Share |
نوفمبر 2009
15
حين تكون المرأة سلعة في فتارين المجتمع
المصدر: مجلة نصف الدنيا
بقلم:   منير عامر

منير عامر

تخطفني دائما بشرة المرأة الوردية، لا أعرف هل هي متوهجة بآهات الشوق، أم متنمرة بنوايا التدمير، فإن كان اللون علامة علي آهات الشوق، فالأمر البسيط هو قليل من الانتظار لأتعرف علي ملامح حبيبها الذي تشتاق له، وسيصل إلي حيث تقف أو تجلس، وإن كانت المسألة هي نوايا التدمير، فالأمر أيضا بسيط، فلسوف أري ملامحها عندما تلتقي بحبيبها وهي تبعده وكأنها تقربه إن اعتذر لها عما أغضبها. ودائما ـ في زماننا ـ ما تغفر المرأة بسرعة لمن تحب ـ أو ترتبط ـ لا لشيء إلا لأنها تشعر في كل الأحوال أنه لا قيمة لأنوثتها دون رجل يمكن أن يتجسد واقعا حيا أمامها حين تطلبه أو تتمناه، عكس الرجال الذين يمور خيالهم بعشرات ـ أو مئات ـ النساء المتخيلات، لأن خيال الرجل كثير التنقل واختراع العديد من النساء اللاتي يجمع صورهن مما يراه إما علي الشاشة وإما ممن يلتقي بهن علي أرض الحياة اليومية.
كل منا يرقص علي إيقاع ظروف افتقاده لحريته سواء أكان رجلا أم امرأة
كانت تلك هي كلماتي التي تشبه الإعترافات غير المترابطة وأنا أسير في شارع رسباي بالحي اللاتيني وبجانبي صديقة الأعماق د. مارلي الطبيبة النفسية الرائعة.
قالت مارلي : اللون البمبي الذي تحكي عنه يربط عندي ما بين باريس وطوكيو، ولا أعرف لماذا يتقارب مناخ باريس في أبريل مع مناخ طوكيو في أغسطس، فالنور الواضح تماما في طوكيو يشوبه عند الغروب لونا بنفسجيا، يتطابق مع اللون البنفسجي الخارج من اللون الرمادي عند الغروب الباريسي.
قادت كلماتها خيالي إلي قيمة شارع راسباي الذي نسير فيه سويا ؛ في الحي اللاتيني الباريسي، فهنا كان يسكن جان بول سارتر صاحب انتشار المذهب الوجودي. ومن الغريب أن هذا المذهب كان موجودا من قبله بسنوات طويلة، ولكن تفجير فكرة أن كل إنسان حر ويختار مصيره بنفسه هي التي نشرها سارتر بشكل آخاذ، مقالات، مسرحيات، روايات، مشاركة في المظاهرات، فضلا عن علاقته بحبيبته سيمون دي بوفوار، ورفض الاثنان لفكرة الزواج، فقد عاشا معا، وكل منهما حر في البقاء أو الترك. وكانت له مغامرات خارج العلاقة، وكانت ترد عليه بمغامرات أخري، بشرط أن تستعيده أولا إلي أحضانها، ثم تعذبه بالغرق في أحضان غيره. أتذكر أني قلت لمن شاء أن يعرفني علي سارتر بشكل شخصي ؛ وهو د. علي السمان، وكان في تلك الأيام دارس مشاغب للاقتصاد والقانون معا، قلت لعلي السمان " مادام هناك اثنان من أصدقاء سارتر وسيمون دي بوفوار يعلمان بقصة حبهما، ومادام الناس كلها تعرف تلك القصة، فهما زوجان رغم أنف أي منهما، لأن شرطي القبول والعلانية واضح في علاقتهما. وكل منهما وحده يدفع ثمن وهم الحرية الذي يناديان به، فهي عندما تتعرف وتلتقي بشاب غيره يغرق هو في الغيرة، وهو عندنا يتعرف ويغوص في تجربة مع امرأة اخري تصاب هي بالجنون، وتستعيده بكل الوسائل. ويثرثر كل منهما بالحرية، علي الرغم من أنهما يحولان تلك الحرية إلي " عزلة " ويسبحان في أشواك الإحساس المرير بأن أي منهما علي وشك أن يعيش مهجورا. وكان علي السمان يضحك قائلا " أنت تفسر المسألة حسب معتقداتك، ولكن عندهما فالتفسير الفلسفي بأن كلا منهما حر والحرية هي في الجوهر نار يمرق من خلالها الإنسان ليصل إلي الاختيار.
سألتني د. مارلي : لم أتزوجك بعد حتي تسرح بأفكارك بعيدا عني، فيما تفكر ؟
قلت : شارع راسباي بالنسبة لي هو شارع جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، وهو شارع "ادعاء الحرية"، وكتمان الصرخات من آلامها، مع المعاناة من أشواك الخوف من الهجر، وقد غادر كل منهما العالم باكتئاب مؤلم، وكانت الشيخوخة لأي منهما مضحكة أيضا، فقد تعلق سارتر بيهودية تصغره في العمر بمراحل، وأعطاها كل ما يملك، ومن العجيب أني قرأت في مجلة المصور القاهرية عن لحظات موته، أن طلبا غريبا جاء علي لسانه، فقد طلب استدعاء رجل دين، وحين سألوه " من أي كنيسة ؟ " أجاب : أريده رجل دين مسلم فليس منهم متاجرون بالدين هنا في فرنسا " وانتهي الرجل بغيبوبة لم ينفعه فيها أي رجل دين. أما سيمون دي بوفوار فبعد وفاته عاشت علي التذكار والألم، وكان يواسيها رفقة الشاب العجوز كلود لانزمان ـ الصهيوني أيضا ـ وهو مدير مجلة " الأزمنة الحديثة، وقد عاشت معه تجربة صاخبة عندما كان شابا، ثم انتهت التجربة. وحاولت أن تبعده عن سارتر، فلم تستطع، لأن كلود لانزمان استدعي أكثر من حسناء يهودية لتلعب أي منهن دور العشيقة للعجوز سارتر.
قالت مارلي : يبدو أن شارع راسباي بالنسبة لك هو شارع أفكار مرهقة. فلندلف إلي شارع آخر في هذا الحي اللاتيني.
أقول لمارلي : يبدو أن نبوءة سارتر قد تحققت، فقد غرق الطلبة الذين كانوا يملأون هذا الحي بالرغبة في تغيير العالم، هؤلاء الآن صاروا مثلما قال سارتر " عواجيز يبحثون عن المتع الصغيرة ". فكل منهم يمسك الكومبيوتر المحمول، ويحاول إنهاء محاضراته وأبحاثه. ويعلم أن صراخ من سبقوهم من الطلاب قد ذهب هباء. وأن المظاهرات التي شهدت أنا بعضا منها في أوائل الستينيات ؛ هذه المظاهرات قد ضاعت هباء، فقد كان الهتاف أيامها ضد أمريكا يقول بالصوت العالي " لا تقتلوا قبلاتنا في فيتنام "، وهذه المظاهرات التي أسقطت ديجول من حكم فرنسا عام 8691 تحولت في أوائل القرن الواحد والعشرين إلي مظاهرات ضد جاك شيراك لا لطلب تغيير العالم، ولكن لمجرد الحصول علي وظيفة ، ويمكن أن تستيقظ في أي لحظة ضد ساركوزي من أجل هذا المطلب الذي كان محتقرا في الأزمنة السابقة، أي أن يجد الطالب وظيفة تضمنها الحكومة لمدة عامين، ويتم تثبيته فيها علي الفور، لأن ترك التوظيف للقطاع الخاص في فرنسا صار مهينا، ومن يقرأ عن متاعب خريج الجامعة في مصر أو في الولايات المتحدة أو في إنجلترا أو فرنسا أو المغرب أو مصر، سيجد المتاعب واحدة، بحث عن وظيفة وراتب وبيت ولقمة خبز، وهي أشياء صارت في كل بقاع الأرض تحتاج إلي وساطة، ففي أمريكا يطلبون شهادة تزكية من عمل سابق، وفي إنجلترا يطلبون من الشاب شهادة خبرة، دون أن يكون له خبرة، وفي فرنسا يطلبون منه إتقان لغة إنجليزية، ومهارات متعددة لم يحصل عليها أثناء دراسته، نفس الحلقة التي يتم حبس الأجيال الشابة فيها، ولكل ذلك يمكن أن تجدي العنصرية وهي تعصف بأوربا كلها ؛ سواء في إيطاليا أو فرنسا أو إنجلترا أو ألمانيا، ولا نجد إلا دول الشمال الأوربي هي التي لا تعاني من تلك العنصرية، لأن الشباب الذي يهاجر من المغرب أو من العراق أو من مصر أو من السودان أو الصومال، إنما يتم استخدامه كأداة للترفيه عن كثير من نساء دول الشمال، ولن أنسي صديقا يعمل أستاذا في جامعة فلندية كبيرة، وكان في الخمسين من العمر حين قال لي " لا أعرف كيف يمكن أن يقاوم صعيدي من أسيوط كل هذا الجمال الأنثوي الذي يطارده صباح مساء ؟ إن الجميلات في فنلدا أخذن دور الرجال في الشرق، فالواحدة منهن هي التي تتحرش بالرجل منذ أن تبلغ من العمر السابعة عشر، وهي التي تدرب نفسها علي اصطياد أي شاب ـ أو عجوز ـ إلي أحضانها. والموضة عندهم في تلك الأيام هم شباب الأكراد، جاءوا من المناطق الجبلية، ويعانون مثل كل شباب الشرق من تلك الحواجز الأخلاقية الصارمة بين الرجال والنساء. ويرتبكون لأيام أو أسابيع، وقد يصاب بعضهم بالعجز عن عناق أي امرأة لأن أيا من رجال الشرق لم يتعودا أن يكونوا هم الفريسة، بل يلعبون دور الصياد دائما، فمابالك أن تطارد الشرقي الواحد أكثر من واحدة؟ تلك تجربة قاسية في البداية، ثم سرعان ما يتأقلم الرجل القادم من الشرق علي هذا الجو. وقد يصادف الحب الذي يتمناه. وهنا يستقر ويأخذ الجنسية الفنلدية ويعيش آمنا إلي أن تجد الزوجة أو الصديقة شابا آخر ترغبه، فتستبدل الجديد بالقديم ليجد القديم نفسه غارقا في الإحساس بأنه مهجور. وعلي الرغم من كثرة المطاردات التي تصادف هذا المهجور، إلا أن جرح كرامة الشرقي يؤلمه، لذلك يصر المهجور قبل أن يدخل في علاقة جديدة أن يأخذ تعهدا ماليا علي المرأة التي سيعيش معها من بعد ذلك.
تقول لي مارلي : أعلم أن هذا ما يحدث في دول الشمال، ولكني لم أكن أعلم أن أحد أسباب العنصرية في العديد من دول أوربا سببه البحث عن بقاء الحياة العادية التي كانت متوافرة في العشرين عاما التي تلت الحرب العالمية الثانية، وكان الشباب فيها يحلم بتغيير العالم، وصار في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين مجرد باحث عن لقمة العيش والمأوي، ولذلك يكره الشباب الأوربي الأجانب الذين يقبلون العمل في كل الأعمال التي يأنف منها أي أوربي، ويقبل أي أجر يلقيه إليه صاحب العمل. وتلعب الحكومات في كل بلدان العالم من الصين شرقا إلي إنجلترا غربا لعبة التخلي عن خلق فرص عمل. وتكون النتيجة أن الكرة الأرضية صارت مزدحمة بالشباب الباحث عن حق استمرار الحياة بأي طريقة، حتي ولو كان الطريق يبدأ من التعصب وكراهية الآخرين، والتناقس الصعب علي الوظائف، ففي الصين ـ مثلا ـ وهي الدولة الشيوعية التي مازالت محكومة بالحزب الشيوعي، يعاني الشباب فيها من العمل لمدة اثنتا عشر ساعة كل يوم بشكل متوصل في المصانع التي تتبع شركة "وول مارت " التي تبيع البضائع الرخيصة في الولايات المتحدة. وقد تندهش عندما تعرف أن المرأة الصينية لا تستطيع أن تدخل دورة المياه إلا بإذن مسبق من رئيس الوردية، وعندما يأذن لها رئيس الوردية، فهي تجد طابورا طويلا يقف أمام دورات المياه، وإن تأخرت عن العودة إلي الآلة التي تقف عليها، ستجد نفسها وهي تعاني من خصم عدد الدقائق من جدول تشغيلها، ولذلك تفضل النساء هناك ارتداء الحفاضات التي تسمح لهن بالتبول دون أن يخرج البلل إلي الملابس. تلك حياة تقترب من حياة العبيد في القرون الوسطي.
أقول لمارلي : لا أنسي أن مثل هذا النوع من الحياة غير اللائقة موجود أيضا في الولايات المتحدة، فقد كنت أزور صديقا هو أستاذ جامعي في كولومبيا بنيويورك، كنت أزوره في مصحة لعلاج الإدمان بعد أن حكمت عليه المحكمة بالبقاء ستة أشهر في تلك المصحة لأنه يقود السيارة وهو مخمور، وعندما جلست إلي صديقي في كافتريا مصحة علاج الإدمان ـ إجباريا ـ فوجئت بواحد من المحكوم عليه بنفس الحكم وهو عامل فني في شركة صناعة الطائرات الأمريكية الكبيرة، وقال لي " أول سبب للإدمان بالنسبة لي هو عملي بالإنتاج، بمعني أن لي أجرا أساسيا يزداد كلما أنتجت أكثر. ومهمتي مراقبة مسامير معينة يجب أن تكون كلها متساوية في الشكل والحجم والوزن. وطبعا لا يملك الإنسان طاقة استمرار لمراقبة صناعة تلك المسامير إلا لعدد محدود جدا من الساعات.ولكن الإنسان يحاول تركيز انتباهه ليعمل ساعات عمل زيادة كي يكفي مصاريف الحياة اليومية، فهناك كرابيج الإعلانات عن السلع، وهناك أكذوبة اسمها " ادخر خمسة دولارات وأنت تشتري السلعة الفلانية، ويصورون لك الخمسة دولارات وهي تدخل جيبك بينما الحقيقة أنهم يأخذون من دخلك ومستقبلك وساعات عمرك إما فوائد الديون إن اشتريت السلعة المعلن عنها بالفيزا كارت ـ بطاقات الإئتمان ـ وإما أن تدفع ما عليك من صحتك عندما تعمل عددا أكبر من ساعات العمل. ولكل ذلك لا يوجد مفر من الإحساس بالاختناق إلا الإدمان أو الانضمام إلي جماعة متطرفة مجنونة، تكفل لك الطعام والشراب، ويقودك مؤسسها إلي الهلاك كما حدث في الجماعة المتطرفة التي فجرت مبني إدارة مدينة أوكلاهما، أو أن يضارب الواحد في البورصة بنقود ليست له، فتكون النتيجة هي الخراب الذي لا يخرج منه صاحبه إلا بالانتحار أو بجريمة قتل. والإدمان علي الكحول ليس إلا أحد وسائل الانتحار. وأنا كنت مدمنا علي الكحول واصطادتني سيارة الشرطة وأثبتت أني أقود السيارة وأنا مخمور، وكانت النتيجة ستة أشهر في الوجود الإجباري بتلك المصحة. ثم ثلاثة أشهر في إعادة التأهيل، ثم من بعد ذلك بحث عن عمل لن يبلغ أجره ما يسدد الديون، لذلك أتوقع أن أعود مرة أخري للإدمان. ولا أعلم كيف يمكن أن تسير الحياة.

وبينما نحن منهكون من السير في شوارع باريس وجدت أنا ومارلي أنفسنا في مواجهة مع الصديقة فيفيان ماكورمك مدرسة علي النفس في جامعة فيرجينيا، ولأن فيفيان مصرية الجذور والميلاد والتعليم، وقد درست معي في نفس آداب الإسكندرية قسم اللغة الفرنسية وجاءت إلي نيويورك في بداية تخرجها لتعمل مدرسة لغة فرنسية، وفي نفس الوقت درست الماجستير والدكتوراه في علم النفس حتي حصلت علي درجة " معالجة نفسية "، رحبنا بها ورحبت بنا. ووجدت في يدها رواية " جيشا " للكاتب الأمريكي آرثر جولدن، وهي الرواية التي بيع منها عدة ملايين، لأنها تصور حياة " فتيات الجيشا " في اليابان قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، وهي عبارة عن اعترافات واحدة من بنات الجيشا التي تركت اليابان بعد الحرب وافتتحت " بيتا للشاي " في نيويورك بفندق "وولدورف استريا " أكبر فنادق نيويورك علي الإطلاق.
قلت لفيفيان : ما الذي يعجبك في تلك الرواية وأنت هنا في باريس ؟
قالت زوجها رجل الأعمال آرثر ماكورمك : أنت تعرف هوايتها للآداب العالمية، وهي تري في تلك الرواية نموذج لتشابه الشرق والغرب رغم إدعاء كل منهما إلي أن "الشرق شرق والغرب غرب "، علي الرغم من أن استعباد كل من الشرق والغرب للإنسان واحد.
أقول لآرثر : مالك ترد نيابة عن فيفيان ؟ ألا تعلم أنها مصرية مثلي، بينما أنت أيرلندي الجذور ؟
ضحك آرثر وقال : إسمع لها، فلن تجد أكثر مما أقول ؟
قالت فيفيان : الرواية حلوة، لأنها تكشف كيف يعامل الشرق المرأة كسلعة.

تحكي الرواية كيف أن فتاة تنشأ في بيت من بيوت الشرق المهتزة بإيقاع راقص علي نقرات الفقر أو التوترات الاقتصادية، وكان من السهل في القري الساحلية اليابانية قبل الحرب العالمية الثانية بيع البنات بشكل علني واضح لمن يدفع ثمن البنت لكي تلحق بالعمل أيا كان العمل. والبنت الحلوة ذات الأنوثة والذكاء يمكن اعادة بيعها من السمسار الذي اشتراها إلي بيت من مجموعة من البيوت التي تمد بيوت الشاي ببنات الجيشا. وأول ما يهتم به المشتري هو بكارة الفتاة، حيث يتم الكشف علي بكارتها بواسطة سيدة متخصصة في ذلك تماثل وظيفة " الداية " في مصر، وعلي حسب مستوي جمال الفتاة قد يشتريها واحد من بيوت إعداد البنات للعمل كفتيات للجيشا. وتبدأ البنت في العمل كخادمة أولا، ثم قد توافق بنت الجيشا علي أن تعلمها أصول فن الجيشا، وتلحقها بالمدارس المختلفة للرقص والموسيقي وفنون التعامل مع زبائن بيوت الشاي، فضلا عن مذاكرة وتطبيق كل ما تتعلمه في المدرسة أثناء تواجدها في البيت ؛ حيث تركز الفتاة في استيعاب كيف تكون تمثالا ذكيا مطيعا وقادرا علي التحكم في سلوكها ومشاعرها، وبعد سنوات من تعلم طريقة تقديم الشاي وخمر الساكي وكيفية ارتداء الكومينو ـ وهو بالمناسبة زي يتكلف الكثير من الأموال، ويشتريه بيت إقامة الفتاة ـ وتتعلم أيضا العناية بمزاج من يترددون علي " بيت الشاي " من الرجال، وكيف تسير وكيف تنحني وكيف ترقص وكيف تغني، بعد كل تلك الرحلة تبدأ حياتها كفتاة جيشا. ولعل أغرب ما تعترف به فتاة الجيشا في تلك الرواية هي حفل فض البكارة، حيث يدخل أثرياء أي بيت شاي في مزاد علني مثير، فمن يدفع أكثر من رجال الأعمال، فهو من يملك حق فض بكارة البنت في احتفال يقام لذلك. وليس معني ذلك ارتباط الفتاة بذلك الرجل، لأنه قد لا يرغب في أن يلعب دورا اسمه " دنا" وهو من يستمتع بأن يحتفظ لنفسه بحق التعامل مع الفتاة وكأنها عشيقته الخاصة. وفي نفس الوقت يتكفل بالصرف عليها والإستجابة لكل مطالبها المالية.وآه إن خرجت إشاعة عن " خيانة " فتاة الجيشا للرجل الذي يتكفل بمصاريفها ؟ هذا هو هي نهاية الفتاة ومستقبلها، حيث لا مصير لها من بعد ذلك سوي أن تنتقل لبيت من بيت البغاء.
وتحكي الرواية تفاصيل حياة فتاة تم بيعها وهي في الثامنة من العمر لتاجر أسماك، باعها من بعد ذلك لبيت من بيوت إعداد الفتيات للعمل كجيشا. وأثناء انتقالها من قريتها علي شاطئ المحيط إلي ذلك البيت الموجود في كيوتو العاصمة الثقافية لليابان، يشفق عليها واحد من الأثرياء، يلفته إلي هيئتها عيونها الرمادية التي تميل إلي الزرقة، وكيف يمكن للإنسان أن يقرأ في لون العيون كل المشاعر. ويمنحها الثري قطعة نقدية يلفها في منديل من مناديله. وهذه عادة من عادات أهل اليابان حيث يقدمون كل شيء ملفوفا في قطعة من قماش، تكون تلك القطعة مصنوعة بشكل فني شديد الإبداع. وتحتفظ الفتاة بهذا المنديل، وتتعلق نفسيا بصاحبه في رحلة العمل.
وطبعا تعاني الفتاة من شظف العيش في بيت إعدادها كفتاة كجيشا، حيث تحرص فتاة الجيشا الكبيرة في هذا البيت علي إذلال كل من يتعامل معها، وتدبر لهن المكائد. ولا تتورع عن الكذب والإحتيال وإلقاء التهم جزافا علي أي إنسان. وتلك أخلاقيات كل من تربي بعيدا عن أسرته في كل أنحاء العالم، سواء تمت تربيته في ملجأ أو مدرسة داخلية. ولكن البنت بطلة الرواية تقابل كل المكر بكل قبول، وتحاول أن تشق طريقها إلي دنيا بنات الجيشا بكل ما تفرضه أصول المهنة، حتي حفل فض بكارتها الذي فاز فيه طبيب مشهور وثري ـ ودميم طبعا ـ حتي هذا الحفل قد تم بما يرضي الجميع عنها، ولكن بطل أحلامها هو الرجل الذي عطف عليها وأهداها قطعة نقدية صغيرة ملفوفة في منديل.
وتتعرف هي علي الرجل فتجده صاحب شركة لكترونيات كبيرة، ويشاركه فيها ضابط سابق بالجيش الياباني، هذا الضابط عاني أثناء واحدة من حروب اليابان من فقد ذراعه وتشويه وجهه، ولكنه يصر علي أن يكون عشيق البنت، فلا تجد مفرا من أن ترتب هي مشهدا ليضبطها وهي خائنة كي يطردها من حياته. ولكن المشهد ينقلب، فنجد أن من يضبطها في حالة عناق حميم مع رجل دميم آخر، هو الرجل الذي سرق خيالها منذ المرة الأولي. وهنا يلتقط بمشاعره حقيقة مشاعرها. وهنا يرتبط بها بعد أن عرف الضابط السابق أنها خانته. ويعيشان معا كعشاق. ويتولي تسديد كل ديونها، لكنه لا يتزوجها، لأنه ببساطة متزوج.
ويصحبها الرجل معه إلي الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ليفتتح لها بيتا للشاي في أغلي فنادق نيويورك علي الإطلاق. وتعيش معه كعشيقة بقية أيام عمره إلي أن يموت، فترغب في الإعتراف بتاريخ حياتها للكاتب الذي ينقل عنها قصتها.

أقول لفيفيان : لماذا تقولين إن الشرق متشابه مع الغرب، وكلنا جميعا " جيشا " من نوع أو آخر ؟
تقول : كل منا يرقص علي إيقاع ظروف افتقاده لحريته، سواء أكان رجلا أو امرأة، وإن كانت المرأة تعاني من وقاحة التصرف معها كسلعة، فالرجل ايضا يتعرف علي وضعه كسلعة بشكل سري.
أقول : أحتاج إلي فنجان قهوة فرنسية ثقيلة حتي نناقش معا كيفية إحساس الرجل بأنه سلعة، مثل المرأة وإن كان الأسلوب مختلفا.
ولما كنا في شارع سان ميشيل، لذلك كان من السهل أن ندخل مقهي للطلبة لنطلب أربعة فناجين قهوة فرنسية شديدة القوة لعل الخيال يهدأ من حالة الاختناق التي تسببت فيها رواية " جيشا ".