Share |
يوليو 2012
7
"بئر رومة" أول سبيل فى الإسلام
المصدر: ديوان الأهرام
بقلم:   امينة يوسف


إذا كان سبيل الظاهر بيبرس هو الأقدم وسبيل قايتباى هو الأجمل فإن سبيل محمد على يقع فى عشقه كل من يراه لأنه ليس تحفة معمارية فقط ولكنه يروى ظمأ الجسد وينير العقول فهو أول من استبدل المدرسة بالكُتّاب داخل السبيل فلم يقف دور السبيل عند ابتغاء الأجر والثواب ولكن من يعمل به لابد من شروط تتوافر فيه ألا وهى الثقة والأمانة والنظافة.
من الصعب على أى شخص نسيان ذلك السبيل - الذى يقع فى أقدم أحياء القاهرة الفاطمية - ويحمل اسم محمد على ويأتى من التاريخ حاملاً عبقه وعطره وشذاه وحكاياته الجميلة السبيل يقع فى أكثر مناطق مدينة القاهرة شعبية يحمل روحها وروح المارة الذين ينظرون إليه بإعجاب وهم يواصلون سيرهم بوجوه لا تريد أن تفارقه.
الذين يعرفون المصريين يعرفون أن هناك أغنية يرددونها دائماً هى "عطشان يا صبايا دلونى على السبيل". وهى تكشف عن مكانة الأسبلة فى حياتهم إن "سبيل محمد علي"هو أحد أهم هذه الأسبلة ربما لأنه يقع فى جزء نشيط ومزدحم من المدينة وظل يضج بالحياة نحو مائتى عام. وبالتالى كان السبيل يجمع حوله العطاشى وعابرى السبيل أو ربما لكسر التقليد المعمارى. ولكن قبل أن نسرد معلومات عن هذا السبيل يجب أن نعود إلى الوراء قليلاً لنتعرف أكثر على الأسبلة.
فهى جمع لكلمة "سبيل" وهو المكان الذى يوفر الماء لإرواء الظامئين ويعتبر "بئر رومة" هو أول سبيل فى الإسلام وكان صاحبه سيدنا عثمان بن عفان -رضى الله عنه- حيث اشتراه من ماله الخاص عند قدوم النبى- صلى الله عليه وسلم- المدينة وجعله للمسلمين.
وكان المسلمون يرون أن الماء من نِعم الله الجليلة حيث لا غنى للإنسان عن الماء ومن هنا انتشرت المساكن بالقرب من مصادر المياه وظهرت المدن حول مصبات الأنهار وكانوا يعملون على توفير المياه للمارة فى الطرقات ابتغاء الأجر والثواب ومن هنا انتشرت فكرة الأسبلة التى تغنى بها الشعراء كوحدات معمارية لتأدية هذا الغرض.
- أسبلة مجريط
الأسبلة هى منشآت معمارية كان لها دورها المهم فى المجتمع الإسلامى سواء من الناحية الدينية أو الصحية أو السياسية أو الاقتصادية فمن جهة كان أغنياء المسلمين ينشئونها تقرباً لله وأملاً فى ثواب الآخرة بتوفير الماء للسقاية والشرب ولاسيما للمارة فى الطرقات الذين قد يتعرضون للمرض نتيجة العطش فى حرارة الشمس.
وعلى مر العصور نرى المسلمين يقدرون الماء الذى جعل الله منه كل شئ حى فعلى مقربة من مصادره المختلفة ابتدعوا الطرق التى تكفل خزنه أو نقله إلى داخل هذه المدن.
ويكفى أن مدينة أندلسية مثل مجريط (مدريد حالياً) اكتسبت اسمها من مجارى الماءالتى كانت تندفع خلالها المياه إلى قلب المدينة عبر عدة كيلو مترات من المرتفعات.
وقد لاقت مبانى الأسبلة رواجاً وترحيباً من المسلمين نظراً لما ترتبط به من أعمال الخير بتوفير مياه الشرب للمارة فى الشوارع ولم يقتصر هذا على الإنسان بل تعداه إلى الدواب حيث عينت لها أحواض لسقياها.
- وصف الأسبلة
هو مبنى يحتوى على طابقين: أولهما عبارة عن بئر محفورة فى الأرض يختزن بها ماء الأمطار أو ماء النيل يعلوه غطاء من الرخام يطلق عليه "الصهريج"وهو لا يرى للعيان وتبنى "الصهاريج" من مادة عازلة ومقاومة للرطوبة وكان للصهريج ثلاث فتحات: الأولى هى فتحة تزويده بالماء العذب وتسمى "المصبة" وعادة ما تكون فى واجهة الصهريج وبالتحديد فى الأجزاء السفلى حتى يسهل على السقاءين تفريغ ما معهم من ماءوتغلق عليها بإحكام قطعة رخامية لها مقبض لمنع تسرب الأتربة
أما الفتحة الثانية: فتسمى المأخذوعن طريقها يتم رفع الماء من الصهريج ونقله إلى أحواض التسبيل. أما الفتحة الثالثة: فهى مخصصة للنزول إلى الصهريج لتنظيفه وتطهيره ومسح ما علق بجدرانه وتبخيره قبل ملئه.
أما الطابق الثانى: فهو حجرة التسبيل التى تعتبر الوسيط بين ماء الصهريج والمارة وتوجد فى واجهتها ألواح رخامية لتبريد المياه التى تمر عليه قبل وصولها إلى أحواض المياه الموجودة فى أرضيات شبابيك التسبيل وأمام شباك التسبيل يوجد لوح رخامى لوضع أوانى الشرب وأسفل كل شباك وضعت مصطبة للوقوف عليها أثناء الشرب حتى يكونوا بمأمن من حركة الطريق.
وترفع المياه من البئر بواسطة (المزملاتي) عن طريق بكرة فوق البئر محمولة على خشبة مربوط بها حبل ويوجد بطرف الحبل "سطل"يرفع به (المزملاتي) الماء إلى القنوات الموجودة تحت بلاط حجرة التسبيل.ويقوم على العمل فى السبيل فريق عمل متكامل منهم:
"الناظر" وهو المسئول المالى والإدارى الأول عن السبيلثم "المزملاتي" وكان عليه فتح وإغلاق السبيل ونقل الماء من الصهريج وصبه فى أحواض "المزملة" وتوزيعه على المارة وهناك شروط يجب توافرها فى المزملاتى وهى أن يكون موثوق فيهأميناًنظيف الثيابسليم الجسم قوياً يعامل الناس بالحسنى والرفق وله بعض المعاونين حسب عدد شبابيك التسبيل فى كل منشأة.
- الأسبلة مصر
ازدهرت الأسبلة فى ظل حكم المماليك لمصر والشام فشيدت لها مبانٍ مستقلة بذاتها أو ألحقت بالمساجد أو المدارس وحتى بالمنازل وغالباً ما ارتبط بناء السبيل بإنشاء مكتب فوقه لتعليم أيتام المسلمين القراءة والكتابة وحفظ القرآن.
ويعتبر القرن الثانى عشر الميلادى هو أول بناء للأسبلة فى مصروكان معظمها من أعمال السلاطين ونسائهم كأنها كفّارة عن الذنوب والآثام كما بنوها صدقة جارية لأنفسهم ولأبنائهم.
ويعد سبيل مدرسة الظاهر بيبرس - الذى أنشئ عام 660هـ - أقدم الأسبلة الإسلامية وتعتبر الأسبلة المملوكية من أجمل الأسبلة نظرًا لما تتمتع به من فنون العصر المملوكي.ويعد سبيل "قايتباى"من أجمل الأسبلة التى أنشئت فى العصر المملوكى.
- السبيل العثمانى
أما فى العصر العثمانى فقد بلغت الأسبلة أوج ازدهارها وكان ذلك فى القرن الـ17 وكانت من المبانى التى عنوا بها وكانت تقام على هيئة مبانٍ رشيقة غنية بالزخارف وتكسى بالرخام الأبيض فى أغلب الأحيان.
ومعظم الأسبلة العثمانية تعلوها كتاتيب والقليل منها تعلوه منازل وتميزت أسبلة العصر العثمانى ببساطتها - إذا ما قورنت بمثيلتها فى العصر المملوكي-،ويرجع ذلك إلى كثرة عدد السكان - آنذاك - وبالتالى زيادة العمران وقلة مساحات البناء بالإضافة إلى المنشئين أنفسهم الذين كانوا إما أمراء أو ولاةعلى عكس العصر المملوكى حيث كان المنشئ غالباً هو السلطان وتتميز أسبلة العصر العثمانى فى القاهرة بطرازين متميزين.أولهما الأسبلة ذات النمط التقليدى وفيها حجرة التسبيل تكون مربعة أو مستطيلة، أما الطراز الثانى فكانت أسبلته متأثرة بالطابع التركي حيث أن الضلع الرابع لحجرة التسبيل يأخذ الهيئة المقوسة.
سبيل محمد على
يقودنا هذا الطراز إلى الحديث عن سبيل محمد علي السبيل الذى يقع فى عشقه كل من يراه،والذى أمر بإنشائه عام 1244هـ -1829م على روح ولده المرحوم إسماعيل باشا المتوفى بالسودان عام 1238هـ -1822م.
وقد بنى محمد على سبيله على ذلك الطراز كاسرًا بذلك التقليد المعمارى المملوكي- الذى امتد قروناً - ودشن بإقامة هذا السبيل طرازاً جديداً تماماً فاختار محمد على موقعاً ممتازاً حيث يقع السبيل بشارع النحاسين.
وترجع هذه التسمية (بين القصرين) إلى أن أولى العمائر التى بنيت فى القاهرة - بعد جامع الأزهر- كانت تتمثل فى قصر الخليفة "القصر الكبير"الذى عرف باسم "القصر الشرقي"لوقوعه شرق المدينة و"القصر الصغير"الذى كان يقع غرب القصر الكبير وعرف الطريق الفاصل بينهما باسم "طريق بين القصرين"وكان هذا الطريق معقل التجارة بالقاهرة ويشرف السبيل بواجهته الرئيسية على شارع النحاسين (المعز لدين الله) حالياً فى مواجهة صرحين من صروح العمارة المملوكية الإسلامية هما قبة ومدرسة الظاهر برقوقوقبة ومدرسة الظاهر محمد بن قلاوون.
- مجموعة الروائع
ولهذا الموقع أهمية قصوى وقيمة تاريخية غير عادية فهو يقع بأقدم مكان بمدينة القاهرةألا وهو شارع بين القصرين علاوة على القيمة الفنية العالية لموقع السبيلفإنه يقع وسط مجموعة من أجمل وأبدع روائع التراث المعمارى الإسلامى إلا وهى مجموعة النحاسين تلك المجموعة المكونة من روائع فن المعمار الإسلامى بمصر والعالم فهى تضم مجموعة قلاوون ومدرسة الناصر محمد بن قلاوون ومدرسة برقوقو قصر بشتاك والمدرسة الكاملية وحمام اينال وسبيل
عبدالرحمن كتخدا. تلك المجموعة التى تعد الأولى بمصر من حيث القيمة التاريخية والفنية فهى تحتل أنواعاً مختلفة من المبانى الأثرية الإسلامية قلما نجد مثل هذا الجمع من المبانى بمكان واحد.
إضافة إلى ذلك فهذا السبيل من أوائل الأسبلة التى ألحقت بها مدرسة وليس كتاباً كسابقيه وهذا تطوير نوعى لوظيفة السبيل والكتاب ويدل على تطوير أدوات التعليم فى عصر محمد على ونهضتها.
وهذا هو التطوير الأول من نوعه الذى طرأ على وظيفة السبيل والكتاب بعد نحو ستة قرون.
ما بين النحاسين وبيت القاضي
يتكون هذا السبيل من واجهتين إحداهما تطل على شارع النحاسين (الواجهة الرئيسية)والأخرى تطل على شارع بيت القاضى (الواجهة الفرعية). ويتقدم واجهة السبيل سلم دائرى من خمس درجات للصعود إلى شبابيك التسبيل -التى يبلغ عددها أربعة شبابيك- تتوسط الواجهة الرئيسية وتتخذ شكلًا نصف دائرى وجوانبها مكسوة بالرخام الأبيض المحلى بنقوش وكتابات جميلةوكل شباك مصنوع من النحاس المرسوم عليه أشكال هندسية وتوجد به فتحات تشبه المحاريب لدخول كيزان المياه من خلالها إلى حوض التسبيل ليملأ المارة منها ويشربوا ويتقدم هذه الفتحات لوح رخامى كانت توضع عليه كيزان الماءوفتحات الشبابيك الأربعة معقودة بعقود نصف دائرية زخرفت بزخارف نباتية غاية فى الجمال والدقة،والمسافة بين كل شباك وآخر توجد أعمدة رخامية بارزة مربعة،هذا وتتوج الواجهة برفرف خشبى شغل باطنه بزخارف مذهبة.
أما عن الطابق الثانى - الذى يمثل واجهة الكتاب وملحقاته - فتوجد به مجموعة من النوافذ المستطيلة التى يغلق عليها من الخارج شبابيك خشبية ومن الناحية الغربية يوجد حانوت تعلوه شرفة.
- الواجهة الفرعية
أما هذه الواجهة فتظل على شارع بيت القاضى وهى واجهة بسيطة تشغلها من أسفل مجموعة من الحوانيت أما الطابق الثانى فتوجد به ست نوافذ مستطيلة لتهوية وإضاءة حجرات الكتاب العلوية تغلق كٌل منها بضلفتين خشبيتين.
وقد استورد محمد على الأخشاب والرخام من تركيا وربما جلب بعض الحرفيين أيضًا ليشيد مبنى بهذه الضخامة والفخامة.
وبعد كل هذه الرحلة الطويلة نستطيع أن نقول إن سبيل محمد على يعد أحد أجمل عناصر العمارة الإسلامية بالقاهرة التاريخية وأحد أدق النماذج الفنية الجميلة التى تزخر بها مصر والذى يعبر عن حقبة تاريخية مهمة فى تاريخها كما يمثل تطورًا فى عمارة الأسبلة وكذلك يمثل أحد طرز المبانى الخيرية الإسلامية فهو منشأة تعليمية تعمل على خدمة المجتمع وهذه القيمة أسهمت فى استمرارية وجوده وتألقه.