Share |
مايو 2012
18
تنامى مظاهر التدين. وتراجع فى القيم والأخلاق
المصدر: الأهرام اليومى


منذ فجر التاريخ والمصريون هم أكثر شعوب العالم تدينا، وحديثا جاءت نتائج استطلاعات الرأي والدراسات المحلية والعالمية لتؤكد أننا أكثر أهل الأرض تمسكا بدينهم ومعتقداتهم.
يتأكد لديك هذا الشعور بسهولة إذا مررت في أحد الشوارع بأي مدينة أو قرية أو نجع من نجوع مصر المحروسة بالإيمان، لتجد مظاهر التدين حولك في كل مكان من الآيات القرآنية الكريمة المكتوبة علي الحوائط في المحلات التجارية والمكاتب، والمسموعة من الراديو والميكروفونات من آلاف المساجد والزوايا، ومظاهر وملابس المصريين أنفسهم من الرجال والنساء والمحجبات والمنتقبات!. وعلي الرغم من تجلي مظاهر التدين في المجتمع في أعقاب ثورة يناير، إلا أن الواقع يؤكد أنها مظاهر شكلية بعيدة عن جوهر العقيدة، وتمسك بقشور الدين وتراجع لقيم دينية أصيلة في المعاملات والأخلاق والصدق والانضباط والعمل والإنتاج!.
أصبح الدين شكلا، وليس لسانا يذكر وقلبا يعي ويلبي ويراقب الله في كل شأن، وتناسي الكثير حديث الرسول صلي الله عليه وسلم «الدين المعاملة» و"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"!. اختزل البعض الدين في مظاهر شكلية لا تعبر عن الدين بأي شكل من الأشكال، وأصبح التدين لديهم جلبابا قصيرا ولحية طويلة وسواكا وغيرها من المظاهر الشكلية التي قد يسعي البعض من خلالها لتحقيق أغراض دنيوية، أو يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة ومن سار معهم أصبح في طريق الهداية ومن عارضهم فهو في طريق الضلال!.
وفي كل الأحوال بات الانفلات الأخلاقي سيد الموقف، وتراجعت القيم الإسلامية الرفيعة من حياة الناس، وتصيد أعداء الدين في الداخل والخارج تلك الأخطاء كمادة يومية في وسائل الإعلام للنيل من الإسلام والمسلمين!. لهذا التقينا بعدد من العلماء.
يؤكد الدكتور عبدالفتاح إدريس، رئيس قسم الفقه بجامعة الأزهر، أن الإسلام منهج له قواعد وضوابط وأخلاق ومبادئ ينبغي أن ينتهجها المسلم وتظهر نتائجها عليه لقول الرسول صلي الله عليه وسلم في الحديث الشريف «الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل»، ولهذا فليس كل مظهر يسفر عن مخبر صحيح ، ويشير إلي أن الكثير من «المتمسلمين» تكسبوا من تدينهم الظاهري القشري أضعاف ما يتكسبه مرتكبو المعاصي، ولهذا قال الرسول صلي الله عليه وسلم في الحديث الشريف «الدين المعاملة» وهذا يدل علي أن الدين الإسلامي ليس طقوسا ولا مظهرا يظهر به البعض في ملبس قصير أو لحية، إنما هذا الدين ينبغي أن يظهر في سلوك المسلم مع المجتمع وفي تعامله مع المحيطين به، ولابد أن نقتدي هنا بالرسول صلي الله عليه وسلم في كل تصرفاتنا، فعندما سئلت السيدة عائشة، رضي الله عنها، عن خلق الرسول قالت «كان خلقه القرآن» كان صلي الله عليه وسلم قرآنا يمشي علي الأرض، وهذا ينبه إلي أن التدين لا ينبغي أن يقتصر علي الشكل الخارجي بل لابد أن يواكب ذلك عمل بالجوارح، لأن الإيمان نطق باللسان وعمل بالأركان، وكل من لم يلتزم بهذه الضوابط، قال عنه الله عز وجل وعن الذين أظهروا من أنفسهم أنهم مسلمون لم يكتمل الإيمان في قلوبهم: «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم».
ويحذر الدكتور عبدالفتاح إدريس ممن وصفهم بـ «طوائف المتمسلمين» الذين يري أنهم يتكسبون بتدينهم الظاهري، وأن هؤلاء أصبحوا معروفين للناس لأنهم يسعون دائما للاستخفاف بعقول العامة وتضليلهم، وهم بذلك ساعدوا علي انتشار الجرائم في المجتمع وأفسدوا الصالح، ولم يعد خافيا علي أحد ضلالهم وبهتانهم وقد قال عنهم الرسول صلي الله عليه وسلم: «إذا لم تستحي فافعل ما شئت»، فينبغي علي هؤلاء أن يتوقفوا عن التكسب بالدين وتضليل الناس وادعاء امتلاك الحقيقة، وأن من يعارضهم علي ضلال، ومن يسير معهم وفي ركابهم يكون مع المهتدين، فكل هذا خداع وتضليل ينبغي أن ألا يوجد في المجتمع المسلم، والحق سبحانه وتعالي يقول: «ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا»، ولا ينبغي للإنسان إذا لم يكن يعلم أن يقحم نفسه فيما يجهل مدعيا الحقيقة بلحية وجلباب قصير ونحو ذلك من التدين الظاهري الخادع ، وقد توعد الله عز وجل المفسدين في الأرض بالعذاب الأليم في الدنيا واللآخرة فقال تعالي "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم".
تناقض غريب
أما الدكتور سالم عبدالجليل، وكيل وزارة الأوقاف لشئون الدعوة، فيري أن المتابع لحال كثير من أبناء الأمة يجد انفصاما في الشخصية الإسلامية، فلربما تجده باكيا في محرابه وفي الوقت نفسه ظالما لإخوانه ومتعديا علي جاره، وتلك هي الكارثة التي حلت بالأمة ولا صلاح إلا بتحقيق عقيدة تثمر خلقا وعبادة تثمر معاملة، ذلك لأن الدين يقوم علي عناصر أربعة هي العقائد، والأخلاق، والعبادات والمعاملات، ولا يجوز الفصل بينها علي الإطلاق، وإلا كان التدين منقوصا، مغشوشا، والعقيدة لا تصح إلا إذا أنتجت أخلاقا حسنة، والعبادة لا تكتمل إلا بالمعاملة الطيبة، والي ذلك أشار القرآن الكريم في سورة يحفظها الصغير قبل الكبير، هي سورة الماعون «أَرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بالدين فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَي طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ لْمَاعُونَ» والمكذب بالدين هنا ارتكب جريمة أخلاقية حيث أساء إلي اليتيم وكان ينبغي عليه أن يكرمه، فلما أساء إلي اليتيم كان كمن أساء إلي الله فاستحق وصف المكذب بالدين، ومثله الذي لا يهتم بالمسكين فلا يطعمه ولا يدعو لإطعامه أو القيام بحقه، ولاحظ قوله تعالي: «فويل للمصلين»، هم يصلون شكلا، لكنهم لم يتخلقوا بأخلاق الصلاة التي تنهي عن الفحشاء والمنكر وتحمل صاحبها علي القيام بحق اليتيم والمرأة والضعيف بوجه عام، فإذا صلي الإنسان ولم يراع هذه الأخلاق فكأنه لم يصل واستحق اللوم والتهديد بالويل، ومن هنا نفهم أن العبادات من غاياتها تحسين الأخلاق وتعديل السلوك، فإذا لم تتهذب أخلاق المتعبد فلا قيمة لعبادته، وسيضيع ثوابها سدي يوم القيامة بسبب سوء خلقه وفحشه.
تضليل للناس
من جانبها تري الدكتورة وجيهة المكاوي الأستاذ بجامعة الأزهر بالمنصورة أن الدين اختزل عند الكثير من الناس في المظاهر، فظهر أناس يرتادون المساجد ويلبسون الثياب القصيرة ويعلنون صيام النهار وقيام الليل ويفعلون ذلك من باب الرياء وخداع الناس، وهؤلاء غابت عقولهم عما يصلح شأنهم، لأن الحرص علي الظهور بغير الحقيقة يترتب عليه ويلازمه الفساد في الأرض وإهلاك النوافع وهي خصلة بغيضة ابتليت بها البشرية، وهذه الفئة من الناس لفت القرآن الكريم النظر إليهم في قول الله تعالي «وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم» فالمخادعون من لوازم الزمان ولكل زمان رجاله وأدواته.
وتضيف أن هؤلاء - المخادعون - لهم سمات وخصائص اشتركوا فيها فصارت من خواص تكوينهم وهذه الصفات تجعلهم يخدعون البسطاء من الناس علي اعتبار أنهم ملهمون سيكفونهم في الدنيا ويقودونهم الي الجنة في الآخرة والله أعلم بسرهم ونجواهم، والمسلم العاقل هو الذي يخلع نفسه من ثوب التظاهر ويبتعد عن الوقوف للناس بكل مرصد ينزع شهادتهم له، بل يقدر الأمور ويضعها موضعها وصدق علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حين أجاب سائلا عن وصف العاقل قال "الذي يضع الشيء موضعه قيل فصف لنا الجاهل قال قد فعلت أي الذي لا يضع الشيء موضعه"، لكن في الوقت الحالي نجد أن كثيرا يدعون التدين وكأن مواضع الأشياء قد تاهت منهم فمكان الشيء حيث مصلحته وعلي قدر جلب النفع يكن الجهد، وينسي هؤلاء أنهم علي تظاهرهم بالالتزام بأوامر الدين واجتناب نواهيه في العلن و فعل ما يبدو لهم في الخفاء، أنهم بذلك يخادعون الناس.
وطالبت علماء الدين والدعاة بالتصدي لتلك الظاهرة التي أصبحت تهدد كيان المجتمع المسلم وتفقد الناس الثقة في كل من يتصدي للدعوة الإسلامية وتفتح بابا للهجوم علي الإسلام نتيجة تصرفات بعض الذين يجهلون تعاليم الدين.
أمور شكلية
أما الدكتور طه أبوكريشة، نائب رئيس جامعة الأزهر الأسبق، فيقول إنه من أكبر البغض والمقت عند الله عز وجل أن يكون الإنسان في أقواله يتظاهر بالأمور الطيبة الفاضلة بينما إذا نظرنا إلي أفعاله وجدناه علي النقيض من ذلك، وهنا أقول إنه علي من تتوالي علي ألسنتهم نصائح التدين في أمور شكلية لا تمثل شيئا من جوهر الدين ألا يتخذوا من هذه الدعوات وسيلة إلي الوصول لغرض دنيوي زائل لأن الله عز وجل لا يخفي عليه شيئا في الأرض ولا في السماء فعلينا أن نعلن إسلامنا إعلانا حقيقيا شاملا من خلال السلوك الذي يتوافق مع جوهر الدين في العقيدة والعبادات والأخلاق والمعاملات وسائر الأمور الدنيوية، والقرآن الكريم يأمر المسلم بأن يكون ظاهرة كباطنه وأن تكون الأفعال مطابقة للأقوال وبعيده عن الرياء وحب السمعة والرغبة في الثناء، ونجد في القرآن الكريم الكثير من الشواهد التي تنهي عن ذلك منها قول الله عز وجل "يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"، فالله عز وجل يأمرنا بالإخلاص في عبادته إخلاصا ينفي أي مظهر من مظاهر الرياء وعلينا جميعا أن نفرق بين الأمور الشكلية وبين جوهر الدين الذي يتمثل في المعاملات والسلوك الطيب.
معاملة وسلوك
الشيخ عبدالحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوي الأسبق بالأزهر، يذكرنا بحديث الرسول صلي الله عليه وسلم: "سيأتي علي الناس زمان لم يبق فيهم من الإيمان إلا الاسم ومن الإسلام إلا الرسم همتهم بطونهم وشرفهم قناعهم وقبلتهم نساؤهم يفرون من العلماء كما تفر الغنم من الذئب" والمؤكد أن هذه الأوصاف أصبحت منتشرة في المجتمع في الوقت الحالي، كما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال "والله لا أخاف علي أمتي مؤمن ولا مشرك ولكني أخاف عليهم كل منافق وعالم اللسان يقول ما يعرفون ويفعل ما يعملون"، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن الرجل الذي يتظاهر بالإيمان يعرف بثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان مع غيره ويزيد في العمل إذا أثني عليه وينقص إذا ذم، وهذه هي صفات المرائين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون.
وطالب كل من يدعي التدين بمظاهر شكلية أن يتقي الله عز وجل ويسعي لإرضائه بالسلوك الطيب، فينهي عن الفحشاء والمنكر، ويأمر بالعدل والإحسان، وأن يضع مصلحة الوطن والأمة فوق كل اعتبار وأن يعلي من المصلحة العامة علي المصلحة الخاصة، لأنه إذا لم يفعل ذلك وتمسك ببعض التصرفات التي شاهدناها في الفترة الأخيرة من اندفاع نحو بعض المواقف والتمسك بها والدفاع عنها أو تحقيق مصالح شخصية ومكاسب سياسية مهما تكن العواقب فإننا أمام كارثة حقيقية. وطالب الشيخ عبدالحميد الأطرش بسرعة التصدي لحالة الازدواجية مابين الشكل الذي أصبح معضلة وبين المظهرية والخواء الذي أصاب المجتمعات الإسلامية، وأن يرتكز الخطاب الديني علي قضايا أكثر أهمية مثل الأمانة، والنظافة، ونشر منظومة الأخلاق وإعلاء قيمة العمل والإنتاج، وطالب علماء الدين بأن ينشغلوا بإصلاح المجتمع الإسلامي ونصحه للقضاء علي تلك الظواهر التي تخالف تعاليم الإسلام بدلا من الانشغال بالسياسة والظهور علي شاشات الفضائيات وإحداث فتن تضر بالمجتمع ولا تنفعه من خلال الحديث في أمور تضر ولا تنفع.