Share |
نوفمبر 2011
1
إصلاح الجهاز الإدارى في مصر
المصدر: كراسات استراتيجية
بقلم:   ايمان مرعى

مقدمة:
تمثل الإدارة جانباً رئيساً فى خطط وبرامج التنمية، إذ لا يمكن لهذه الخطط والبرامج أن تحقق أهدافها إلا إذا توافر جهاز إدارى قادر على تحمل مسئولياته والتزاماته بشكل كفء، خاصة أن أعمال وسياسات الحكومة لا يتم إنجازها بمجرد إصدار القوانين والتشريعات، لكنها تحتاج أيضا إلى جهاز إدارى كفء، يتفهم هذه السياسات والتشريعات وعلاقتها بمشروع وسياسات التنمية.
وتأخذ أغلب النظم الإدارية بفكرة إنشاء تنظيم خاص يتمتع بدرجة من الاستقلالية، تتمثل مهمته فى إنشاء الوظائف العامة، وإعادة تنظيم بعض الأجهزة. إلخ. ويطلق على هذا التنظيم أسماء متعددة مثل، ديوان الموظفين، أو الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة أو جهاز الخدمة المدنية. وتتبنى كل دولة نظام خدمتها المدنية بما يتناسب مع خصوصيتها وظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل عام.
ويعد جهاز الخدمة المدنية أداة الحكومة الرئيسة فى الحكم والإدارة والتى تستطيع من خلالها الوصول للمجتمع، كما تتوقف عليها درجة النجاح من خلال ما تلقاه من دعم وتأييد من المواطنين. وعندما لا يعبر النظام الإدارى عن الأوضاع القائمة فإنه يكون فى هذه الحالة بحاجة إلى إصلاح.
وقد أدى تغير دور الدولة إلى اتساع منظومة الحكم والإدارة، والتأكيد على أدوار فاعلين جدد يشاركون الدولة وجهازها الإدارى فى عملية صنع وتنفيذ السياسات العامة كالقطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، وكثر الحديث عن الحاجة إلى جهاز إدارى يعمل بكفاءة عالية وتكلفة أقل، كما تزايدت الرغبة في إرساء وترسيخ منظومة قيم جديدة مثل: الشفافية، والمساءلة الإدارية، والرقابة، والمشاركة.
وتواجه الإدارة الحكومية حاليا مجموعة من التحديات الكبيرة تنبع من العديد من التغيرات والتحولات العالمية الاقتصادية والسياسية والاتصالية، فانتشار ثورة الاتصالات والمعلومات ساعد على تغيير شكل المنظمة العامة، فلم تعد الهياكل التنظيمية تستند إلى الشكل الهرمى التقليدي بل بدأ الحديث عن تصميم الهياكل التنظيمية المصفوفية، والتي تتطلب مهارات جديدة كتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مع التركيز على فرق العمل، وتكوين شبكات المعلومات حيث لم تصبح المعلومة حكرًا على مستوى إدارى دون آخر بل أصبح معيار النفوذ والقدرة على التأثير هو كيفية إدارة هذه المعلومات.
والحقيقة أن طرح شعار الإصلاح الإداري أو إصلاح جهاز الخدمة المدنية أو الثورة الإدارية‏. إلخ كلها مترادفات تزامنت مع التغيرات التى شهدها المجتمع المصري، حيث شهدت مصر محاولات لإدخال تعديلات جذرية تمس قيماً راسخة فى جهازها البيروقراطى، كان آخرها استصدار قانون جديد "للوظيفة العامة"، بحيث يكون بديلاً للقانون رقم 47 "للخدمة المدنية" والمعمول به منذ عام 1978. هذا بالإضافة إلى ما تشهده هذه الفترة من زخم فى مشروعات القوانين التى من شأنها الارتقاء بمستوى الخدمة العامة. وبدا واضحًا خلال التجربة المعاصرة لمصر مع الوظيفة العامة والتنظيم الحديث لجهاز الخدمة المدنية أن ثمة مأزقًا يواجه القائمين علي الإدارة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد بشأن مدى مواءمة وملاءمة هذا الجهاز الحكومي للمتغيرات السريعة والمتلاحقة في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعرضت لها مصر - ومازالت - على مدى العقود السابقة.
فى هذا الإطار، يثار تساؤل مهم: هل انعكست محاولات الإصلاح الإدارى على أداء الجهاز الحكومى فى مصر؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فما هي المعوقات التي مازالت تحول دون إحداث هذه النقلة؟ ويطرح هذا التساؤل الرئيس عددا من التساؤلات الفرعية: هل عبرت خطط الإصلاح الإداري عن تطلعات واحتياجات وظروف الفئات المستفيدة من هذا الإصلاح؟ وما مدى اتساق هذه الخطط مع أولويات السياسات العامة للدولة؟ وهل كانت الموارد المالية والبشرية كافية لضمان تحقيق النتائج والآثار المنشودة؟
تحاول هذه الدراسة الإجابة على هذه التساؤلات من خلال أقسامها المختلفة، بهدف تقديم إسهام قد يفيد صانع القرار في تطوير مشروعات إصلاح الجهاز الإداري في مصر، حيث يبدأ القسم الأول بتقديم خلفية تاريخية عن البيروقراطية المصرية، بينما يحاول القسمان الثاني والثالث تقييم المحاولات السابقة للإصلاح الإدارى. بينما يتناول القسم الخامس معوقات ومشكلات الجهاز الإدارى والتى تحول دون تحقيق الأثر المطلوب لمحاولات الإصلاح، وأخيرا يلقي القسم الخامس الضوء على متطلبات تطوير الجهاز الإدارى في مصر.
أولاً: البيروقراطية المصرية. خلفية تاريخية
يتكون مصطلح البيروقراطية Bureaucracy من شقين الأول Bureau أى "مكتب"، ويرجع أصله اللغوى إلى اللفظ اللاتينى Burus ويقصد به "اللون الداكن" - ولعل هذا تعبيراً عن الهيبة التى يتسم بها الموظف الحكومى باعتباره ممثلاً للحكومة. أما الشق الثانى للمفهوم Cracy فإنه مشتق لغويا من اللفظ الإغريقى القديم Kartia بمعنى "القوي"، وإجمالياً هو مصطلح يقصد به قوة أو سلطة المكتب الحكومى فى مختلف مظاهرها وصورها(1).
وأول من استخدم هذا المفهوم هو العالم الألمانى "ماكس فيبر"، والذي أوضح أن البيروقراطية ظاهرة ترتبط ببعض السمات، كتقسيم العمل، وتوزيع الأدوار، والتخصص والقواعد واللوائح. إلخ، وتهدف البيروقراطية كما تخيلها "فيبر" إلى اتخاذ القرارات الرشيدة، وتحقيق الإدارة الفعالة، وتركز عملية رسم السياسات في القمة بينما يقع عبء تنفيذ هذه السياسات على عاتق المستويات الأدنى، وذلك من خلال وجود مجموعة من الضوابط المحددة يمكن أن نطلق عليها "خصائص البيروقراطية"، والتى يمكن إجمالها فيما يلى(2): التنظيم المستمر للوظائف الرسمية التى تحكمها القواعد، وتحديد الاختصاصات بدقة على أساس مبادئ التخصص وتقسيم العمل، وقيام الهيكل التنظيمى على أساس التدرج الهرمى، ووضع قواعد تحكم سلوك الموظفين، وفصل الإدارة عن الملكية، وعدم استناد التجنيد للوظائف العامة على أساس وراثى وإنما طبقاً لمبدأ الكفاءة. وبالتالى فالبيروقراطية بهذا المعنى لا تميل بطبيعتها إلى التجديد والتغيير بقدر ما تعمل على الحفاظ على ما هو مألوف ومتواتر.
ثمة فروق بين الأنماط المختلفة للبيروقراطية، إلا أنه يمكن التمييز بين أربعة أبعاد رئيسة للمفهوم، أولها البعد التنظيمى والذى يهتم بدراسة الهيكل التنظيمى وإجراءات العمل داخل الجهاز الإدارى، وثانيها البعد السلوكى وفيه يتم التركيز على مختلف الأنماط السلوكية التى تؤدى إلى خفض الإنتاجية والاستخدام غير الرشيد للموارد، وثالثها: البعد الطبقى من خلال التركيز على كبار الموظفين والمديرين الذين يحتكرون العمل الإدارى فى المجتمع. ورابعها البعد السياسى والذى يعتبر البيروقراطية قوة سياسية مسئولة عن تحقيق أهداف الدولة وترجمة السياسات العامة إلى برامج تنفيذية لتحقيق الأهداف المرغوب فيها من وجهة نظر مجتمع معين.
وتشير الدراسات العلمية إلى تزايد سلطة البيروقراطية ووضوح دورها فى المجتمع المعاصر نتيجة التباين المستمر بين الأنماط الرئيسة لأدوار وأنشطة المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية. إلخ، وسيادة أدوار اجتماعية قائمة على أساس العمومية والإنجاز، بالمقارنة بالأدوار الاجتماعية التقليدية التى كانت قائمة على أسس الخصوصية والمحاباة، وكلها عوامل أدت إلى تمييز دور البيروقراطية داخل المجتمع المعاصر وكانت سببا فى بداية ظهور الدولة القومية الحديثة والتى ترتب عليها الاهتمام بإنشاء الإدارات البيروقراطية لمواجهة التحديات التى تفرض بطبيعتها مزيداً من الأعباء على عاتق الدولة (3).
وتعتبر الإدارة المصرية واحدة من أقدم النظم البيروقراطية في العالم، إذ تعود إلى عام 1500 ق. م، حيث عرفت نظاماً مركزياً قوياً يتغلغل فى المجتمع إلى حد كبير. يمكن تفسير البداية المعروفة المبكرة لمصر بالبيروقراطية بظروف مجتمع النهر، فالنهر كان يحتاج إلى من يروضه ويدفع أخطاره ويزيد منافعه، كما كانت هناك حاجة أيضاً إلى جهاز قوى يتولى عملية مسح الأراضى الزراعية وجباية الضرائب والأموال للحكومة(4). وقد وضع "ماكس فيبر" النموذج المصري كأحد النظم المركزية الأساسية، واعتبر نظام الموظفين في "مصر الفرعونية" النموذج التاريخي الذي سارت عليه البيروقراطية فيما بعد. ويقول هوكارت فى كتابه "تراث مصر الحديثة"(5): "فى مصر القديمة نجد أن كلمتى يدير ويسجل مترادفتان، لأن الموظف كان يعنى الكاتب".
وبالتالى كانت وظائف الحكومة تحظى بالمكانة الرفيعة لأنها كانت تهئ للموظف حياة سهلة إذا ما قورنت بالمهن الأخرى، وتضمن له استقرارا ودخلا ثابتا. كما أن الحكومة ومن ينطقون بلسانها يتمتعون باحترام أكثر، وخشية أكبر (6).
ويبين تاريخ مصر السياسي والاجتماعى فى وضوح تام أن البيروقراطية كأسلوب للحكم والإدارة كانت مطبقة فى مصر القديمة في عهد الفراعنة وعلى مر السنين، وهنا يمكن اعتبار عصر بداية الأسرات فترة "تكوين" بالنسبة لنظم الإدارة التي نشأت بدائية، ثم أصبحت فيما بعد أساسا لكل التنظيمات الكبيرة التى طبقت فى الفترات التالية، فإذا ما رجعنا إلى العصور الأولى لوجدنا جذور البيروقراطية تتمثل في شخصية "الكاتب الجالس القرفصاء" في أيام الفراعنة، ثم "شيخ البلد" في مصر القديمة. ومع مرور الوقت، تأكدت سمات المركزية والبيروقراطية وتضخم الجهاز الإداري، وأصبح الموظفون يشعرون بأهمية خاصة، ويمارسون سلطاتهم بطريقة تعسفية واستبدادية مشتقة من شخصية الحاكم. التاريخ يدلنا على أن رخاء مصر وازدهارها واستقرار العمران فيها كان رهنا بدرجة أو بأخرى بدور الجهاز الإدارى. من هنا تأتي أهمية العمل على تطوير وإصلاح هذا الجهاز واعتبار ذلك عملية ديناميكية مستمرة (7).
ومن اللافت للانتباه أنه رغم الفترات الطويلة التى خضعت خلالها مصر للحكم الأجنبى منذ نهاية عصر الفراعنة وحتى الغزو العثمانى، إلا أن البيروقراطية المصرية استطاعت الحفاظ على أهميتها، ونقلت المهارات والخبرات والقيم البيروقراطية من خلال عملية التنشئة والتعلم من جيل إلى آخر.
وفى عام 1805 أنشأ محمد على "ديوان الوالى" ليختص بضبط المدينة، أى العاصمة، والفصل فى المشاكل بين الأهالى والأجانب. وبعد خمس سنوات تغير اسمه إلى "الديوان الخديوى"، ثم أصبح "الديوان" والذى تضخم سنة بعد أخرى وانقسم إلى أقلام مختلفة أخذت في التضخم هي الأخرى، وتعددت الدواوين (8).
وبدا واضحاً أن التزام محمد بمبدأين أساسيين فى التنظيم الإدارى، أولهما: أن تقوم المجالس بدراسة جميع المسائل وتتخذ القرارات بناء على رأى الأغلبية. وثانيهما: أن يحتفظ محمد على بسلطة الرقابة الكاملة على كل التفصيلات حتى يستطيع إدارة مشروعاته، فقد كان فى حاجة إلى موظفين يمتازون بالحماس فى العمل والولاء له في الوقت ذاته (9). ومن ثم، قام محمد على بإعداد المصريين ليختار منهم من يشغل الوظائف الفنية والإدارية، فأنشأ عام 1829 مدرسة لتدريب الموظفين على طرق المحاسبة الحديثة، كما أوفد 239 مبعوثا من الشباب المصرى للتدريب فى المعاهد الأوروبية (إنجلترا وفرنسا) فى المجالات الفنية كالطب والصناعة والهندسة والزراعة خلال الفترة (1813- 1848). لقد كانت سياسة قصر التعليم الفنى على إعداد موظفى الحكومة ومستشاريها ذات أثر فعال فى تطوير أجيال تنظر إلى التعليم الفنى كوسيلة للدخول فى سلك الخدمة المدنية. ورغم قيام محمد على بتدريب المصريين فى مصر والخارج، إلا أنه استمر يعتمد على الأجانب والأتراك فى شغل الوظائف الفنية والإدارية العليا(10).
وفى عام 1837 صدر قانون "السياستنامة" - وهو القانون الأساسي للدولة والذي يعد أول دستور مكتوب عرفته مصر في تاريخها الحديث - الذي ألغى الدواوين والمجالس الموجودة وحصر السلطة في سبعة دواوين سُمِّيت "دواوين العموم"، يرأس كل منها موظف عرف بـ"الكتخدا"، وهي: الديوان العالي (نواة نظارة الداخلية)، ديوان الجهادية، ديوان البحر، ديوان الإيرادات، ديوان المدارس، ديوان الأمور الأفرنكية والتجارة المصرية، وأخيرا ديوان الفاروقيات.
وقد شهدت فترة الخديو عباس الأول (1848- 1854) توسعا ملحوظا في تعيين المصريين في الوظائف المدنية والحربية، وهو النهج الذي سار عليه حكام مصر الذين خلفوا محمد على، ما أدى إلى تراجع الطابع الطبقي داخل الجهاز الإداري. وفى عهد الخديو سعيد (1854- 1863) أخذ تدخل الأوروبيين فى شئون مصر يشتد من خلال المناورات المالية واستغلال أطماع الحكام المحليين. وفى عهد الخديو إسماعيل (1863- 1879) أُنشِئت أول مدرسة للإدارة في عام 1868، وكانت تضم الإدارة والألسن معًا تحت اسم "مدرسة الإدارة والألسن"، والتي قامت بتعليم اللغات، وكذا الإدارة للوظائف الملكية. بيد أن هذه المرحلة لم تشهد شيئا يذكر على طريق إصلاح الطرق المتبعة فى الإدارة فى مصر بسبب غرق الخديو إسماعيل فى المشاكل المالية وتزايد التدخل الأوروبي في الشئون المصرية وصولا إلى الرقابة السياسية على البلاد. وفي عام 1914 أعلنت إنجلترا حمايتها على مصر، وتحولت مصر إلى "سلطنة"، وتحولت معهاالنظارات إلى "وزارات"، وتحول "النظار" إلى "وزراء". وتوالى إنشاء الوزارات، فتأسست وزارة الصحة عام 1936، ووزارة الشئون البلدية والقروية عام 1937، ثم وزارة الشئون الاجتماعية عام 1939 (11).
وقد كان للتغير الحادث فى نظام وفلسفة الحكم الذى أعقب ثورة يوليو 1952 انعكاساته على تغير أهداف ودور وحجم الجهاز الإدارى، حيث اختلف دور البيروقراطية من مرحلة لأخرى (12). ففى فترة الخمسينيات من القرن العشرين كان للسياسات التى اتبعها النظام السياسى تأثير كبير على تعاظم الدور السياسى للبيروقراطية، حيث زاد دور الدولة ونشاطها فى المجال الاقتصادى والاجتماعى والثقافى، الأمر الذى أدى إلى تضخم الجهاز البيروقراطى إلى حد كبير. ويمكن أن نعزو الاعتماد المتزايد على البيروقراطية في تلك المرحلة إلى طبيعة الجهاز البيروقراطي من حيث اعتماده على قيم التسلسل الهرمى، وسيادة قيم الانضباط. الخ، وهي قيم تتوافق مع العقلية العسكرية. كما أن الجهاز البيروقراطى يميل بطبيعته إلى الحفاظ على المألوف. وبالتالى استطاعت البيروقراطية أن تصبح أحد أهم أدوات النظام فى تنفيذ خطط التنمية، ومن ثم مصدراً لإضفاء الشرعية على النظام السياسى من خلال ما تحققه من إنجازات فى مجال التنمية.
وفى فترة الستينيات من القرن العشرين حدث تغير ملحوظ في الدور السياسى للبيروقراطية، حيث بدأ النظام يعرف مصادر أخرى لإضفاء الشرعية من خلال إيجاد فئات وشرائح اجتماعية مساندة للنظام، كالعمال والفلاحين. وبمعنى آخر، يمكن القول إن البيروقراطية قد تحولت من مرحلة الاندماج والتوحد مع النظام باعتبارها مصدراً لإضفاء الشرعية عليه، إلى مرحلة التحالف والتوافق مع النظام باعتبارها فئة مساندة له. كما شهدت تلك المرحلة ظاهرة مهمة وهى التماهي بين العمل السياسي والإداري، والتى ترتب عليها انتقال أساليب العمل والإجراءات البيروقراطية إلى التنظيمات السياسية والشعبية، حيث تم تنفيذ الأعمال السياسية بأساليب إدارية. كما اكتسب العمل الإداري طابعا سياسيا هو الآخر، حيث أصبحت القرارات الإدارية أقرب إلى القرارات السياسية (13).
وفى فترة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين وحتى الآن حدث ما يمكن أن نطلق عليه مرحلة تراجع دور البيروقراطية، ولا يقصد بذلك تراجع دورها كجهاز داخل الدولة، فهذا الدور مازال قائماً، لكن المقصود هو تراجع مزايا العاملين داخل هذا الجهاز، ما أدى في التحليل الأخير إلى تراجع الوضع الاجتماعي للعاملين بهذا الجهاز، فمع ارتفاع نسبة التضخم والتى لا تقابلها زيادة مماثلة فى أجور العاملين بدأ الموظف البيروقراطى يفقد ميزة كان يتمتع بها من قبل، فضلاً عن ترهل الجهاز البيروقراطى واكتظاظه بالعاملين. ولم يعد الجهاز البيروقراطى هو التعبير الأمثل عن الطبقة العليا أو الطبقة المتوسطة، على نحو ما كان سائدا.
ثانياً: محاولات الإصلاح الإدارى
كانت هناك محاولات عدة لإصلاح الجهاز الإدارى، وإصلاح نظام التوظيف الحكومى. كان أبرز تلك المحاولات في العصر الحديث سنة 1830 بصدور أمر عال نص على أن يكون للمصالح الحكومية الأميرية نظام خاص بها، وأن تقرر درجات لمستخدميها. وقد تضمن هذا الأمر عدة قواعد تتعلق بالشروط الواجب توافرها فى طالبي الاستخدام وتحديد فترة للاختبار، ونظام للتقارير السنوية عن الموظفين، وآخر لترتيب الوظائف. وفى عام 1862 صدر أمر من الخديو سعيد بتحديد أول كادر مرتبات للرتب المدنية بما يناظرها من رتبة عسكرية (14).
وبعد الاحتلال البريطانى لمصر عام 1882 اقتصد الإنجليز فى التعيين فى الوظائف الحكومية، فاقتصر عدد المعينين الجدد خلال الفترة (1883- 1886) على حوالى 200 موظف سنوياً، بينما كان متوسط المعينين خلال الفترة (1880- 1882) أكثر من 600 موظف، وفى المقابل كان هناك زيادة ملحوظة فى عدد الأجانب فى الإدارات الثلاثة المسئولة عن الحفاظ على النظام العام وهى البوليس، والجيش، وخفر السواحل (15).
وقد تعددت محاولات الإصلاح الإداري بعد ذلك؛ ففى ديسمبر عام 1907 وافق مجلس النظار على إنشاء نظام للدرجات المالية لوظائف القسم الإدارى، وكان ذلك بداية للتحول إلى نظام الدرجات والذى لا يزال معمولاً به. وخلال فترة الحماية (1914- 1922)، وتحديداً فى عام 1915، كانت هناك محاولة لإنشاء مجلس أعلى للموظفين. وتوالت المحاولات التى تهدف إلى تنظيم الجهاز الإدارى فى مصر فى أعوام 1920، 1931، 1939، 1948، والذي استمر حتى قيام ثورة يوليو 1952، حيث تم تأسيس أول جهاز خدمة مدنية في مصر، شمل: الإدارة العامة للاختيار والتمرين، الإدارة العامة للميزانية، الإدارة العامة لشؤون الموظفين، والإدارة العامة للتشريع والبحوث (16).
وتجدر الإشارة إلى أنه رغم تنامي حجم الجهاز الإدارى منذ عام 1936، إلا أن هذا الجهاز ظل نموذجاً سيئاً للإدارة العامة، بل أضحى أداة سلطة الاحتلال آنذاك، حيث تميز التنظيم الإدارى للوزارات بتركيب مركزى شديد مع نفوذ كبير لوظائف الاستشاريين الأجانب واحتفاظهم بالمراكز الإدارية العليا. وقد ترتب على ذلك انخفاض كفاءة الإداريين المصريين فضلاً عن تضائل السلطات المفوضة لمجالس المديريات، يقابله نفوذ كبير لمنصب العمدة ومعاونيه بالريف، فأضحوا ممثلين لتلك السلطة المركزية أكثر من تمثيلهم لمواطنيهم. كما جاء التعيين فى الوظيفة العامة على أساس ربط التعيين بالمؤهل، هذا إلى جانب تميز العمل الحكومى بالرسمية المبالغ فيها، والتمسك بحرفية القوانين والروتين الشديد، وتعقد الإجراءات.
كانت هناك محاولات مهمة للإصلاح الإداري بعد ثورة يوليو 1952، ركز معظمها على الجانبين التشريعى - القانوني، والمؤسسي من خلال استحداث كيانات مؤسسية جديدة تعنى بالإشراف على تطوير مستوى الخدمة المدنية ورفع الكفاية الإنتاجية، مثل إنشاء الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة في سنة 1964، وتشكيل اللجنة العليا للإصلاح الإدارى سنة 1966، ومجلس التنمية الإدارية في سنة 1970، بالإضافة إلى إنشاء مديريات التنظيم والإدارة بالمحافظات في سنة 1974 لتكون امتدادا للجهاز المركزى للتنظيم والإدارة على المستوى المحلى (17).
ونشير فيما يلي إلى أهم نماذج الإصلاح الإداري فى مصر، وهما تجربة ديوان الموظفين، وتجربة الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة لما لكل منهما أهمية خاصة في هذا السياق.
1- تجربة ديوان الموظفين
واجه الجهاز الإدارى المصرى الكثير من التحديات نتيجة تزايد اختصاص المستشارين البريطانيين فى الوزارات المختلفة، والميل إلى التركيز الشديد للسلطة داخل الجهاز البيروقراطى، حيث تركزت سلطة التصرف فى شئون الموظفين فى يد الوزراء ومجلس الوزراء وهم من رجال السياسة والأحزاب والذين قد يغلبون الاعتبارات السياسية والحزبية على الاعتبارات المتعلقة بحسن سير العمل الإدارى. وقد أدى ذلك إلى انتشار مظاهر الفساد الإدارى وانخفاض معدلات الأداء، وانتشر لدى الرأى العام الإحساس بفشل الخدمة المدنية.
وكمحاولة لعلاج هذا الوضع قامت الحكومة فى عام 1950 باستدعاء الخبير البريطانى فى شئون التوظف، سنكر "Sinker"، والذى قام بوضع تقرير حول مشكلات الجهاز الإداري والتوظف. وقد حدد التقرير أهم تلك المشكلات في (18): التدخل الحزبى في عمل الجهاز الإداري، تضخم حجم الجهاز الإداري، تدنى مستوى المرتبات. وقد أوصى التقرير بضرورة إصدار تشريع ينظم شئون التوظف، وضمان عدم تسيسس الجهاز الإداري وعدم تدخل الأحزاب السياسية فى سياسة التوظف، وإنشاء هيئة مستقلة للإشراف على التشريع المقترح، واحتكام عملية التجنيد والتوظيف داخل الجهاز الإداري إلى قواعد الكفاءة دون غيرها من خلال المسابقات.
وأخذاً برأى سنكر، أصدرت الحكومة المصرية القانون رقم 190 لسنة 1951، والذى قضى بإنشاء "ديوان الموظفين"، والقانون 210 لسنة 1951 بإنشاء نظام موظفي الدولة. ويلاحظ أن تبعية "ديوان الموظفين" لوزارة المالية والاقتصاد فى بداية عهده كانت من عوامل إضعافه وافتقاده الاستقلالية المطلوبة. لكن هناك من رأى العكس، فتبعية الجهاز لوزارة المالية كان من المفترض أن يجعله قادراً على القيام بدوره بشكل أفضل بسبب ارتباطه بالموازنة العامة للدولة.
وقد أعيد تنظيم الديوان فى عهد الثورة سنة 1952، حيث صدر المرسوم بقانون رقم 158 لسنة 1952، والذى حدد اختصاصات ديوان الموظفين فيما يلى (19): الإشراف على تنفيذ لوائح الموظفين، النظر فى تحديد عدد الموظفين ودرجاتهم فى الوزارات والمصالح العامة بقدر ما تقضى به ضرورة العمل، بالإضافة إلى وضع النظم اللازمة للتعين فى وظائف الحكومة وتدريب الموظفين، ومراجعة مشروعات ميزانيات الوزارات والمصالح العامة، واقتراح التشريعات الخاصة بالموظفين.
وفي سنة 1959 صدر قرار جمهوري بإلحاق ديوان الموظفين برئاسة الجمهورية. كما تم إعادة تنظيم وتطوير الديوان بحيث تحول من مجرد أداة تنفيذية إلى أداة تتوافر لها سلطة المبادرة. وقد استمر ديوان الموظفين من الناحية الرسمية حتى عام 1964، حيث تم إنشاء الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة.
2- تجربة الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة
مع حلول عقد الستينيات من القرن الماضي، كان المجتمع المصري قد شهد العديد من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذى ترتب عليه تزايد عدد العاملين فى الجهاز البيروقراطى، وهو ما تطلب إعادة تطوير وتنظيم الجهاز الإدارى للدولة ليصبح أكثر قدرة على القيام بالمهام والأعباء الجديدة. وتشكلت في هذا الإطار عدة لجان، كان أهمها اللجنة المركزية لتنظيم الإدارة الحكومية والتى قامت بمسح الوضع القائم فى كافة الأجهزة الحكومية.
وكان التقرير الذى وضعه "لوثر جوليك" و"جيمس بولوك" عن تنظيم الإدارة الحكومية فى مصر، والذي تم تقديمه إلى اللجنة السابقة فى يونيو 1962 خطوة تمهيدية مهمة قبل إنشاء الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة. فقد لخص الخبيران مشكلات الجهاز الحكومى فى أربعة جوانب أساسية هى (20): زيادة العبء الإدارى الواقع على رئاسة الجمهورية، عدم تغلغل فكرة التخطيط القومى فى الأجهزة الحكومية وعدم مشاركتها فى وضع الخطط، غياب دعم فكرة اللامركزية الإدارية، وأخيرا المغالاة فى عملية الرقابة على نحو قد يعيق سير العمل داخل الجهاز الإداري.
وطالب التقرير بالتوسع في الأخذ بنظام اللامركزية، وإنشاء إدارة تكون مسئولة عن توفير ظروف العمل المناسبة داخل المصالح الحكومية، فضلاً عن أهمية مراجعة القوانين واللوائح للتنسيق بينها وبين السياسات المعمول بها وتسوية التناقضات القائمة فيما بينها. وقد مثل هذا التقرير النواة الأولى التى ترتب عليها إنشاء الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة كبديل عن ديوان الموظفين، والذي تأسس بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 1180 لسنة 1964.
ويعد الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة بمثابة هيئة استشارية، يعمل على تطوير جهاز الخدمة المدنية ورفع الكفاية الإدارية والإنتاجية. وفي هذا الإطار، صدرت العديد من القرارات الجمهورية لتنظيم عمل الجهاز وتحديد اختصاصاته الإدارية، منها القرار رقم 1085 لسنة 1964، والقرار 1463 لسنة 1964 بشأن تنظيم وتحديد اختصاصات إداراته المركزية.
وفقا للقرار رقم 1085 لسنة 1964، يتشكل الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة من الإدارات المركزية التالية (21): الإدارة المركزية للعاملين، الإدارة المركزية للتدريب، الإدارة المركزية لترتيب الوظائف، الإدارة المركزية للتنظيم، الإدارة المركزية للتفتيش والمتابعة، وأخيرا الأمانة العامة.
تلا ذلك محاولات عدة لتطوير عمل الجهاز (22)، فقد صدر القرار الجمهورى رقم 910 لسنة 1970 الذي نص على تبعية الجهاز لوزير الخزانة، تبع ذلك صدور قرار وزير الخزانة ورئيس الجهاز المركزى للتنظيم والإدارى رقم 101 لسنة 1970 بإعادة تنظيم العمل بالجهاز، حيث تحولت بمقتضاه الإدارات المركزية السابقة إلى قطاعات يختص كل منها بمجال معين من مجالات عمل الجهاز بصورة لا تختلف كثيراً عما كان عليه الوضع من قبل. وفي عام 1974 أصبح الجهاز تابعا لوزير الدولة للتنمية الإدارية. صدرت بعد ذلك عدة قرارات تنظيمية من جانب رؤساء الجهاز.
وهكذا، أعيد تنظيم الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة عدة مرات، وهو أمر يمكن إرجاعه إلى التغير في ظروف عمل الجهاز الإدارية، من ناحية، ما يمكن فهمه في ضوء الظروف المتغيرة التى واجهت عمل الجهاز الإدارى من ناحية، وتغير المشكلات الإدارية المثارة من ناحية ثانية، واختلاف شخصية رئيس الجهاز، من ناحية ثالثة.
وقد حددت المادة (3) من قانون إنشاء الجهاز أهدافه في تطوير مستوى الخدمة المدنية، ورفع الكفاية الإنتاجية، وتحقيق العدالة فى معاملة العاملين، والتأكد من تحقيق الأجهزة التنفيذية لمسئولياتها فى ميدان الإنتاج والخدمات.
ويمكن تقسيم اختصاصات الجهاز إلى فئتين أساسيتين: الأولى تتعلق بتنظيم شئون الموظفين، وتتعلق الثانية بتنظيم الجهاز الإدارى ذاته. وتشمل اختصاصات الجهاز ذات الصلة بالفئة الأولى:
- اقتراح القوانين واللوائح الخاصة بالعاملين، وإبداء الرأى فى المشروعات المتعلقة بشئونهم قبل إقرارها.
- دراسة احتياجات العاملين فى مختلف المهن والتخصصات بالتعاون مع الجهات المختصة.
- تطوير نظم شئون الخدمة المدنية لتحقيق وحدة المعاملة والتعاون مع الجهات المختصة فى دراسة كيفية توفير الرعاية الصحية والاجتماعية للعاملين.
- رسم سياسة وخطط تدريب العاملين فى مجال التنظيم والإدارة ورفع مستوى كفاءتهم.
- اقتراح سياسة المرتبات والعلاوات والبدلات والمكافآت والتعويضات ووضع النظم الخاصة بتنفيذ نظام ترتيب الوظائف ووضع توصيفات محددة لها.
- الاحتفاظ بالسجلات والبيانات الخاصة بالعاملين فى المستويات القيادية ووضع نظام للإحصاء وتسجيل العاملين بالخدمة المدنية.
وتحت الفئة الثانية يتولى الجهاز رسم سياسة وخطط الإصلاح الإدارى، اقتراح الوسائل اللازمة لتنمية ونشر الوعى التنظيمى، والارتفاع بمستوى الكفاية القيادية وكفاءة الأداء، بالإضافة إلى إبداء الرأى الفنى وتقديم الدعم فى عمليات التنظيم وتبسيط الإجراءات وتحسين وسائل العمل، إلى جانب وضع النظم الخاصة بالتفتيش والمتابعة للتأكد من سلامة وكفاءة أداء العاملين.
ويلاحظ أن قانون إنشاء الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة قد تضمن بعض مظاهر الجدة مقارنة بما كان سائداً من قبل فى ظل ديوان الموظفين. لعل أهم تلك المظاهر إلغاء التفرقة التى كانت سائدة من قبل بين فئات العاملين فى الدولة والذين كانوا يخضعون للتقسيم بين فئات ثلاث، هي: الموظف، والمُستَخْدَم، والعامل، حيث بات هناك مصطلح واحد هو "العاملين"، وبعد أن كان ديوان الموظفين هو الذى يقوم باختيار المرشحين للوظائف فى الوزارات والمصالح والمحافظات المختلفة أصبحت تلك العملية مسئولية الجهة نفسها، كما أخضع القانون جميع العاملين لرقابة فنية وإدارية ومالية طبقاً لما يرد فى وصف كل وظيفة، ولم يعد رؤساء إدارات شئون العاملين فى الوزارات والمصالح والمحافظات معينين من قبل الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة كما كان الحال فى عهد ديوان الموظفين.
رغم هذه النقلات المهمة في وظائف الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، والعلاقة بينه وبين العاملين بالدولة بالمقارنة بتجربة ديوان الموظفين، إلا أن هذه التجربة لم تمثل تحولاً جذرياً على صعيد الإصلاح الإداري في مصر. فالتقييم الحقيقي لتجربة الجهاز يجب أن تستند إلى حجم إسهامه الفعلي كجهاز للإصلاح الإدارى، وليس فقط كجهاز للخدمة المدنية.
ففى مجال الخدمة المدنية لعب الجهاز المركزى بالفعل دوراً ملموسا في تنظيم شئون العاملين بالدولة من خلال إبداء الرأى فى مشروعات القوانين ذات الصلة، ومتابعة تنفيذ هذه القوانين، وتقديم المعونة الفنية للأجهزة المختلفة من خلال وسائل عدة مثل القيام بالزيارات الميدانية أو إصدار الكتب والنشرات الفنية، أو من خلال دراسة اقتراحات الجهات المختلفة، بالإضافة إلى دراسة الشكاوى المرفوعة إلى الجهاز. كما قام الجهاز بدور مهم فى مجال تطبيق نظام ترتيب الوظائف المعمول به طبقاً لقرار رئيس الجهاز رقم (134) لسنة 1978 وما يتعلق باستخدام وإعادة ترتيب الوظائف المختلفة. وقد استطاع الجهاز أن يضع ترتيب وتوصيف لجميع الوظائف بأجهزة القطاع الحكومى.
كما كان للجهاز المركزى للتنظيم والإدارة دوره فى مجال دراسات القوى العاملة والبحوث، من خلال دراساته الميدانية حول تخطيط القوى العاملة، وتحديد وحصر للأنشطة المختلفة بكل جهة، ووضع معدل للأداء لكل نشاط، وتحديد المقررات الوظيفية. كما تولى الجهاز أيضاً الإشراف الكامل على التدريب الإدارى بالوحدات المختلفة بالدولة، سواء من حيث مراجعة خطط التدريب بها واعتماد تمويلها أو تصميم البرامج التدريبية المختلفة وتنفيذها على جميع المستويات الوظيفية، وإصدار الكتب والنشرات الفنية فى هذه المجال، بالإضافة إلى إعداد البحوث والدراسات المتعلقة بتقييم ومتابعة نشاط التدريب بالجهات الحكومية المختلفة (23).
لكن مع أهمية هذا الدور، فإن إصلاح الجهاز الإداري للدولة يتجاوز مسألة إعادة تنظيم بعض الوحدات الإدارية، أو إعادة ترتيب أولوياتها، أو إدخال بعض التعديلات على القوانين المنظمة لعمل الجهاز الإدارى، لتشمل زيادة كفاءة وفعالية الجهاز الإداري، وزيادة قدرته على الاستجابة للتغيرات المحلية والدولية، وزيادة قدرته على استيعاب وتطبيق خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ليس من خلال تطوير التشريعات والقوانين المنظمة لعمله، ولكن من خلال تطوير أداء وسلوك العاملين فى الجهاز الإدارى والارتقاء بمستوياتهم التعليمية والوظيفية.
لا ينفي ذلك وجود بعض مظاهر الإصلاح الإداري، مثل إعطاء قدر لابأس به من تفويض السلطة لوحدات القطاع الحكومى ومنحها سلطة إصدار القرارات واللوائح الداخلية المنظمة لعملها، واستحداث وحدات للرقابة الداخلية والخارجية على الأداء. إلا أن الممارسة العملية أثبتت أن أساليب متابعة الأداء الحكومى وتقييمه اعتمدت على الأساليب والأدوات الشكلية دون التركيز على المضمون، كما ركزت على تصيد الأخطاء دون المشاركة فى معالجتها. فقد اعتمدت عمليات تقييم الموظف على تقرير الكفاية (السنوى) والذى لا يعبر عن أدائه الحقيقي، فتارة يكتب هذا التقرير بصفة إجمالية ونهائية مع نهاية العام، وتارة أخرى يكتب على فترات طوال العام ثم يتم تجمعيه فى نهاية العام، بالإضافة إلى أن بنوده تميل إلى الأسلوب التقليدى والاعتماد على تقديرات المسئول الأعلى القائم بالتقييم. أضف إلى ذلك سرية عملية التقييم، ما يجعلها أساسا لبناء علاقات عدم الثقة بين الموظف وجهة التقييم.
ثالثاً: تقييم جهود وسياسات الإصلاح الإدارى فى مصر
نظرة سريعة على برامج الإصلاح الإدارى خلال القرن العشرين، يمكن القول إن فترة الخمسينيات مثلت فترة الاستشارات الإدارية، تم خلالها الاستعانة بمجموعة من الخبراء الأجانب لتقديم مقترحاتهم حول تطوير الخدمة العامة من خلال تحسين أوضاع العاملين، وتوفير التدريب اللازم لهم. ومثلت فترة الستينيات مرحلة التوسع فى الجهاز الإدارى للدولة، نتيجة التوسع فى الأنشطة الحكومية وتدخلها فى النشاط الاقتصادى، بدءا من الخطة الخمسية الأولى (1959- 1960- 1964- 1965). وقد شهدت تلك المرحلة محاولات لإصلاح الجهاز الإداري، والاستعانة بالخبرات الأجنبية في هذا المجال بهدف تشخيص مشاكل الجهاز الإدارى، إلا أن الاعتبارات السياسية (حرب اليمن، ثم هزيمة 1967) كان لها تأثيرها السلبي على قدرة الدولة على الاستمرار في هذا الاتجاه.
واتسمت فترة السبعينيات بحدوث مجموعة من التحولات السياسية والاقتصادية، ففى عام 1975 قام الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة بصياغة خطة خمسية للتنمية الإدارية والإصلاح الإدارى ركزت على محاوز إدارة الأفراد، وتنمية القيادات وتطوير إجراءات العمل، والقوانين واللوائح. لكن يؤخذ على هذه الخطة عدم اتساقها مع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة ككل (24).
وفى الثمانينيات تم الربط بين إصلاح الجهاز الحكومى وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة. وصيغت خطتان خمسيتان (1982- 1987)، (1987- 1992)، حيث تم التركيز على مجموعة من المحاور، شملت: تطوير الخدمات ذات الصلة بالجمهور، تبسيط الإجراءات، تطوير نظام اختيار القيادات، وتعديل نظم الحوافز والمكافآت ونظم ترتيب الوظائف. كما تم تأسيس مركز دعم واتخاذ القرار عام 1985 كجهة تابعة لمجلس الوزراء بهدف إمداد الحكومة بالمعلومات والخبرات الفنية اللازمة لتطبيق مبادرات الإصلاح (25).
وفى فترة التسعينيات كان هناك ثلاث خطط تقريبا للإصلاح الإداري (1987- 1992، 1992- 1997، 1997- 2002). أعطت الأولى منها - في مجال الإصلاح الإداري - الأولوية لتطوير الخدمات الحكومية، وتنظيم الجهاز الإدارى للدولة، وتطوير الخدمة المدنية والشكاوى والتفتيش، وترتيب وموازنة الوظائف، وتطوير نظام الأجور، وتدريب القيادات الإدارية، وانشاء بيانات عن العاملين بالحكومة والقطاع العام، وزيادة فعالية دور مراكز المعلومات، وتخطيط القوة العاملة، وتطوير مديريات ووحدات التنظيم والإدارة، واجراء بحوث التطوير الإدارى. بينما شملت أولويات خطة الإصلاح الإدارى خلال الخطة الخمسية (1997- 1997) 97 تطوير الخدمات الحكومية وتقييم الأداء، وتطوير مديريات ووحدات التنظيم والإدارة بالمحافظات، وتطوير النظم الخاصة بالخدمة المدنية والشكاوى والتفتيش، وتدريب القيادات والعاملين بالحكومة وتطوير نظم المعلومات، وتنظيم الجهاز الإدارى للدولة، وترتيب موازنة الوظائف وتحسين الأجور، وتخطيط القوى العاملة، واجراء بحوث التطوير الإدارى.
أما أولويات خطة الإصلاح الإدارى خلال الخطة الخمسية (1997- 2002)، فقد ركزت على ترشيد حجم الجهاز الحكومى والعمالة من خلال تطوير سياسات شغل الوظائف العامة، وفتح باب الترقيات وحل المشكلات الوظيفية، ومحاصرة البيروقراطية والتعقيدات المكتبية، والتدريب الإدارى ورفع مهارات العنصر البشرى وتطوير نظم اعداد واختيار قيادات الإدارة العليا، وإقامة قواعد للبيانات والمعلومات، وتحديث الإدارة فى لمواكبة التنمية التكنولوجية الحديثة، وتوحيد القواعد المنظمة لاستخدام القوى العاملة فى جميع قطاعات الدولة لتحقيق لعدالة وتكافؤ الفرص، وتطوير نظام الإدارة المحلية.
وتمثلت آليات الإصلاح المقترحة خلال تلك المرحلة في بناء هيكل حكومى وبيروقراطي أصغر، وتحسين الخدمات العامة المقدمة، وتحسين بيئة العمل وأحوال الموظفين، ونشر وتطوير الاستخدام التقنى فى مجال أداء الأعمال الحكومية، ووضع معايير واضحة للأداء والمساءلة (26).
وهكذا، يمكن القول إن خطط الإصلاح فى فترة التسعينيات اشتملت على المزج بين الوسيلتين، الأولى هي الوسيلة البيروقراطية من خلال تبسيط الإجراءات، ومراجعة كافة الوظائف القائمة وتوصيفاتها على المستوى القومى، بالإضافة إلى المكاتب الفنية التى تم إنشاؤها بهدف رفع جودة الخدمة المقدمة. الوسيلة الثانية هي الوسيلة التشريعية، وشملت توحيد التشريعات التى تحكم تقديم الخدمة، وإلغاء الكثير منها، واستحداث الجديد أيضا مثل القانون رقم (5) لسنة 1991 الخاص بالوظائف المدنية القيادية في الجهاز الإداري للدولة والقطاع العام.
ومما لا شك فيه أن التشريعات تعد جزءا مهما من عملية تنفيذ خطة الإصلاح، كما أنها مكون رئيس في عملية إعادة تنظيم الجهاز الحكومى. وقد تأخذ هذه التشريعات شكل القوانين التى يتم إقرارها من جانب السلطات التشريعية، أو القرارات الصادرة من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والتى لها قوة القانون فى الجوانب الإدارية، كذلك القرارات الوزارية وأخيرا الكتب الدورية الصادرة عن الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة والتى تعد بمثابة لوائح تنظم أنشطة الجهاز الحكومى. وهناك التشريعات المتعلقة بتطوير مستوى الخدمات الحكومية كتخطيط القوى العاملة، والتدريب، وأخرى تتعلق بتحسين أوضاع العاملين وظيفيا وماديا.
والجدير بالملاحظة أن التشريعات الصادرة أثناء الخطة الخمسية (1997- 2002) شملت العديد من التعديلات على الجهاز الحكومى، ونظام عمله، خاصة فيما يتعلق بتحديد أيام العمل فى الوحدات الحكومية (27). كما عبرت تشريعات هذه الخطة عن اتجاه نحو اللامركزية فى ممارسة السلطات، حيث تم تفويض العديد من الوزراء فى مباشرة بعض اختصاصات رئيس الجمهورية، كما استحدثت "لجان فض المنازعات" كآلية تنظيمية إدارية يتم اللجوء إليها لأول مرة داخل هيكل الجهاز الإدارى لحل مشاكل العمل.
وبالإضافة إلى كل المحاولات السابقة، لا يمكن إغفال محاولة استصدار مشروع قانون جديد للوظائف المدنية ضمن الخطة الشاملة لتطوير الجهاز الإدارى للدولة، على اعتبار أنه يمس قطاعا عريضا من العاملين بالدولة (حوالى 5.6 مليون موظف).
لكن جدلا واسعا أثير حول مشروع القانون، وإلى أي مدى سيكون قادراً على تحقيق إدارة أكثر فعالية للموارد البشرية فى القطاع الحكومى. فقد تباينت الآراء حول مشروع القانون ما بين مؤيد ومعارض له، حيث يرى المؤيدون أن هناك قانونين أساسيين ينظمان إدارة الموارد البشرية فى الجهاز الإدارى الحكومى هما القانون رقم 47 لسنة 1978 الخاص بنظام العاملين المدنيين بالدولة، والقانون رقم 5 لسنة 1991 فى شأن الوظائف المدنية القيادية فى الجهاز الإدارى للدولة والقطاع العام، ومن ثم كان لابد من استصدار مشروع القانون الجديد لمواكبة متطلبات العصر خاصة أن مشروع القانون المقترح يهدف إلى الارتقاء بالوظيفة العامة، وبناء قدرات العاملين، ووضع نظم أجور وحوافز عادلة، ووضع نظام متكامل لتقييم الأداء، وتفعيل المساءلة والمحاسبة للحد من الفساد الإدارى. كما أكدوا على أنه مع تطبيق هذا القانون سيهدم شعار "إن فاتك الميري اتمرغ فى ترابه"، حيث كانت الدولة تلتزم بتعيين الخريجين فى وظيفة ما، وكانت مسوغات التعيين وقتذاك لا تتعدى مجرد الاقتصار على الأركان الشكلية فقط دون التطرق إلى طبيعة العلاقة بين نوعية العمل الذى يقوم به الموظف ومؤهلاته وقدراته العلمية، وهو ما أدى إلى ترهل الجهاز الإدارى.
على الجانب الآخر، أثارت بعض مواد مشروع القانون اعتراضات وجدلا كبيرا، منها المادة الخاصة بغلق باب التعيين فى الحكومة تماما وفرض إجراءات تمنع الوزارات والهيئات والأجهزة الحكومية من تعيين الخريجين، حيث نص مشروع القانون على ضرورة موافقة الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة. ووفقا لمعارضي مشروع القانون، فإن الأخير (القانون) سوف يؤدي في التحليل الأخير إلى تفاقم مشكلة البطالة لأسباب تتعلق بعدم قدرة القطاع الخاص على استيعاب العرض القائم، أو بسبب الفجوة بين طلب سوق العمل الخاص ونوعية العرض المتاح. هذا إلى جانب إطلاق القانون يد السلطة الإدارية فى فصل العاملين أو وقف مرتباتهم، فضلا عن اقتصار تقويم العاملين بالدولة على درجتين فقط هما كفء وغير كفء، بالإضافة إلى إقرار نظام التعاقد بدلا من التعيين فى الجهاز الإدارى للدولة لفترة محددة لتأدية مهام محددة مما يعنى ضرب الاستقرار الوظيفى. كما اعترض هؤلاء أيضا على المادة الخاصة بفتح الباب للأجانب للعمل فى الجهاز الإدارى للدولة.
وهكذا، فإن القانون مازال يحتاج إلى مزيد من النقاش للوصول إلى صياغات أكثر تضمن تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق، من ناحية، والحيلولة دون ظهور مشكلات جديدة داخل سوق العمل، من ناحية أخرى، وهو ما يتطلب المزيد من النقاش حول المواد المتعلقة بنظام التعاقد، والاستعانة بتخصصات معينة من الأجانب، فضلا عن الحاجة إلى إصلاح نظام الأجور.
وبشكل عام، يمكن القول إن برامج الإصلاح الإدارى في مصر غلب عليها الأسلوب "الترقيعي"، ما أدى إلى تراكم كم هائل من القوانين واللوائح والترتيبات، وإنشاء، أو إلغاء أو دمج العديد من المؤسسات، لكن ظل الطابع العام لعميات الإصلاح الإداري هو الإصلاح الجزئي. ومن المعروف أن عملية الإصلاح تتطلب عادة الاختيار بين إستراتيجيتين، إما إستراتيجية الإصلاح الجذري الشامل، أو الإصلاح الجزئي التدريجي، لكل منهما شروطها ومميزاتها وسلبياتها (28).
وقد شهدت مصر في نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين مناقشات واسعة حول جدوى كل من هاتين الإستراتيجيتين، انتهت إلى سيطرة بديل الإصلاح الجزئي التدريجي على خبراء ومسئولي الإصلاح الإدارى في مصر. ورغم أن هذه الإستراتيجية قد ضمنت تقليل التكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لعملية الإصلاح، إلا أنها أدت في الوقت ذاته إلى استمرار المشكلات الهيكلية الأساسية للجهاز الإداري، وذلك في وقت كانت البيروقراطية الحكومية تشهد فيه توسعا مستمرا من حيث الحجم والنطاق والأهداف. وهكذا، كان لا بد أن يسفر الأمر عن تضخم الفجوة بين الأهداف المبتغاه من ناحية، والأداء الفعلي للجهاز الإداري من ناحية أخرى.
أيضاً اتسمت جهود الإصلاح المتتالية بالتضارب وعدم الاستمرارية، فما أن يبدأ مسئول فى وضع أسس لسياسة أو استراتيجية بعينها للإصلاح حتى يقوم المسئول الذى يخلفه بتغيير هذه السياسة تماماً دون عناء تقييم التجربة السابقة والاستفادة من الخبرات المكتسبة واستكمال المناسب منها، ما أدى فى كثير من الأحيان إلى صعوبة التوصل لحلول جذرية، وسيطرة النظرة الجزئية للمشكلات الإدارية وعدم الأخذ فى الاعتبار البعد الزمنى لها، واللجوء إلى الحلول الوسط لإرضاء جماعات الضغط المختلفة، والتطبيق المبتسر لعملية الإصلاح.
الأهم من ذلك، أن محاولات الإصلاح الإدارى لم يتم تطويرها في إطار إستراتيجية شاملة تنطلق من أهداف مححدة وواضحة وتربط عملية الإصلاح تلك بهذه الأهداف، إذ كانت الإصلاحات في الغالب ردود فعل لمشكلات يعانى منها الجهاز الإدارى، أو محاولات لنقل تجربة أو مدخل جديد لم يتم دراسته أو الإعداد له بشكل جيد. كذلك، يمكن القول إن محاولات الإصلاح تلك لم تأت في الغالب في إطار خطة عامة للدولة محددة الملامح والمراحل أو في إطار تكامل واضح مع خطة التنمية أو خطة الإصلاح الاقتصادى. ومن ثم، لم يكن من المتصور نجاح خطط التنمية والإصلاح الاقتصادى بدون وضع خطط موازية للإصلاح الإدارى.
كذلك، فقد أغفلت خطط الإصلاح الإداري شرط الدعم الشعبي لهذه الخطط، بدءا من مؤسسات المجتمع المدني وانتهاء بالمواطن الطبيعي. إن عدم ارتباط خطط الإصلاح بسياسة فاعلة لتعبئة هؤلاء الفاعلين غير الرسميين وراء هذه الخطط أدى بلا شك إلى افتقادها لشرط مهم من شروط نجاحها، فسلوك المواطن نفسه قد يحول دون تطبيق خطط الإصلاح بفعالية، فالمواطن الذي يبادر من جانبه بتقديم الرشوة لتسهيل الحصول على الخدمة الحكومية أو كسر القانون واللوائح الإدارية لصالحه، يشجع الموظف الحكومي على عدم الالتزام بخطط الإصلاح التي تسعى إلى القضاء على هذه الظواهر السلبية.
وأخيرا، تجدر الإشارة إلى عدد من المعوقات الأخرى، مثل الاعتماد على قيادات إدارية غير مؤهلة لتبنى النسق الفكرى والسلوكى الذى تتضمنه برامج الإصلاح، وعدم توافر الموارد المالية اللازمة لتنفيذ برامج إصلاح طموح، وضعف آليات التقييم الحقيقية، الكمي والكيفي، لنتائج الإصلاح، وضعف العلاقة بين الجهاز السياسي، ممثلا في القيادة السياسية والحكومة، والجهاز الإداري، ما أدى إلى عدم تفهم الجهاز الإداري لبرامج الإصلاح أو عدم أخذ رأي الأخير قبل وضع هذه البرامج (1).
رابعاً: مشاكل الجهاز الإدارى فى مصر
رغم المحاولات المبكرة لإصلاح وتطوير الجهاز الإداري في مصر، إلا أنه يمكن الزعم أن المشاكل التى عانى منها هذا الجهاز منذ خمسينيات القرن العشرين لازالت قائمة هي ذاتها حتى اليوم، بعد أن أصبحت أكثر حدة وأوسع نطاقا. فما رصده مونت بالمر وآخرون فى كتابهم عن مشاكل البيروقراطية المصرية هي ذاتها المشاكل الراهنة، ممثلة فى: التقديس الزائد للسلطة، سيادة القيم المقيدة للإبداع، اللائحية ومقاومة التغيير، انتشار الرشوة والمحسوبية واللامبالاة، ضعف قيم المساءلة والمحاسبة. استمرار هذه المشاكل على هذا النحو يعني في التحليل الأخير فشل محاولات الإصلاح الإداري التي تم تطبيقها خلال العقود السابقة.
ومن خلال رصد المحاولات السابقة للإصلاح الإدارى، يمكن إرجاع فشل سياسات وبرامج الإصلاح الإدارى في مصر إلى مجموعة من العوامل أدت إما إلى تفريغ سياسات الإصلاح من مضمونها أو إلى ضعف نتائج هذه السياسات. نشير فيما يلي إلى أهم تلك العوامل.
1- سياسة التوظف الحكومى
تمتع جهاز الخدمة المدنية بمكانة مرموقة فى فترة ما بعد ثورة يوليو 1952، حيث كان يتم تعيين جميع خريجى الجامعة. واستمر التعيين فى الجهاز الإدارى للدولة كعنصر جذب بالنسبة لخريجى الجامعة نظراً لما يوفره من أمان واستقرار وظيفي، وهو شعور لازال قائما، الأمر الذى يؤكده الرفض الشديد الذى قوبل به مشروع قانون الوظيفة العامة الجديد، خاصة ما ذهب إليه مشروع القانون من إلغاء نظام التعيينات واستبداله بنظام التعاقد، وهو تهديد مباشر لثقافة راسخة داخل الجهاز الإداري ونظرة المواطنين لدور هذا الجهاز.
وتجدر الإشارة إلى أن سياسة التوظف الحكومى ليست مجرد التعيين فى قطاع الإدارة الحكومية بما يشمله من وزارات ومصالح حكومية، وهيئات عامة، ومجالس عليا، وأجهزة مركزية، وأجهزة تنفيذية، وصناديق، ومؤسسات، وهئيات محلية. إلخ، لكنها تتضمن سياسات للمرتبات والحوافز والبدلات والترقيات، وللتدريب، وللرقابة والمتابعة. إلخ. ورغم توقف سياسة تعيين الخريجين منذ تعيين خريجي دفعة سنة 1985- 1986، إلا أن التعيين بالجهاز الإدارى استمر، لكن من خلال نظام العقود المؤقتة، لما تتمتع به هذه العقود من مرونة فى التوظيف مقارنة بالتعيين التقليدى، بالإضافة إلى كونها أقل إلزاما للجهة المشغلة.
وقد أدت هذه السياسة إلى توسع كبير فى حجم الجهاز الإدارى، وما ارتبط بذلك من زيادة فى المرتبات.
ويتكون الجهاز الإدارى المصرى من أربعة أفرع أساسية، هي: الوزارات والأجهزة المركزية، الإدارة المحلية وتشمل مديريات الخدمات بالمحافظات ودواوين عموم المحافظات، الهيئات الخدمية، وأخيرا الهيئات الاقتصادية. ويوضح الجدول التالى إجمالي عدد العاملين فى هذه الوحدات.
جدول رقم (1)
تطور إجمالي عدد العاملين بالجهاز الإداري للدولة في مصر خلال الفترة (1981- 2008)
السنة إجمالي عدد العاملين السنة إجمالي عدد العاملين
1981 2.474 2000 4.958
1991 3.948 2001 5.091
1992 4.123 2002 5.234
1993 4.313 2003 5.309
1994 4.453 2004 5.433
1995 4.666 2005 5.551
1996 4.929 2006 5.553
1997 5.104 2007 5.579
1998 5.584 2008 5.658
1999 5.189 2011 5.599
المصدر: مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار، مجلس الوزراء.
في سنة 1952 بلغ عدد العاملين بالجهاز الإداري للدولة نحو 8% تقريباً من حجم العمالة، كما بلغ عدد الوزارات الحكومية 15 وزارة. لكن عقب ثورة 1952، ونتيجة السياسات الاجتماعية التي اتبعها نظام الثورة، بدأ حجم الجهاز الإداري في الاتساع، ما أدى بدوره إلى تزايد حجم العاملين بالجهاز ليصل إلى 2064286 عاملا سنة 1978 بنسبة 20% من إجمالى قوة العمل البالغ عددها 10.337.300. وخلال الفترة من سنة 1979 وحتى سنة 1985، بلغ عدد وحدات الجهاز الإدارى 170 وحدة بالإضافة إلى دواوين الوزارات، والهيئات المركزية، ووحدات ومديريات الخدمات بالمحافظات، ووصل عدد العاملين بالقطاع الحكومى إلى 3016000 عامل بنسبة 24% من إجمالى قوة العمل البالغ عددها 12559000 عامل سنة 1984/ 1985. وحتى عام 1988 وصل عدد وحدات الجهاز الإدارى إلى 33 وزارة، وبلغ عدد العاملين أكثر من 3571401 عامل بنسبة تصل إلى %25 من إجمالى قوة العمل التى تجاوزت الـ12.5 مليون عامل عام 1988(30). ووفقا لآخر تقديرات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء لعام 2011 بلغ عدد العاملين في القطاع الحكومى نحو 5.599 مليون عامل، بنسبة 23.5% من إجمالي قوة العمل التى بلغت 23.829 مليون عامل في ذلك العام.
ويبلغ متوسط العلاقة بين حجم الجهاز الإداري وعدد السكان حوالي موظف لكل 13 مواطنا، ينخفض إلى موظف لحوالي كل 11 مواطنا إذا ما أضفنا العمالة المؤقتة، وهي متوسطات تعد مرتفعة بالمقارنة بالمتوسطات العالمية.
وفي ظل هذه الأوضاع، تعاني الأجهزة الحكومية من العمالة الفائضة (أو البطالة المقنعة)، باستثناء مواقع محدودة. هذه الظاهرة تطورت نتيجة عوامل عدة، منها ارتفاع معدل الزيادة السكانية، ونظام التعليم الذي ينتج خريجين لا يتمتعون بالمهارات الحقيقية المطلوبة في سوق العمل، ووصول القطاع الحكومى إلى طاقته الاستيعابية القصوى من العمالة وتضخمه، هذا بالإضافة إلى مجموعة التحولات الهيكلية التى حدثت فى الاقتصاد والمجتمع فى مصر ما أدى إلى ضعف قدرة الاقتصاد على توليد فرص العمل المطلوبة. هذا إلى جانب القيم الاجتماعية التي تعطي للعلاقات الشخصية مكانة كبيرة في قرارات التوظيف والترقية بل ومختلف مجالات إدارة الموارد البشرية.
أيضاً ساهمت التمايزات الاجتماعية فى توسيع الهوة بين فئات العاملين داخل الأجهزة الحكومية. تتجسد هذه التمايزات فى نظام "الكوادر الخاصة"، فالموظفون طبقا لكوادر خاصة يتمتعون ببعض الامتيازات التى لا يتمتع بها غيرهم، مثل الرواتب والأجور والحوافز والبدلات والترقية. إلخ، ما أدى إلى إيجاد حساسيات نفسية واجتماعية لدى العاملين خارج نطاق هذه "الكوادر الخاصة"، فضلا عن ضعف إنتاجية عنصر العمل.
كما أن هناك عدة مصادر وراء انتشار حالة من الإحباط داخل نسبة كبيرة من العاملين بالجهاز الإداري (31)، منها وجود فجوة بين الخلفيات التعليمية والطموحات المهنية للعاملين فى بعض الأجهزة الحكومية من جانب ونوعيات الأعمال والوظائف التى يؤدونها من جانب آخر. إلى جانبً وجود نوع من الاختلال بين التعليم والمهنة والدخل، فالوضع الطبيعى أن تكون هناك علاقة واضحة بين المتغيرات الثلاثة، بحيث إنه كلما ارتفع مستوى التعليم، كلما ارتقت المهنة وزاد مستوى الدخل. لكن نتيجة للاختلالات العديدة التي يعاني منها الجهاز الإداري والاقتصاد لم يعد التناسب قائما، مما يدفع الموظف إلى البحث عن مسالك أخرى مشروعة أو غير مشروعة لزيادة دخله، وتراجع قيمة وأهمية العمل الذي يقوم به داخل الجهاز الإداري.
إن الجهاز الإداري لا يعمل فى فراغ، إنما فى إطار بيئة ومجتمع يتأثر به ويؤثر فيه. وقد بدا واضحا أن قناة الاتصال بين النخبة العامة قد تحولت من الناحية الفعلية إلى قناة أحادية الاتجاه من النخبة إلى العامة فقط دون أن تتيح للنخبة فرصة التعرف على الآراء الحقيقية للعامة وتوقعاتهم. فضلا عن اعتماد المواطن على السلطة المركزية اعتماداً كلياً فى تصريف شئونه مما قلل دافع المبادرة والمشاركة.
وقد تولت الدولة عبر أجيال عديدة وظائف تتطلب اتصالاً كبيراً بين الشعب والحكومة ومع ذلك لم تتحدد بصورة دقيقة حقوق وواجبات كل منهما. ويرجع ذلك إلى عوامل عدة، أهمها (32): أن مصر حُكمت بجهاز تنفيذى قوي أجنبي ثم وطنى، وظل هذا الجهاز قوياً، فضلا عن التوتر بين المجتمع المحلى والحكومة المركزية، حيث خضع الحكم لنظام سلطة رؤساء العائلات والعمد. ولقد نتج عن انعدام الرقابة السياسية الرسمية ظاهرة غريبة وهى الميل إلى صبغ العلاقة بين الأفراد بالطابع السياسى، حيث يسعى الأفراد إلى تقدير قيمة الشخص تبعاً لمركزه ونفوذه الاجتماعى، وتكون النتيجة استبعاد استخدام الرقابة الحكومية الرسمية.
2- ظاهرة الفساد الإدارى
لقد ساهمت سياسة التوظيف الحكومى فى اتساع ظاهرة الفساد الإدارى. ونتج عنها تكدس الموظفين فى الأجهزة الحكومية، وسوء تقديم الخدمات للمواطنين، وضعف دخول ومرتبات العاملين، ومحدودية إجراءات الرقابة والمتابعة فى الأجهزة الحكومية، اتساع ظاهرة الفساد الإدارى. فى هذا الإطار تمكنت بعض الفئات غير المنتجة اجتماعيا من اختراق بعض الأجهزة الإدارية ومؤسسات الدولة، واستغلالها بطريق مباشر أو غير مباشر، واستطاعت في الوقت ذاته تحقيق ثروات خيالية.
أخذ الفساد الإداري صورا، أوضحها تسهيل سيطرة بعض الأشخاص على ممتلكات الدولة، استخراج تراخيص لمبان غير قانوية، إرساء العطاءات على شركات ومؤسسات بعينها وذلك بتعمد تقاضى العمولات، والتهرب الضريبى. إلخ (33). فى ظل هذا المناخ، بدأ يتكرس شعور عام لدى قطاعات واسعة من المواطنين بضروروة تقديم رشاوى أو عمولات للحصول على الخدمات وإنجاز المصالح بصورة سريعة وميسرة. وإلى جانب انتشار ظاهرة الفساد الإدارى، هناك ترسانة من القوانين واللوائح الجامدة، والإجراءات الروتينية والشكلية المعقدة التى تعرقل حصول المواطن على الخدمة بالشكل المناسب وفى الوقت المناسب. فضلا عن المحاباة والوساطة والمركزية الشديدة وضعف القيم والمعايير الإدارية وعدم الميل إلى تحمل المسئولية، وهي كلها ظواهر أثرت سلبا على كفاءة الجهاز الإدارى.
خامسا: متطلبات التطوير ومنطلقاته
تقوم بين الحكومة والجهاز الإدارى للدولة علاقة مهمة داخل النظام السياسي، فالحكومة تقوم من جانبها بوضع السياسات العامة، بينما يقوم الجهاز الإداري بتطبيق هذه السياسات، ثم تقوم الحكومة بدورها بالتأكد من تطبيق الجهاز الإداري لتلك السياسات بالكفاءة المطلوبة، وتقييم أداء الجهاز الإداري، بشكل عام، كأداة لتطبيق تلك السياسات. هذه العملية لا تتم وفق إطار نظرى محدد أو في إطار علاقات جامدة، فالسياسات العامة تخضع لتأثيرات متعددة من الجهاز الإدارى الذى يستطيع بدوره التأثير في شكل هذه السياسات من خلال مداخل متعددة.
إذن السياسات العامة، صياغة وتطبيقا، هى الجسر الذي يصل بين الحكومة والبيروقراطية. كما ان ارتباط ولاء الجهاز الإداري "بالمهنة أو الاحترافية" أكثر من "الجماهير أو الرضاء العام" يعني أن منظمات الجهاز الإداري - خاصة في ظل غياب العمل السياسي المعبر عن الجماهير - تعمل بمعزل وباستقلالية عن حاجات الجمهور أو اعتبارات الرضاء العام. والواقع أن عمل البيروقراطية بمعزل عن اعتبار الرضا العام يمثل إحدى نقاط ضعفها، كما أن تحرر البيروقراطية من الالتزام بمعيار الرضا العام قد ينعكس سلبا على الحكومة ذاتها، بل قد يؤدي إلى انهيارها في حالة التدهور الشديد لمستوى الرضا العام عن أداء الجهاز الإداري. إذ يستطيع الجهاز الإداري أن يُقوِّض شعبية الحكومة واستقرارها من خلال أساليب عدة، منها، على سبيل المثال، تزويد المواطنين بمعلومات خاطئة، إمداد الحكومة ذاتها وتضليلها بالمعلومات غير الصحيحة، بالإضافة إلى التنفيذ غير الكفء للبرامج والمشروعات، والامتناع عن تقديم الخدمات العامة أو تجميدها أو تعقيد إجراءاتها.
وعلى العكس، يمكن استخدام "الرضاء العام" كأداة فعالة لتطوير الجهاز الإداري، ليس فقط من خلال اعتماده كمؤشر لقياس مدى كفاءة الجهاز الإداري في تقديم الخدمة ومستواها، ولكن كأداة أيضا لتوجيه عمل هذا الجهاز. وهناك أدوات عدة لقياس مستوى الرضا العام، أهمها الشكاوى، جماعات التركيز، والملاحظة، واستطلاع الرأي العام.
ينقلنا ذلك إلى الاستحقاقات المطلوبة لتطوير الجهاز الإداري. واقع الأمر، أن مسألة تطوير الجهاز الإداري في مصر ليست مسألة حديثة، فقد طرح العديد من الدراسات والاجتهادات المهمة في هذا المجال، كان أبرزها تلك التي جاءت في سياق "البرنامج القومي للتطوير"، والذى قام بإعداده وصياغته الأستاذ الدكتور على السلمي، أستاذ الإدارة ووزير التنمية الإدارية الأسبق. وقد تضمن هذا البرنامج المحاور الستة التالية (34):
المحور الأول، يتعلق بالموظف العام، ويركز على إعادة صياغة الهيكل الوظيفي بالجهاز الإداري للدولة بناء على دراسة الاحتياجات الحقيقية من العاملين، وتحسين أوضاعهم من حيث الرواتب والحوافز، واقتراح تحقيق طفرة في دخول موظفي الدولة من خلال إعفاء رواتبهم وحوافزهم من الضرائب، وكذا تدبير مصدر لتمويل الزيادات المخططة في الرواتب من خلال فرض رسم على الخدمات المقدمة للمواطنين.
المحور الثاني، يتعلق بتطوير النظم وتبسيط الإجراءات، ويهتم بتبسيط إجراءات تعامل المواطنين مع أجهزة الدولة من خلال إنهاء علاقة الاتصال المباشر بين المواطن طالب الخدمة والموظف الذي يقدم الخدمة.
المحور الثالث، يتعلق بتطوير الهيكل العام للجهاز الإداري للدولة، ويقوم على فكرة رئيسة مؤداها إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة ليتناسب، من حيث الأساس التنظيمي والحجم والاختصاصات، مع الدور الجديد للدولة في ظل سياسات التحرير الاقتصادي.
المحور الرابع، ويتعلق بالإصلاح التشريعي، ويركز على إعادة صياغة القوانين المنظمة لعمل الجهاز الإداري، بحيث تكون في الأساس أداة معاونة على رفع كفاءة الأداء، وتمكين القيادات الإدارية من تحمل مسئولياتها واستخدام صلاحياتها بحرية مسئولة، لا أن تكون وسيلة للتقييد والتعويق بما يؤدي إلى تراجع القيادات الإدارية عن ممارسة صلاحياتها التزاما بما يفرضه كثير من القوانين المطلوب تغييرها من إجراءات مطولة. الفكرة المحورية في توجهات الإصلاح التشريعي المقترح أن تتوافق فلسفة القوانين الحاكمة للجهاز الإداري مع التوجهات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة للدولة.
المحور الخامس يتعلق بالتطوير التكنولوجي للجهاز الإداري، ويركز على الأخذ بأسباب التقدم التي توفرها تكنولوجيا المعلومات الحديثة بكل ما تعنيه من سرعة في الأداء ودقة في المعلومات وحداثة تلك المعلومات.
المحور السادس، يتعلق بآليات تنفيذ البرنامج القومى للإصلاح الإداري، ويركز بالأساس على ضرورة اقتناع القيادة السياسية بأهمية هذا البرنامج، وإنشاء آلية أو جهاز لمتابعة وتقييم تطبيق هذا البرنامج. ومن الأفكار المطروحة في هذا الإطار إنشاء "مجلس أعلى للإصلاح الإداري" برئاسة السيد رئيس الجمهورية، ويضم فى عضويته رئيس مجلس الوزراء ووزير التنمية الإدارية (كأمين عام)، ووزير المالية، ووزير العدل، ووزير القوى العاملة، ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، ورئيس اتحاد الغرف التجارية، ورئيس اتحاد الصناعات المصرية، وممثلا لجمعيات رجال الأعمال، وممثلا لاتحادات المستثمرين، وممثلا لنقابة التجاريين، بالإضافة إلى عدد من أساتذة وخبراء الإدارة، وممثلا للإعلام الرسمي.
بالإضافة إلى المحاور السابقة، تشمل عملية إصلاح وتحديث الجهاز الإدارى للدولة أبعادا سياسية واقتصادية، فالإصلاح الإداري ذاته يحتاج إلى قرار سياسى فى الأساس، ويتوقف مدى النجاح في تحقيقه على رغبة وقدرة القيادة السياسية على اتخاذ ودعم ومتابعة الإجراءات والسياسات اللازمة بالتشاور مع الأطراف المعنية.
وتؤكد هذه الدراسة أن تحديث الجهاز الإدارى للدولة - انطلاقا من رصد وتحليل المشكلات السابق الإشارة إليها - يتطلب الأخذ بمنظومة متكاملة للإصلاح، يمكن تحديد ملامحها فيما يلي:
1- ربط عملية الإصلاح الإداري بإطار للتنمية البشرية: يعد اختيار وتعيين العاملين بالجهاز الإداري للدولة وفقاً للأسس والمبادئ العلمية، وفي مقدمتها مبدأ الجدارة، هو الضمانة الأولى لبناء جهاز إداري فاعل وكفء. في هذا الإطار، يجب الاهتمام بإعداد نظام متكامل لإدارة الموارد البشرية، وذلك من خلال بناء قاعدة بيانات للقيادات الإدارية العاملة والاهتمام بقيادات الصف الثانى، وإحياء دور المعهد القومى للإدارة العامة ليكون بمثابة الإطار المؤسسى لبناء وتدريب القيادات الإدارية، وتطوير نظم تقييم الأداء من خلال إعادة النظر فى النظم التقليدية بما يسمح بتقييم أداء العامل استنادا إلى معدلات أداء محددة، أخذا في الاعتبار ضرورة رفع كفاءة الموظف بشكل يسمح بتقييم أدائه استنادا إلى تلك المعايير.
2- ربط عملية الإصلاح الإداري ببناء إطار قيمي وثقافة مؤسسية جديدة تعلى من قيم النزاهة والجودة، وترشيد الإنفاق، والمحافظة على المال العام، وتعلي من معيار رضاء متلقى الخدمة، بالإضافة إلى تعظيم قيمة الإنجاز (35).
3- ربط عملية الإصلاح الإداري بإطار مؤسسي - تنظيمي، يقوم بمعالجة تضخم وترهل حجم الجهاز الإدارى من أجل الوصول به إلى الحجم الأمثل، ويعكس الوظائف الحقيقية المخوّل له القيام بها، ويقضى على الازدواجية وتضارب الاختصاص. هذا يتطلب تحديدا واضحا للأهداف المطلوبة من الجهاز الإدارى، وإعادة النظر فى بعض الهياكل الإدارية الحالية بما يتناسب مع الدور المتوقع للجهاز الإدارى، وتحقيق التوازن بين وحدات الجهاز الإدارى والإدارات التابعة لها بحيث يتم إعادة توزيع العاملين بها بما يضمن استخدام الفائض الموجود فى بعض الإدارات لسد العجز فى بعض الآخر، وإعادة النظر فى الوظائف المتماثلة التى تقع فى نفس القطاع أو الإدارة الواحدة، وتفعيل دور وحدات المتابعة والتقييم، ومحاولة الوصول إلى الحد الأمثل لحجم الجهاز الإدارى من خلال تحديد الحجم الحقيقى للعمالة الفائضة، وبحث الوسائل المناسبة للوصول إلى المواءمة بين عامل الكفاءة والبعد الاجتماعى (36).
4- ربط الإصلاح الإداري بإطار تكنولوجى - تقنى، فلا يستقيم أن تسير دولة حديثة في اتجاه التركيز على البناء الهرمي للجهاز الإداري في وقت تؤكد فيه فلسفة وآليات عصر المعلومات والإدارة الحديثة على التحول إلى الإدارة اللامركزية التي تعلي من قيمة المشاركة فى صنع القرار وتسهيل تدفق المعلومات. ويأتي في هذا السياق أهمية التوسع في تجربة الحكومة الإلكترونية، على نحو يساعد على تطوير نمط من العلاقة بين الموظف العام والمواطن، يقوم على إنهاء العلاقة المباشر بين طالب ومقدم الخدمة الحكومية، وتبسيط إجراءات الحصول على الخدمة.
5- الربط بين الإصلاح الإداري وإصلاح المحليات؛ إذ لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي للجهاز الإداري دون إصلاح المحليات التي تمثل المستوى الأول في العلاقة بين المواطن والجهاز الإداري. هناك توافق على أن المحليات في مصر وصلت إلى مستوى متدن من المهارة والفساد لا يمكن معه المراهنة على قيامها بدور حقيقي في أي عملية تنمية حقيقية، كما لا يمكن المراهنة على تطبيق برنامج حقيقي للإصلاح الإداري بدون إصلاح هذا المستوى.
وأخيرا، لا يمكن إغفال قضية الجودة عند الحديث عن أى إصلاح إداري، خاصة في ظل وجود فجوة كبيرة بين مستوى الخدمة الحكومية من ناحية، وتوقعات المستهلكين من ناحية أخرى. وتواجه الخدمات الحكومية بعض المشكلات التي تعوق الارتقاء بهذه الجودة، يتمثل أهمها في: انخفاض مستوى جودة تصميم الخدمة سواء ما يتعلق بتعقد الإجراءات، أو درجة ميكنة مراحل تقديم الخدمة والتي تؤثر على الوقت المستغرق في إنجازها، ومستوى قدرات ومهارات مقدمي الخدمة، ونمط تعاملهم مع المستهلكين (37).
- خاتمة
إن الغايات البسيطة لأي إصلاح إداري تدور حول إعادة هيكلة المنظومة الإدارية الحكومية ككل، وتحسين أحوال العاملين بالدولة مادياً ومهنيا،ً وتيسير التعاملات اليومية للمواطنين مع مؤسسات الدولة، والقضاء على الفساد الإدارى الذى يعد سببا رئيسا للتعقيدات البيروقراطية. هذه الأهداف تتطلب تحقيق التوازن والتكامل بين مكونات عملية الإصلاح الإدارى نفسها، فتركيز خطة الإصلاح على عنصر أو مكون معين دون باقي المكونات قد يؤدي إلى الإخلال بمجمل العملية أو عدم تحقيق أهدافها. وقبل كل ذلك، لابد أن تستند عملية الإصلاح الإداري إلى تشخيص دقيق لجوانب الخلل فى النظام الإدارى (نظم الأجور، التدريب، توصيف الوظيفة).
أيضاً لابد أن تركز خطة الإصلاح على الجوانب الماكرو- إدارية، والجوانب الميكرو - إدارية. ويقصد بالجوانب الماكرو- إدارية أنماط إدارة الدولة ككل، بما فى ذلك توزيع الأدوار بين أجهزة الدولة، والعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وأسلوب عمل مجلس الوزراء. أما الجوانب الميكرو - إدارية فتشمل أداء الوحدات الحكومية والمؤسسات العامة وتطويرها ورفع إنتاجيتها وتحسين أدائها.
أيضا لابد من الاهتمام بالعلاقات الإنسانية والرضاء الوظيفى للعاملين، والاستفادة من سياسة اللامركزية - الجغرافية والوظيفية - وتفويض السلطات. هذا إلى جانب أهمية وضع الضوابط والضمانات التي تكفل القضاء على مظاهر الفساد الإداري والمالي من خلال توسيع وتفعيل دور الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، بحيث يصبح المنظم والمراقب للجهاز الإداري للدولة، ووضع توصيف دقيق للوظائف العامة، وتحديث نظام الجزاءات والعقوبات بحيث تكون أكثر فعالية وأكثر قابلية للتطبيق في الوقت ذاته (38)، والعمل على تغيير الاتجاهات السلوكية للعاملين فى الجهاز الإدارى، فقد تكون التشريعات والنظم البيروقراطية ملائمة لكن تبقى سلوكيات العاملين مشكلة مهمة يجب عدم التهوين منها؛ فالسلوك البشرى هو الحاسم فى العمل الإدارى، الأمر الذى يتطلب وضع مدونة سلوك لموظفي الخدمة المدنية. أضف إلى ذلك أهمية إيجاد مناخ وظروف عمل مواتية تسمح بتحقيق وتفعيل هذه الأهداف وآليات تطبيقها.
وأخيرا، لابد من التعامل مع عملية الإصلاح الإداري باعتبارها عملية متعددة الأبعاد، تجمع بين تنمية الموارد البشرية، والتنمية المؤسسية، والقيمية، بالإضافة إلى التحديث التكنولوجي.
هوامش:
مؤلفة هذا العدد د. إيمان مرعي، خبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.
1- مورو بيرجر، ترجمة د. محمد توفيق رمزى، البيروقراطية والمجتمع فى مصر الحديثة دراسات عن موظفى الحكومة، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1959)، ص 7.
2- ماكس فيبر، البيروقراطية، مترجمون وناشرون (نيويروك: جامعة أكسفورد، 1946)، ص 204.
3- محمد ناشد، البيروقراطية مفهومها ومقوماتها ومظاهرها (القاهرة: المنظمة العربية للعلوم الإدارية، 1970).
4- ماكس فيبر، البيروقراطية، مرجع سبق ذكره، ص 206.
5- هوكارت، تراث مصر الحديثة (لندن: جامعة أكسفورد، 1942)، ص 375.
6- مورو بيرجر، مرجع سبق ذكره، ص ص 26- 36.
7- عزمي حسن خليفة، البيروقراطية وعملية التنمية السياسية في البلاد المتخلفة، رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الاقتصاد والعلوم سياسية، جامعة القاهرة ، 1979، ص 25- 35.
Harold Laski, "Bureacracy" in-8 International 8- Encyclopedia of Social Sciences, Newyork: Macmillan and Free Press,1964,vol. 3. pp.70.
9- د. إكرام بدرالدين، "تقويم تجربة وجود جهاز مركزى للخدمة المدنية فى مصر"، ورقة عمل مقدمة إلى مؤتمر التوظف الحكومى فى مصر الحاضر وإعداد المستقبل، مركز البحوث والدراسات السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، 1991، ص ص 37- 38.
10- مورو بيرجر، مرجع سبق ذكره، ص ص 40- 42.
11- المرجع السابق، ص 45.
12- انظر فى ذلك: د. عبدالكريم درويش، البيروقراطية والاشتراكية، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1965)، ص ص 20- 35. يوسف خلوصى، "البيروقراطية ما لها وما عليها"، مجلة الإدارة، القاهرة، المجلد السابع، يوليو 1974، ص 22.
13- د. إكرام بدرالدين، مرجع سبق ذكره، ص ص 40- 43.
14- مورو بيرجر، ترجمة د. محمد توفيق رمزى، مرجع سبق ذكره، ص 45.
15- مونت بالمر وآخرون، البيروقراطية المصرية. دراسة ميدانية، (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 1994)، ص ص 33- 44.
16- د. ليلى البرادعى، ود. خالد زكريا، "محاولات الإصلاح والتطوير الإدارى فى جمهورية مصر العربية"، مجلة شركاء التنمية والاستشارات والتدريب، 2007، ص ص 117- 119.
17- د. أحمد رشيد، التنمية الإدارية والإصلاح الإدارى، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1996)، ص ص 20- 25.
18- د. عاصم الأعرجى، "حول فاعلية وكفاءة الأجهزة الإدارية الخدمية الحكومية"، مجلة العلوم الاجتماعية، السنة الرابعة، العدد الثانى، يونيو 1976، ص ص 15- 20.
19- جلال قاسم وآخرون، "تقرير حول ندوة الإصلاح الإدارى فى مصر"، مجلة التنمية الإدارية، العدد 70 يناير 1996، ص 18.
20- عفاف الباز، الإصلاح الإدارى كوظيفة استشارية فى التنظيم الحكومى المعاصر مع التطبيق الخاص على جمهورية مصر العربية، رسالة دكتوراة غير منشورة، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1995، ص ص 102- 104.
21- المرجع السابق، ص ص 105- 108.
22- د. على السلمى، الإدارة المصرية رؤية جديدة، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999)، ص 32.
23- محمد فكرى حنفى، "تطور الجهاز الإدارى المصرى منذ الخمسينيات"، ورقة عمل مقدمة فى ندوة حول التوظف الحكومى فى مصر الحاضر وإعداد المستقبل، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 1991، ص43.
24- د. أحمد صقر عاشور، إصلاح الإدارة الحكومية: آفاق إستراتيجية للإصلاح الإدارى والتنمية الإدارية العربية فى مواجهات التحديات العالمية، (القاهرة: المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 1990)، ص ص 25- 32.
25- د. ممدوح مصطفى إسماعيل، "مجلس الشعب وقضايا الإصلاح الإداري: رؤية تحليلية"، ورقة عمل مقدمة فى مؤتمر إصلاح الخدمة المدنية في مصر، القاهرة ، (22- 23 يونيو 2008)، ص ص 12- 14.
26- مضبطة الجلسة الثالثة والثلاثين، دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي التاسع، 30 من يناير سنة 2003.
27- أحمد السيد الدقن، تقويم الخطط القومية للإصلاح الإدارى فى مصر فى الفترة 1987- 2002، مرجع سبق ذكره، 2004، ص ص 40- 55.
28- د. أحمد رشيد، الإصلاح الإدارى: إعادة التفكير (القاهرة: دار النهضة العربية، 1996)، ص ص 66- 70.
29- مركز الإدارة والتنمية، ورقة عمل مبدئية عن إستراتيجيات الإصلاح الإدارى فى مصر، متاحة على الرابط التالي:
http://ww.mdcegypt.com/site-arabic/development-arabic/capacity%20building-arabic/capacity20%-arabic-5.asp
30- أحمد السيد الدقن، "تقويم الخطط القومية للإصلاح الإدارى فى مصر فى الفترة 1987- 2002"، قضايا إدارية، مركز دراسات واستشارات الإدارة العامة، 2004، ص 16.
31- وزارة الدولة للتنمية الإدارية، مصر: الإصلاح الإدارى، فبراير 2004. متاح على الرابط التالي: www.edara.gov.eg
32- د. محمد الراوى، "تطوير الإدارة الحكومية فى مصر: مدخل سياسى"، ورقة عمل مقدمة فى مؤتمر إصلاح الخدمة المدنية في مصر، القاهرة، (22- 23 يونيو 2008)، ص ص 10- 15.
33- د. عبدالرحمن توفيق، أفكار لكسر الإطار- حتى لا يبقى الحال على ما هو عليه، (القاهرة: مركز الخبرات المهنية للإدارة- بميك)، 2002، ص ص 150- 151.
34- د. على السلمى، "الإدارة الجديدة فى ضوء المتغيرات البيئية التكنولوجية"، الأهرام الاقتصادى، العدد 140، 2010.
35- صلاح الشنواني، إدارة الأفراد والعلاقات الإنسانية، (القاهرة: مكتبة القاهرة الكبرى، 2000)، ص ص 20- 25.
36- د. ليلى البرادعى، ود. خالد زكريا، محاولات الإصلاح والتطوير الإدارى فى جمهورية مصر العربية، مرجع سبق ذكره، ص ص 120- 125.
37- سمير محمد عبدالوهاب، كفاءة إيصال الخدمات العامة إلى الريف المصرى: دراسة ميدانية حول كفاءة البيروقراطية المصرية فى توصيل الخدمات العامة إلى الريف المصرى خاصة فى مجالى التعليم والصحة، كلية الاقتصاد، رسالة دكتوراة غير منشورة، 1986، ص ص 50- 70.
38- انظر: محسن العرقان، دراسة ميدانية في سيكولوجية الموظف غير القيادي، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة عين شمس، كلية آداب، 1987، ص ص 60- 66.
محمد محمد الحسانين، العوامل المتعلقة بالسلوك البيروقراطي، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية البنات، جامعة عين شمس، 1981، ص ص 50- 70.