Share |
يونية 2012
1
قضايا قبائل التبو في الجنوب الليبى بين التمرد والوطنية
المصدر: ملف الأهرام الإستراتيجى


يشكل النزاع الذي تكرر مرتين خلال أواخر فبراير ومارس 2012 بين قبائل التبو والقبائل العربية في الجنوب الليبي في مدن الكفرة وسبها، تحديا جديدا يواجه الحكومة الليبية الانتقالية التي يقودها عبدالرحيم الكيب، والتي توجه لها انتقادات حادة بسبب قصور أدائها، وعجزها عن بسط سيطرتها التامة على أطراف البلاد المترامية، وهو ما ساعد في توتر العلاقات بين سكان المناطق الجنوبية من القبائل العربية والتبو التي تسكن في تلك المنطقة. الأمر الذي يفتح الباب لتساؤلات عن قبائل التبو؟ وما هي مشكلاتهم مع الدولة؟ وما هو موقف الأطراف الفاعلة في ليبيا من قضيتهم؟
- قبائل التبو
يقطن معظم أبناء قبائل التبو في الجنوب الليبي، وخصوصا واحات الكفرة التي تعتبر عاصمة لهم وزلة وتازربو وأوجلة وسبها وودان ومرزق وتراقن وجالو، وتقدر إحصائيات عدد التبو في ليبيا بما يقارب مليوني نسمة تقريبا، وهم يتميزون بالبشرة السمراء مثل الأفارقة، ولهم وجود ملحوظ فى ثلاث دول وهى تشاد والنيجر والسودان وعدد قليل فى جمهورية مصر العربية وخصوصا على حدود الليبية المصرية فى جبل العوينات وبعضهم على الحدود الجزايرية الليبية.
وبحسب أحد أبناء القبيلة محمد التباوي المقيم في باريس يبلغ عدد قبائل التبو ثماني وثلاثين قبيلة لكل قبيلة سلطان ولكل سلطان عدة إمراء ولكل أمير جيش وله جغرافية لحماية افراد قبيلته. كما ان لهم علاقات جيدة مع جيرانهم من القبائل العربية في ليبيا مثل المجابرة والمغاربة والمقارحة واولاد سليمان والقذاذفة والزوية، وكذلك مع الطوارق والزغاوة والفور فى السودان ولهم علاقات وطيدة مع جميع السلاطين الافارقة مثل سلطان الكانم فى غرب تشاد وسلطان الوداى فى شرق تشاد. وقد شاركت قبائل التبو مع الليبيين في الجهاد ضد المستعمر الايطالي واستضافوا القبائل العربية التي هاجرت من الشمال بعد دخول الايطاليين الى بنغازي وطرابلس ومدن الساحل.
ومن ابرز قادة التبو في ليبيا "على التبو" الذي كان وزيرا للصناعة ابان عهد القذافي من 1970 الى 1977. وفي الوقت الحاضر يعتبر عيسى عبدالمجيد مؤسس "جبهة التبو لانقاذ ليبيا" احد ابرز قادة القبيلة السياسيين والذي اعلن عن تأسيس جبهته من اوسلو في 2007، وعندما قامت ثورة 17 فبراير 2011 عاد الى ليبيا واعلن حل جبهته وانضم للمجلس الوطني الانتقالي الذي يقوده مصطفى عبد الجليل ليشارك في الثورة ضد نظام القذافي.
- مشكلات التبو
تتمثل مشكلة قبائل التبو في ليبيا في ان معظمهم لا يملكون أوراقا ثبوتية مثل بطاقات الهوية، وان معظم ابنائهم لا يتم قبولهم في المدارس الليبية في الكفرة ومدن الجنوب نظرا لعدم حصولهم على الاوراق التي تثبت هويتهم، وهو ما يمنع عنهم الحق في التعليم وبقية الخدمات التي تقدمها الدولة الليبية، كما انهم يقيمون في بيوت مبنية من أوراق النخيل والصفيح. وقد حدثت اشتباكات عنيفة في اغسطس 2007 وكذلك في 2008 بين قوات الامن وابناء التبو حول الخلاف على احقية ابناء التبو في الحصول على شقق سكنية كان قد تم بناؤها من قبل الدولة لابناء مدينة الكفرة، وقد راح ضحية تلك المواجهات التي حدثت عدد من القتلى والجرحى لم تتوافر المعلومات الدقيقة عن حصرهم نظرا للتعتيم الاعلامي في ذلك الوقت من قبل نظام العقيد القذافي. كما يرى أبناء قبائل التبو أن نظام القذافى قد استغلهم في عدة حروب في أفريقيا كوقود للحرب في تشاد فى ثمانينيات القرن الماضي وفى أوغندا ومات عدد كبير منهم ولم يعرف مصير الكثيرين حتى الآن، إضافة إلى مشاركتهم الفاعلة في تحرير الجنوب الليبي من نظام معمر القذافي خلال ثورة 17 فبراير.
وبعد سقوط نظام القذافي ينتظر التبو من النظام الجديد ان يرد لهم حقوقهم، ويطالبون الان الحكام الجدد في ليبيا بضرورة تسوية اوضاعهم ومعالجتها جذريا من خلال اعطائهم الحق في استخراج وثاق ثبوتية واوراقا رسمية تثبت حقهم في المواطنة وتمنحهم الجنسية الليبية التي فقدوها اثر تنازل القذافى عن اقليم اوزو في الجنوب الذي يقطن فيه التبو.
- النزاع مع القبائل العربية
أدى النزاع الأخير الذي تكرر للمرة الثانية خلال اسبوعين في مدينة سبها بين التبو والقبائل العربية، خلال مارس 2012 الى زيادة التوتر بين التبو والقبائل العربية في الجنوب، وكانت بدايته جريمة قتل قام بها أحد أبناء قبيلة التبو ضد أحد أبناء قبيلة أولاد سليمان، خلال اجتماع لقبائل سبها في إحدى قاعات المدينة وأسفر الحادث على مقتل العديد من الأشخاص الذين لا ينتمون إلى قبيلة التبو مما جعل هذه القبائل تتحد ضد قبيلة التبو، وتطور الوضع على إثرها لنزاع مسلح بين القبائل العربية والتبو استخدمت فيه راجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة من كلا الطرفين أدى لتحول سبها لساحة قتال مفتوحة بين الجانبين استمرت اسبوعا، حتى اضطرت حكومة الكيب لاستدعاء الجيش الوطني الوليد لاحتواء الأزمة والتي نجح خلالها الجيش في بسط سيطرته على المدينة وانهاء الاشتباك بين الجانبين وتحقيق المصالحة بين الطرفين، وعلى إثر ذلك صدر قرار من المجلس الوطني الانتقالي والحكومة الانتقالية يجعل من منطقة سبها ومناطق الجنوب منطقة عسكرية، وهو ما يمكن اعتباره محاولة من الحكام الجدد في ليبيا للجم الصراعات التي قد تحد او تتجدد مستقبلا بين سكان هذه المناطق، خصوصا ان الأحداث التي تكررت في مدينة سبها كانت قد حدثت قبل شهر تقريبا بين قبائل التبو وقبيلة الزوية في مدينة الكفرة وبنفس الأسباب والنتيجة. لكن الاختلاف الوحيد في الحالتين ان أحداث الكفرة اتهمت فيها قبيلة الزوية التبو بأنهم يستعينون بالتشاديين المنتمين للتبو والذين يسكنون على الحدود مع ليبيا في مواجهتهم كما اتهمتهم الزوية ايضا بمحاولات جرجرة جنوب البلاد لصراع قبلي شبيه لما يجري في اقليم دارفور غربي السودان، الأمر الذي يبدو انه قد يكون اتهاما واقعيا خصوصا بعد تصريحات عيسى عبدالمجيد رئيس جبهة انقاذ التبو التي احياها من جديد خلال احداث الكفرة، والتي شن فيها هجوما لاذعا على المجلس الوطني الانتقالي والحكومة الانتقالية قائلا لوكالة الانباء الفرنسية في مارس الماضي ان المجلس والحكومة يمارسان الإبادة الجماعية ضد قبائل التبو وانهما إذا لم يتوقفا عن تلك الممارسات فإنه سيقوم بتدويل القضية مهدد بانفصال الجنوب الليبي عن بقية البلاد. هذه الاتهامات كانت في طريقها للاستخدام خلال احداث سبها التي اتت بعد شهر من احداث الكفرة، لكن هذه المرة جاء التعامل مختلفا من قبل الجيش الوطني الذي قام باصدرا قرار الاول من مايو 2012 يقضي باعتقال عيسى عبدالمجيد باعتباره متمردا يقود عصابة مسلحة تهدف لزعزعة استقرار وامن البلاد، لوقوفه وراء الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدن الكفرة وسبها بين التبو والقبائل العربية. الامر الذي قد يزيد من تعقيدات أوضاع التبو في ليبيا اكثر مما هي عليه الآن.
- الموقف الرسمي
جاء التعامل الرسمي من قبل الحكام الجدد في ليبيا تجاه نزاعات التبو والقبائل العربية اكثر حزما من التعامل مع الصراعات القبلية التي تحدث بين القبائل العربية في الشمال، خصوصا تلك الاحداث التي وقعت في بني وليد بين ثوار سوق الجمعة وابناء المدينة في ديسمبر 2011، او تلك التي حدثت بين ابناء المشاشية وثوار مدينة الزواية، وكذلك بين ثوار مصراته وسكان تورغاء، إذ سرعان ما بادر الحكام الجدد في ليبيا هذه المرة بإصدار اوامر للجيش الوطني للتدخل في الكفرة ومنع وفض تلك الاشتباكات بين التبو والزوية ونشر قوات عسكرية هناك على استعداد لمواجهة اي تجدد للنزاع بين الاطراف، وقد تكرر الأمر نفسه بقوة اكبر في احداث سبها التي جرت بين القبائل العربية وقبائل التبو، حيث أثبتت هذه الاجراءات الى الان فعاليتها في انهاء الازمة بين الطرفين، ونجحت في اجبار الاطراف المتنازعة على توقيع اتفاق مصالحة لتسوية هذه الازمة وتسليم المطلوبين للعدالة.
غير أن مذكرة الاعتقال التي اصدرها الجيش الوطني بحق رئيس الجبهة الوطنة لانقاذ التبو ربما ترفع من درجة الحساسية بين الطرفين وتجاه الحكام الجدد، حيث يتهم عيسى عبد المجيد المجلس الوطني الانتقالي وحكومة الكيب باتباع نفس سياسات القذافي في التعامل مع مشكلات التبو وانهم يسمحون لإلزام القذافي بالعبث في جنوب البلاد دون حساب وزرع الفتنة بين قبائل التبو والعرب.
وبرغم ان صراعات ومشاكل التبو كانت قائمة إبان عهد القذافي إلا انها ظهرت للسطح بقوة بعد سقوط نظامه وهذه المرة مع جيرانهم العرب، ويبدو انها مرشحة للتوسع بسبب الانفلات الأمني في الجنوب الليبي وكذلك الموقع الجغرافي الهام لسكان القبيلة، وعدم المعرفة الكافية عند كثير من الليبين عن قبائل التبو في الجنوب والامتدادات القبلية التى تتسم بدرجة أكبر من التماسك الوطني داخل حدود الدولة الوطنية، وهو ما يعقد من حل مثل هذه القضايا ويجعل الصراع ياخذ طابعا استمراريا يكون له اثار سلبية على المديين القريب والبعيد. لأنه غالبا ما تتحول المشاكل القبلية في ظل الوضع الراهن إلى مواجهات مسلحة تعكس حالة الفراغ الأمني والسياسي، وعجز المجلس الوطني الانتقالي والحكومة على تقديم رؤية مستقبلية لليبيا، إذ أن هذا النزاع في الجنوب هو نتيجة للفراغ الأمني الكبير وهذا يعني أن الأوضاع في ليبيا مرشحة إلى مزيد من التوتر والصراعات القبلية والجهوية.