من 10 آلاف قطعة سلاح وقذائف آربي جي في مرحلة ما بعد الثورة. فالسلطات المصرية ألقت القبض أكثر من مرة علي أسلحة مهربة خفيفة ومتوسطة عبر الحدود من ليبيا، بما يغذي ظاهرة الانفلات الأمني في مصر.
الأمر ذاته لا يختلف في النيجر أو الجزائر التي تملك حدودا مع ليبيا تصل لأكثر من ألف كيلو، ولا تستطيع السلطة القائمة في ليبيا مراقبتها أمنيا. كما أن تجارة السلاح امتدت لمنطقة الساحل والصحراء، خاصة مالي، حيث الحرب بين الحكومة والطوارق، وكذلك تنظيم القاعدة الذي يسيطر علي مناطق صحراوية بين مالي والنيجر، وموريتانيا والجزائر. بالإضافة إلي حركة العدل والمساواة التي تم تداول تقارير حول حصولها علي سلاح من ليبيا عبر الحدود الجنوبية، علاوة علي الحركات المناوئة لأنظمة النيجر وتشاد.
2 - تنامي "قاعدة" الساحل والصحراء: فالثورة الليبية أفرزت ضعفا للدولة، وغيابا لمؤسسات الأمن، وتوافرا للسلاح، وتدخلا دوليا، مما يشكل مفردات خصبة لتنامي قوة تنظيم القاعدة الذي يوجد حينما تصبح الدولة فاشلة، كما حدث في العراق واليمن. كما أنه حاليا يسعي لإيجاد بيئة تكفل له "هدف البقاء"، بعدما تراجعت شعبيته، إثر استطاعة الثورات العربية تغيير أنظمة استبدادية بطرق سلمية لا عنيفة.
إن فرار أعداد كبيرة من السلفيين الجهاديين من سجون في ليبيا وتونس، فضلا عن تسرب أسلحة من ليبيا باتجاه النيجر، ثم شمال مالي، يصب في تقوية تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، كما يعضد من علاقاته مع التنظيمات الأخري المتقاربة معه فكريا. حتي إن تقريرا للأمم المتحدة حذر من وصول أسلحة ليبية إلي جماعة بوكو حرام المتشددة في نيجيريا. وأشار التقرير إلي أن بعض السلطات تعتقد أن جماعة بوكو حرام المتشددة تقيم علاقات متنامية مع تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي. كما أن ثمة ارتباطات بدأت تلوح بين حركة البوليساريو في المغرب والقاعدة، يجد البعض مؤشراتها في محاولة البوليساريو الاستقواء بالسلاح القادم من ليبيا عبر "القاعدة".
3 - التحالفات الإقليمية لليبيا: يمكن القول إن الأوضاع الداخلية في ليبيا أثرت في التحالفات التي كانت قائمة قبل الثورة. فبالنسبة للدائرة الإفريقية، شهدت العلاقات مع دولها توترا علي خلفية تأخر الدول الإفريقية في الاعتراف بالمجلس الانتقالي الليبي، خاصة مع وجود شبكة مصالح واسعة للقذافي في القارة، سواء استثمارات، أو دعم نفطي، أو حتي دعم مباشر لرؤساء أفارقة، فضلا عن علاقة القذافي" الوثيقة" مع حركات التمرد في دارفور، وتشاد، والنيجر.
ولعل الموقف الإفريقي المتحفظ في بداية الثورة الليبية بدت تجلياته في توتر العلاقات بين الجانبين، ومنها دول الجوار، خاصة النيجر، التي رفضت تسليم أعوان القذافي، وهو ما ردت عليه ليبيا - علي لسان المجلس الوطني - بأن علاقتها مع الدول المجاورة ستقوم علي الموقف الذي ستتبناه، حين يتصل الأمر بتسليم مجرمين وأشخاص ملاحقين. وعلي ذلك، فلا يتوقع أن تستمر التحالفات مع الجوار الإفريقي، سواء القريب أو البعيد، بمثل مستوي مرحلة القذافي، بل إن ثمة اتجاهات في ليبيا لترشيدها، مع الحفاظ علي المصالح المستقرة لليبيا بحكم موقعها في القارة.
وفي الدائرة العربية، شاب العلاقات الليبية مع مصر توتر مماثل، بسبب موقفها المحايد من الثورة، وغموض الموقف بشأن استثمارات أقارب القذافي علي أرضها. أما الجزائر التي استضافت أسرة القذافي، فقد تعرضت أيضا علاقاتها مع ليبيا لاضطرابات، بسبب الخوف من تأثير المد الثوري فيها، فضلا عن عجز السلطة الليبية عن ضبط الحدود. بيد أن التوتر تراجعت حدته، إثر اعتراف الجزائر بالمجلس الانتقالي الليبي، وبدء محادثات ليبية - جزائرية لمناقشة خطر تهريب الأسلحة. بينما رفضت تونس تسليم رئيس الوزراء الليبي السابق، البغدادي المحمودي، لحين ضمان محاكمة عادلة.
وبرغم التوتر الذي شاب علاقات ليبيا مع دول الجوار خاصة العربي، فإن ثمة مصالح مشتركة للجانبين، دفعتهما للتنسيق الأمني والاقتصادي، وهو ما بدا في اجتماع تونس في مارس 2012، والذي أسفر عن اتفاقات علي رفع التبادل الاقتصادي والتنسيق الأمني. وهو ما يشير إلي أن ليبيا بعد الثورة قد تبقي علي التحالفات تجاه الجوار العربي، وإن كان بمستوي تدخل منخفض، وقائم علي المصالح المشتركة، خاصة مع غياب البعد الشخصي الذي كرسه القذافي. في المقابل، فإن الأزمة الاقتصادية التي تعانيها مصر وتونس تدفعهما إلي الاستفادة من السوق الليبية المفتوحة علي مصراعيها.
4 - تشجيع حركات التمرد: فالبيئة الليبية تشكل مصدرا مغذيا لحركات التمرد في الجوار الإقليمي. واللافت في هذا السياق أن عودة المقاتلين الطوارق، الذين حاربوا إلي جانب القذافي، إلي شمال مالي، أججت الصراع المسلح بين الحكومة والحركة الوطنية لتحرير أزواد، والتي ارتفع سقف مطالبها من حكم ذاتي إلي انفصال عن دولة مالي. وازدادت فرصة الطوارق في تقوية تمردهم إلي مرحلة الانفصال، بظهور متغير آخر، هو "حركة أنصار الدين" التي تحارب حكومة مالي في إقليم أزواد، وترتبط بعلاقات مع تنظيم القاعدة، ويتم تمويلها بالأسلحة التي خرجت من ساحة المعركة في ليبيا. كما أن النيجر مرشحة بفعل تداعيات الوضع الليبي لتفجر علاقة صراعية مع الطوارق. ويمكن القول إن اختفاء القذافي الذي كان يغدق مساعداته علي الطوارق، ويتوسط لحل مشكلاتهم مع الحكومات، لعب دورا أساسيا في إعادة صراعهم مع الحكومات إلي الواجهة، مستغلين حالة ضعف السلطة، والعجز الأمني في منطقة الساحل والصحراء. وسيلعب اختفاء القذافي دورا مؤثرا في أزمة دارفور، خاصة مع علاقاته الوثيقة لحركة العدل والمساوة.
رابعا - حدود التأثير المحتمل:
يمكن القول إن ثمة ثلاثة مستويات متوقعة من تأثير الداخل في ليبيا في دول الجوار الإقليمي، وهي متدرجة من حيث الحدة والشروط:
1 - تأثيرات حادة "التفجر": ويصبح فيها الداخل مصدرا لمشكلات حادة للجوار، كحالة حرب أهلية تتورط فيها أطراف الجوار الإقليمي، كما في الحالة الصومالية، والكونغو الديمقراطية إبان فترة الحرب. غير أنه لا يتوقع أن يصل تأثير الحالة الليبية في الجوار لمثل هذا المستوي من التفجر الإقليمي، إلا إذا توافرت عدة شروط، قد تكون مستبعدة حاليا، منها فشل المرحلة الانتقالية، والاقتتال الداخلي بين الأقاليم الليبية حول الثروة، وتورط قوي إقليمية ودولية إلي جانب أطراف داخلية.
2 - تأثيرات ثانوية "الانكفاء": وهو يتعلق بضعف تأثيرات الداخل في الجوار الإقليمي، وهو مستوي منخفض من التأثيرات، أصبح من الصعب تحققه، حيث يفترض وجود دولة قادرة علي منع "أقلمة مشكلاتها الداخلية"، وهو مستبعد علي الأقل في حالة ليبيا الراهنة.
3 - تأثيرات متوسطة "الاشتباك": وهو يتعلق بتأثيرات للداخل في الجوار الإقليمي فيما يخص قضايا محدد، ة كانتشار السلاح، واللاجئين، والهجرة غير الشرعية، كما توجد أخطار في الداخل، ولكن لم تصل إلي حد تفجير العلاقات مع الجوار. ومثل هذا النموذج هو أقرب إلي الحالة الليبية الراهنة. ومثل هذه التأثيرات يمكن مواجهتها عبر التنسيق، خاصة مع وجود مصلحة لكل الأطراف (الداخل ودول الجوار) في تخفيض حدة التهديدات. وهو ما بدا واضحا في الآونة الأخيرة من سعي مشترك بين ليبيا ودول الجوار لمناقشة تداعيات الوضع الأمني علي الحدود، خلال مؤتمر مشترك ضم وزراء مصر، وليبيا، وتونس، والمغرب، والجزائر، والنيجر، وتشاد، ومالي، وموريتانيا. قصاري القول إن تأثيرات الداخل الليبي في دول الجوار سترتبط مساراتها المحتملة بمدي قدرة الليبيين علي بناء نظام سياسي ديمقراطي يجمع الأطياف المختلفة للمجتمع، وتأسيس أجهزة أمن مركزية تستطيع نزع سلاح الميليشيات، وتكريس سلطة الدولة، وتوزيع عادل للثروات، وصياغة توجهات خارجية قائمة علي المصالح المشتركة.