Share |
يوليو 2009
1
دارفور بين الضغوط الخارجية والاستجابة الداخلية
المصدر: السياسة الدولية

يقع إقليم دارفور فى غرب السودان، وتبلغ مساحته نحو 549 ألف كيلو متر مربع، وينقسم إلى ثلاث ولايات: ولاية شمال دارفور، وجنوب دارفور، وغرب دارفور. ويقطنه عدد كبير من القبائل، يربو على مائة قبيلة، من أمثال: قبيلة الفور، والمساليت، والزغاوة، والالكبابيش، والداجو، والعريقات، والرزيقات، وأولاد راشد. وغيرها. ويدين السكان جميعهم القاطنون فى هذا الإقليم بالديانة الإسلامية(1).
ترجع بداية الأحداث فى دارفور إلى 2003، حيث هاجمت حركات مسلحة متمردة Rebel، مواقع حكومية (مراكز الشرطة ومطار الفاشر عاصمة الإقليم). وهى بذلك تتزامن مع التوصل إلى اتفاق سلام جنوب السودان (اتفاق الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان).
عملت الحكومة السودانية على إخماد ما يجرى على أراضى الإقليم، مستخدمة قواتها العسكرية والأمنية، إلا أنها كانت بمثابة عامل أدى لانفجار الأوضاع وخروج الأحداث عن نطاقها المحلى إلى النطاق الإقليمى، ثم إلى النطاق الدولى. وبدأ الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان فى الإقليم، وتصوير ما يحدث على أنه تطهير عرقى للعنصر الزراعى المستقر (الإفريقى)، على يد العنصر البدوى الرحال
(العربى).
استغلت الدول الغربية (الكبرى)، تدهور الأوضاع الإنسانية فى الإقليم فى تصعيد الموقف، وتصوير ما يحدث على أنه إبادة جماعية Genocide، وتجد مبررا للتدخل فى الأحداث من أجل تحقيق ما ترنو إليه من أهداف.
وتنطلق هذه الدراسة من حقيقة مهمة، تتمثل فى اعتبار أن السواد الأعظم من أهالى دارفور ينحدرون من أصل عربى. حيث يعد سليمان صولونج هو مؤسس مملكة الفور - التى يرجع تاريخها إلى 1445 م - المنحدر من أصل عباسى أو من أعراب تونس، وتزوج من ابنة ملك الفور. وهذا يؤكد عروبة سلالة ملوك الفور، من ناحية انحدارهم من صلب عربى، وحديثهم العربية وحفظ عدد كبير منهم القرآن الكريم. وهذا ينفى أن قبيلة الفور - القبيلة التى اشتق منها اسم إقليم دارفور - غير عربية، حسبما جاء فى كتاب نعوم شقير "جغرافية وتاريخ السودان"(2). وبذلك، فإن مفاد هذه الحقيقة أن ما يحدث على أرض هذا الإقليم ليس صراعا قبليا ولا إثنيا (بين عرب وأفارقة) - ونؤكد أننا نفضل استخدام القبائل الزراعية المستقرة والقبائل البدوية الرحالة، بدلا من استخدام القبائل العربية والقبائل الإفريقية - بل هو صراع على الموارد والنفوذ بالأساس، حركته وكرسته أطراف لخدمة أهدافها.
وترجع أهمية هذه الدراسة إلى العديد من الأمور:
* إن هذا الإقليم يقع فى دولة السودان، وهى دولة عربية تقع على حدود مصر الجنوبية، وإن ما يجرى على أرض هذه الدولة يمثل تهديدا للأمن القومى المصرى، فضلا عن الارتباط التاريخى بين دارفور ومصر منذ قديم الأزل. فيوجد فى مصر رواق فى الأزهر الشريف يسمى رواق دارفور، بالإضافة إلى التجارة بين مصر ودارفور منذ كانت مملكة مستقلة عن السودان، وهى بذلك تولد ضغوطا على مصر.
* إن دراسة أحداث قضية دارفور قد تصلح كدراسة كنموذج - لما يمكن أن تسهم فيه الحكومات فى دولة ما وإهمالها وتهميشها لأطراف داخل هذه الدولة،مما يولد إمكانية فتح الباب أمام كافة التدخلات الخارجية (سواء من قبل أطراف دولية أو إقليمية). كما أنها تصلح كعبرة، تستند إليها الدول فى مراعاة تحقيق التنمية فى كافة أرجاء الدولة وعدم تكريس الاهتمام فى جزء (إقليم أو محافظة)، دون الأجزاء الأخرى.
* إنها توضح كيف نجحت الضغوط الخارجية على الحكومة السودانية، وصعدت من الأحداث، مما أخرجها عن نطاقها المحلى
(السودانى)، إلى حيزها الإقليمى (الإفريقى)، وصولا إلى الحيز الدولى (الأمم المتحدة والدولة الأكبر والدول الكبرى).
* كما أنها توضح أن محاباة دولة ما جزءا من المجتمع، على حساب الأجزاء الأخرى، سواء تمت هذه المحاباة لفترة ما أو لظرف ما، قد تؤدى إلى نفور الأجزاء الأخرى وإحداث اضطرابات هى فى غنى عنها. وقد تتلاقى مصالحها مع مصالح أطراف خارجية، تعمل على استغلالها وتأجيجها، وهو ما يعد فى غير صالح الدولة ذاتها.
* إن تجربة الحسم العسكرى الأمنى تكاد تثبت فشلها وأنها ليست الطريقة المثلى لمعالجة القضايا والأزمات ذات الأبعاد المختلفة، والتى تتسم بتداخل مصالح الأطراف الأصلية والدخيلة التى فرضت الأوضاع وجودها.
وتهدف هذه الدراسة إلى تحقيق العديد من الأهداف، تتمثل فى:
* الوقوف على العوامل التى أدت إلى تأجيج الأحداث، وخروجها عن نطاقها الأصيل، بالإضافة إلى تحديد السبب أو الأسباب الأصيلة فى هذه الأحداث.
* الوقوف على المراحل التى مرت بها الأحداث فى إقليم درافور، بمعنى معرفة ما هى الأطراف المعنية بالأحداث فى كل مرحلة مرت بها الأحداث فى الإقليم.
* تحديد مواقف الأطراف المختلفة مما يجرى على إقليم دارفور، ونقصد مواقف الأطراف الداخلية (الحكومة السودانية وحركتى التمرد الرئيسيتين: حركة العدل والمساواة وحركة أو جيش تحرير السودان)، ومواقف الأطراف الإقليمية (تشاد والجماهيرية الليبية ومصر وإريتريا)، ومواقف الأطراف الدولية (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا).
وتستخدم الدراسة منهج تحليل النظم، من أجل الوصول إلى تحقيق تلك الأهداف السالف ذكرها.
ويعد منهج النظم من أكثر المناهج استخداما فى الوقت الحاضر، لقدرته على رسم تصور متكامل لما تتم دراسته، وبمعنى أدق إمكانية تطبيقه على كافة أوجه النشاط الإنسانى.
وينطلق هذا المنهج من قاعدة أساسية، مفادها: أنه يمكن تصور أى شىء (كالظاهرة السياسية) على أنه نظام، أى يتكون من مجموعة وحدات، يوجد بين هذه الوحدات اعتمال متبادل أو توافق أو تفاعل.
ويطرح هذا المنهج فى التطبيق أسئلة أربعة، هى:
1- هل يمكن أن ينطبق وصف النظام على الأحداث فى إقليم دارفور؟ بمعنى آخر، هل تنطبق صفة النظام على التفاعلات (الصراعية) بين الأطراف فى إقليم دارفور؟
2- ما هى العوامل التى أدت إلى حدوث هذه المواجهات والمصادمات وأدت إلى تأجيج تلك الأوضاع؟
3- ما هى المراحل التى مرت بها الأحداث فى دارفور؟
4- ما هو الوضع فى دارفور بعد ما آلت إليه الأوضاع فى هذا الإقليم؟
وتقوم هذه الدراسة على الفروض التالية:
* أن تهميش إقليم دارفور أدى إلى تلك الأحداث المأساوية فى الإقليم.
* أن العمل المسلح من قبل الحكومة السودانية أدى إلى تصعيد الأحداث ولم يؤد إلى إخمادها.
* نجاح الضغوط الخارجية فى خروج معالجة الأحداث فى نطاقها السودانى أو الإفريقى إلى النطاق الدولى.
الدراسات السابقة:
تعتمد هذه الدراسة على دراستين رائدتين للأحداث فى إقليم دارفور، هما:
الدراسة الأولى: للأستاذة الدكتورة/ إجلال رأفت، المعنونة بـ "الأزمة فى دارفور.. الأسباب والتطورات والنتائج"(3).
الثانية: للأستاذ/ هانىء رسلان، والمعنونة بـ "أزمة دارفور: بين الأبعاد الداخلية والتصعيد الدولى"(4).
عد الدراسة الأولى تأصيلية للمشكلة. حيث ترجع المشكلة أو الأحداث إلى العديد من العوامل، جمعتهما فى تركيبة فريدة "أنها ترجع إلى تجاور نمطين مختلفين النمط الزراعى والنمط الرعوى".
أما الدراسة الثانية، فتدور أحداثها حول كيف انتقلت الأحداث فى دارفور من حيزها الداخلى (السودانى) إلى الحيز الدولى. وترى مسئولية كل من الأطراف الداخلية (الحكومة السودانية وحركتى التمرد الرئيسيتين) عن حدوث هذا التصعيد، وفى الوقت نفسه لا تحملهما العبء كاملا، بل تحمل الأطراف الدولية (خاصة الطرف الأمريكى) جانبا من المسئولية.
خطة الدراسة:
سوف تنقسم هذه الدراسة إلى مباحث ثلاثة، يتناول المبحث الأول النشأة والعوامل التى أدت إلى تأجيج الصراع فى دارفور، ويقسم تلك العوامل إلى عوامل داخلية وإقليمية ودولية.
ويتناول المبحث الثانى المراحل التى مرت بها أحداث دارفور، وسيتم تقسيمها إلى مراحل ثلاث، الأولى: مرحلة الصراع بين قاطنى الإقليم (القبائل التى تقيم فيه)، والثانية: بين الحكومة السودانية ومتمردى دارفور، والثالثة: بين الحكومة السودانية والمجتمع الدولى. ويتناول المبحث الثالث، مواقف الأطراف المختلفة من أحداث دارفور، سواء على المستوى المحلى أو الإقليمى أو الدولى. ويتناول المبحث الرابع جهود توحيد موقف فصائل دارفور المتمردة وانعكاساتها على مؤتمر سرت وشروط نجاح أى مفاوضات سلام خاصة بدارفور. وأخيرا الخاتمة.
المبحث الأول - النشأة والعوامل التى أدت إلى تأجيج الصراع فى دارفور:
يمكن أن نعزو الصراع فى دارفور إلى العديد من الأسباب، منها ما هو داخلى أو محلى - أساس الصراع ولا يمكن فهم الصراع بدون معرفته - ومنها ما هو إقليمى، ومنها ما هو دولى، وهو ما ساعد على تأجيج الصراع وليس نشأته، بل حاول اقتناص الفرصة من أجل تحقيق ما يرنو إلى إنجازه من أهداف أو مصالح.
أولا - العوامل الداخلية للصراع:
يمكن القول أن الصراع فى دارفور صراع داخلى بالأساس، يمتزج فيه ما هو سياسى مع ما هو اقتصادى مع ما هو بيئى مع ما هو أمنى مع ما هو اجتماعى.
1- النفوذ والموارد:
يمكن أن نعزو الصراع فى دارفور بالأساس إلى اعتباره صراعا على الأرض. حيث يتسم إقليم دارفور بالمزج بين القبائل العربية والقبائل الإفريقية. فالأخيرة هم سكان أصليون، بينما القبائل العربية قبائل وافدة منذ مئات السنين. وتتسم القبائل العربية بأنها من الرعاة المرتحلين، بينما القبائل الإفريقية مزارعون. وهو ما ساعد على إذكاء الصراع واستمراره. حيث تعددت الاحتكاكات بين القبائل العربية والإفريقية، وقد كانت بدايتها الاحتكاك بين بنى هلية والرزيقات عام 1982، فى جنوب دارفور(5)، بينما يوجد اتجاه يرجع الصراع إلى عام 1932، حينما نشب نزاع بين قبائل الكبابيش والكواهلة والميدوب حول مصادر المياه(6). وكان الصراع لا يلبث أن يخمد، إلا ويشتعل آخر، سواء بين نفس القبائل السابقة أو بين قبائل مختلفة، مثل الزغاوة والمعاليا.
وقد ساعدت العديد من العوامل على تأجيج الصراع، منها:
أ- الجفاف وعدم هطول الأمطار(7) فقد دفع الرعاة الرحل إلى النزوح إلى المناطق التى تتوافر فيها الأمطار، مما أدى إلى المزيد من الاحتكاكات بين المزارعين والرعاة، وهو ما جعل البعض يعتقد بأنه السبب الرئيسى وراء الصراع. وهو ما تم التعبير عنه فى تقرير الأمم المتحدة الصادر عن برنامج البيئة(8).
ب- تجاهل الحكومات السودانية المتعاقبة طبيعة إقليم دارفور، وإلغاء نظام السلطان والناظر والعمدة والشيخ، منذ عهد الرئيس النميرى، وهى ما كانت تعمل على حل ما ينشب من صراعات بطرق سلمية، تحترم الأعراف والتقاليد السائدة(9). أدى ذلك إلى عدم وجود مرجعية تقوم بمحاسبة المعتدى وتأخذ حق المعتدى عليه، خاصة فى ظل تهافت دور الدولة السودانية.
ج- رواج تجارة السلاح فى إقليم دارفور، لأسباب سوف نذكرها لاحقا.
2- عدم وجود مشروع حضارى لبناء الأمة السودانية:
فقد تجاهلت الحكومات المتعاقبة، أو النظام الحاكم فى السودان، العمل على تبنى مشروع حضارى يعلى من شأن الدولة ويجعلها مرجعية وحيدة لكل السودانيين، بصرف النظر عن العرق أو الدين أو اللغة. وهو ما كرس العرق كمرجعية، لمن انحدر منه، فتعددت الأعراق والمرجعيات، وهو ما ظهر جليا فى دارفور. فاتخاذ مثل هذا المشروع وقيامه على أساس الثقافة الإسلامية - على أساس أن سكان دارفور مسلمون - قد يكون له بالغ الأثر فى التئام الصراع وعدم تجدده، بل والقضاء عليه(10).
ولقد عبر عن هذا الاتجاه تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية، فى 24 أغسطس 2004، يرى ".. أن مشاكل السودان ناشئة فى الأساس عن تقصير الحكومات السودانية المتتابعة أو إخفاقها فى بناء الأمة السودانية على أساس مبدأ المساواة فى المواطنة، الأمر الذى غذى روح الهويات الفرعية (إثنية ودينية وقبلية) وطورها لتصبح هويات سياسية بدل أن تبقى فى دائرة التنوع الثقافى فى المجتمع. وبسبب غياب الديمقراطية بما تنطوى عليه من تعددية ومشاركة ومساواة أمام القانون، فقد وجدت هذه الحكومات أن من السهل عليها توظيف الهويات الفرعية فى اللعبة السياسية الداخلية، توخيا لتقوية قاعدة قوتها التى قد تكون قبيلة أو عرقا أو دينا أو إقليما، الأمر الذى أدى إلى تعميق الانقسامات وتشجيع بعض قيادات هذه الجماعات على السعى للانفصال عن جسم الدولة، كما حدث مع قيادات الجنوب ومن أبرزهم جون قرنق. معنى ذلك كله بلغة السياسة هو أن يصبح التمييز سمة من سمات الحكم وواحدة من قواعده"(11).
وقد ترتب على ذلك عدم الاهتمام بتنمية أقاليم السودان الستة والعشرين بما فيها دارفور بخلاف الإقليم الشمالى. فعلى مستوى إقليم دارفور، يعانى الإقليم عدم وجود بنية تحتية INFRASTRUCTURE ومن المشروعات الاستثمارية ومن إهمال التنمية الزراعية والصناعية والحيوانية، فضلا عن التنمية البشرية، وانتشار البطالة، خاصة فى ظل التعداد السكانى الذى يتسم به إقليم دارفور، وهو ما أدى بالشباب للانحراف والانخراط فى التنظيمات العسكرية، مثل قوات الدفاع الشعبى(12).
بينما توجد فئة قليلة صاحبة ثروة خاصة التجار من أهالى دارفور، تمكنوا من إرسال أولادهم إلى جامعات الخرطوم أو إلى جامعات خارج الخرطوم/ السودان عموما، وهو ما ساعد على إفراز شريحة تطالب بحقوقها السياسية والاجتماعية، وهو ما بدا جليا فى القيادات التى تتزعم الحركات المسلحة أو المتمردة فى الإقليم(13).
3- الصراع على السلطة وفتح شهية متمردى دارفور:
ويحمل هذا العامل أو السبب أبعادا ثلاثة:
أ- عملت الحركة الشعبية لتحرير السودان على خلق موقف ضاغط على الحكومة السودانية، حتى تستجيب لمطالبها واستثمار هذه الأحداث لصالحها وهى بذلك تريد أن ترسل لحكومة الخرطوم رسالة مفادها أن إنجاز السلام فى الجنوب بأسرع وقت ممكن قد يساعد على التفرغ للتمرد الناشب فى دارفور (إقليم غرب السودان) واحتوائه قبل أن يستفحل. ومن أجل ذلك، فقد تحالف زعيم الحركة الشعبية، جون جرنق، مع داود يحيى بولاد (أحد أبناء دارفور) عام 1991، وتعهد بتقديم العتاد والمساعدة بالمستشارين وإسداء النصائح لهؤلاء المتمردين. ومن الشواهد رصد طائرة تابعة للحركة فى 21 مارس 2005 تهبط على جبل مرة (القاعدة الأساسية لمتمردى دارفور) قادمة من منطقة بحر الغزال جنوب السودان(14). وهو ما لا تنفيه الحركة، ولا متمردو درافور، وهو ما ظهر جليا فى إشادة مؤتمر "القوى المهمشة"، المنعقد فى ألمانيا بتاريخ 4 أبريل 2003، بمواقف وسيرة الحركة الشعبية النضالية والوطنية(15).
ب- محاولة حكومة الخرطوم سد إقليم دارفور أمام الاختراق من قبل الحركة الشعبية*. وفى سبيل ذلك، لجأت إلى تسليح القبائل الرعاة
(العربية)(16)، لسد الثغرة أمام تدخل الحركة، ومحاربتها بطريق غير مباشر، وهو ما امتد إلى تصفية الحسابات مع القبائل الزراعية القاطنة فى دارفور، التى تحالفت مع الحركة الشعبية، وهو ما عمل على تأجيج الصراع، ونشأة ما سمى بقبائل الجنجويد**.
ج- استثمار متمردى دارفور لأحداث الجنوب ومحاولات الاستقطاب التى تجرى لهم - إما مع الحكومة أو مع الحركة - والمطالبة بنصيب غرب السودان فى السلطة، فضلا عن اقتسام الثروات وغيرها، وهو ما يفسر اندلاع الصراع إبان تسوية مشكلة الجنوب. وقد جاء فى بيان حركة العدل والمساواة التأسيسى أنها تهدف إلى "إنهاء التمييز العنصرى فى منهج الحكم فى السودان" والعمل على "تقسيم الحقائب الوزارية وإدارة المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية وكل الوظائف المفتاحية فى الدولة بالتساوى بين الأقاليم على قاعدة الكثافة السكانية والكفاءة، وذلك إلى حين اكتمال تكافؤ الفرص التلقائى فى الدولة واختيار رئيس الجمهورية وولاة الولايات بالانتخاب الحر المباشر على أساس مبدأ صوت واحد لكل شخص، وأن يراعى تحقيق التوازن الاجتماعى الولائى فى تشكيل الحكومات الولائية بما فى ذلك ولاية الخرطوم"(17).
ومن المؤشرات ما جاء فى الكتاب الأسود، الذى عملت حركة العدل والمساواة على نشره، لتوضيح مدى الاختلال فى توزيع السلطة، لصالح الشماليين. فعلى سبيل المثال، رئيس الدولة ونوابه ومساعدوه يمثلون نسبة 27% من الإقليم الشمالى، بينما دارفور 0%، كذلك مستشارو الرئيس يمثلون نسبة 50% من الإقليم الشمالى، ومن دارفور10%، وزارة الداخلية ووزارة رئاسة الدولة مثل الشماليون فيها 100% والدارفوريون 0% (18).
ثانيا- العوامل الإقليمية:
يحدد إقليم دارفور ثلاث دول: تشاد وليبيا وإفريقيا الوسطى. ونقصد بالعوامل الإقليمية: هل لدول الجوار الجغرافى يد فى اندلاع الصراع؟ وهل هى منشأة للصراع أم استغلت الأحداث لتحقيق مآربها؟ وفى هذا الإطار، سوف نركز على دول الجوار التالية: الجماهيرية الليبية وتشاد.
1- الجماهيرية الليبية:
أدى الصراع بين الرئيس الليبى، العقيد القذافى، والرئيس السودانى الأسبق جعفر النميرى، إلى محاولة ليبيا زعزعة الاستقرار فى السودان. ومن أجل ذلك، عملت على توفير الأسلحة بكميات ضخمة لقبائل إقليم دارفور - الإقليم المتاخم لها - على حدودها الغربية، وهو ما ساعد على تأجيج الصراع، وتفشى حالات النهب المسلح والسلب والقتل، فى ظل الفلتان الأمنى الذى ظل يعانيه هذا الإقليم(19). فضلا عن مد الحكومة القبائل الرحل بالسلاح لمحاصرة نفوذ الحركة الشعبية لتحرير السودان، مما جعل تجارة السلاح تجارة رائجة فى هذا الإقليم.
يذكر أن لليبيا علاقات قديمة، منذ إنشاء ودعم الفيلق الإسلامى فى الثمانينيات، الذى اعتبر رأس الحربة فى الاستراتيجية الليبية لنشر القومية العربية والإسلامية فى إفريقيا. وهو ما يفسر ارتباطها بالجنجويد، وتدعيمها لهم بالمال والسلاح(20). وبذلك، تكون ليبيا وحكومة الخرطوم مسئولتين عن السلاح وتوافره فى دارفور فى يد القبائل الرحالة.
وقد تركت القوات الليبية كميات ضخمة إضافية من السلاح والعتاد الحربى فى تشاد المتاخمة لإقليم دارفور، بعد انسحابها من عملية الغزو الليبى لتشاد بسبب الصراع على إقليم أووزو.
2- تشاد:
تشاد فى موقف لا تحسد عليه، فهى مجاورة لدارفور، فضلا عن أن السكان فى دارفور ينتمون إلى بعض السكان فى تشاد. فدارفور تتسم بالتداخل بين القبائل، حيث يوجد قرابة ثلاث عشرة قبيلة تترنح بين الحدود، ومن أمثالها قبيلة الزغاوة التى ينتمى إليها الرئيس التشادى إدريس ديبى وكبار أعضاء حكومته، وينتمى إليها أيضا قدر يعتد به من الفصائل المتمردة فى دارفور، سواء حركة العدل والمساواة، أو جيش تحرير السودان، أو الفصائل المنشقة عنهما(21). ويفسر ذلك بأن تشاد تقوم بمد يد العون لأهلها من دارفور، سواء بالسلاح أو بالمأوى أو غير ذلك.
وتعد دارفور الفناء الخلفى لتشاد، فالسواد الأعظم من الانقلابات، التى وصلت إلى سدة الحكم فى تشاد، جاء عبر دارفور. فالرئيس التشادى إدريس ديبى وصل إلى السلطة عبر انقلاب من دارفور - نقطة الانطلاق - وبمساعدة الحكومة السودانية وامتداد القبائل بين البلدين، وهو ما عمل على رواج السلاح، وزيادة الاحتكاكات بين القبائل.
فضلا عن أن دارفور مثلت مكانا يتم عبره الصراع التشادى - الليبى، كما سلف الذكر، مما زاد من كميات السلاح، وحدوث عملية استقطاب للقبائل فى دارفور بين الطرف التشادى والطرف الليبى، مما كان له الأثر فى زيادة الاحتكاكات بين القبائل وبعضها بعضا، وتكريس الصراع فيما بينها.
ثالثا - العوامل الدولية:
تكاد تدور العوامل الدولية التى أدت إلى تأجيج الصراع فى دارفور حول العديد من النقاط، التى ألقت بظلالها على الأحداث فى دارفور.
إن العوامل الدولية (الخارجية بوجه عام) لم تنشئ صراعا ولم تتسبب فى أزمة، بل تعمل على استغلال أحداث معينة، تستند إليها - تستخدمها كمبرر للتدخل والتأثير فى الأحداث - ويمكن القول أن تدهور الوضع الإنسانى فى دارفور كان بمثابة الحجة التى يمكن الاستناد إليها لتبرير التدخل وممارسة الضغوط - فى الغالب على الحكومة السودانية - على الرغم من أن التدخل بوجه إنسانى* Human intervention عادة ما يكون الأصل فيه تحقيق مآرب سياسية، أو عادة ما يضمر تحقيق مآرب سياسية.
فمنذ 2001 حتى 2003 أودت أحداث دارفور بحياة نحو 50 ألفا من سكان دارفور، وتشريد نحو مليونى من أهالى الإقليم(22).
وتم تشريد نحو 160 ألفا من أهالى دارفور، خلال الأشهر الستة الماضية من هذا العام، بسب أحداث القتال هناك. بالإضافة إلى هروب أكثر من 500 ألف لاجئ دارفورى إلى الدول المجاورة، خاصة تشاد، فضلا عما يحدث للعاملين فى مجال الإغاثة الإنسانية من ترصد وخطف وهجمات عليهم (23). وهذا ما حدا بالكونجرس الأمريكى ومنظمة هيومان رايتس ووتش إلى وصف ما يجرى من أحداث فى دارفور "بمثابة إبادة جماعية وتطهير عرقى"(24) - وهذا التطهير وتلك الإبادة للعنصر الإفريقى فى الإقليم - من قبل الحكومة ومواليها من القبائل العربية "الجنجويد". خلاصة ذلك أن العامل الإنسانى كان بمثابة العامل الذى وجدت منه القوى الدولية، سواء الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا، منفذا للتدخل وتحقيق مآرب كل منها.
المبحث الثانى - المراحل التى مرت بها أحداث دارفور:
يمكن القول أن أحداث دارفور مرت بالعديد من المراحل، حتى وصلت إلى ما آلت إليه الآن. فلقد شهد الإقليم صراعات ومواجهات مسلحة بين قاطنيه. وتطور ذلك ليصل إلى تدخل حكومة الخرطوم لدرجة أنها أصبحت طرفا فى المواجهات، ثم تبع ذلك تدخل أطراف دولية، سواء كانت دولا أو منظمات دولية أو إقليمية.
إذن، تناولنا للمراحل التى مر بها الصراع فى دارفور يمر عبر مراحل ثلاث، وسيتم التركيز على أطراف الصراع أو المواجهات، وعلى ماذا تتم المواجهات أو يتم الصراع.
أولا - مرحلة الصراع بين قاطنى الإقليم:
يمكن أن نطلق عليه صراعا محليا، ونقصد بالمحلى فى هذه المرحلة صراعا داخل إقليم دارفور، دون سواه، بين القاطنين فيه. ترجع المواجهات والصراع بين أهالى دارفور إلى عام 1932، بين قبائل الكبابيش والكواهلة والميدوب. إلا أن عام 1989 شهد ولادة أول صراع ومواجهة بين قبيلة الفور وقبيلة من الرعاة، وتمت المصالحة فى الفاشر، عاصمة إقليم دارفور. وشهدت الأعوام التالية بدءا من 1998 تزايد الصراعات والمواجهات بين القبائل القاطنة فى الإقليم(25).
ويتسم إقليم دارفور بأنه مقسم بين القبائل، حيث تسيطر كل قبيلة على حيز جغرافى معين أو مساحة من الأرض، وهذا لا ينفى وجود قبائل أخرى على المساحة نفسها، ولكنها أقل عددا ونفوذا من غيرها من القبائل. فقبيلة الزغاوة تبسط سيطرتها على الأجزاء الشمالية من الإقليم وبعض الأجزاء المتفرقة فى أجزاء أخرى، بينما تسيطر قبيلة المساليت على الجزء الغربى من الإقليم، بينما قبيلة الفور- منها اشتق اسم الإقليم - تسيطر على أجزاء متفرقة من الإقليم، وتسيطر قبيلة الرزيقات على الأجزاء الجنوبية من الإقليم، بينما تسيطر القبائل البدوية على أجزاء متفرقة وتعتمد على الترحال فى أراضى الغير، مما كان يتسبب فى الاحتكاكات بين القبائل المختلفة(26). زاد من الاحتكاكات حالة الجفاف التى ضربت الإقليم، وما ترتب عليها من حالة تصحر(27). إلا أن الصراع والمواجهات كانت تتم على الأرض والنفوذ (السيطرة عليها).
وما ينفى الصراع والمواجهات بين القبائل البدوية الرحالة والزراعية المستقرة حدوث العديد من الصدامات بين قبيلة الزغاوة من جانب، وقبيلة الفور والمساليت من جانب آخر. حيث تعتمد الأولى على امتدادها الإقليمى فى ليبيا وتشاد - ويقال أن وزير الدفاع الليبى، أبو بكر يونس، ينتمى إليها، والرئيس التشادى إدريس ديبى ينتمى إليها أيضا - كمحاولة إنشاء دولة الزغاوة الكبرى (جزء من ليبيا وجزء من تشاد ودارفور من السودان)(28).
وهذا يعد بمثابة دليل على أن الصراع ليس قبليا، ولكنه صراع على الأرض، صراع على النفوذ والموارد. وأطراف هذا الصراع أو تلك المواجهات هى القبائل المختلفة القاطنة فى دارفور، وهى بذلك الأساس فى الصراع، ومستمرة مع استمراريته، مع توظيف الأطراف المختلفة لها فى كل مرحلة.
ثانيا - الصراع بين الحكومة السودانية ومتمردى دارفور:
بدأت هذه المرحلة منذ أحداث فبراير 2003، سواء إعلان المتمردين عن أنفسهم أو منذ اعتدائهم على مطار الفاشر ومراكز الشرطة، مما أسفر عن تدمير سبع طائرات حكومية، وجرح وقتل عدد كبير من العسكريين فى دارفور، المنضوين تحت لواء الحكومة. وكان هذا الاعتداء من قبل حركة العدل والمساواة، والإعلان عن نفسها، واتخاذها بناء سودان ديمقراطى وموحد هدفا لها(29).
منذ ذلك الحدث، تدخلت الحكومة السودانية، وأضحت طرفا أصيلا فى الأحداث، وتعاملت مع ذلك أمنيا وعسكريا فى البداية، إلا أنها أدركت عدم فعالية التعامل الأمنى والعسكرى، فاتجهت صوب الاعتراف بالطابع السياسى للأحداث، كمحاولة منها لدرء خطرها قبل أن يستفحل(30). إذن الأطراف خلال تلك المرحلة هى: الحكومة السودانية من جانب، والحركات المسلحة المتمردة The rebels وهما حركة أو جيش تحرير السودان SLM/A وحركة العدل والمساواة من جانب آخر JEM واللتان شهد عام 2003 مولدهما. وكان يدور صراعهما حول السيطرة الأرض، وتحقيق أهداف كل منهما.
وقد ترتب على الفعل ورد الفعل - أو بمعنى آخر العمليات المسلحة أو المواجهات بين الطرفين - تشريد المئات من أهالى دارفور، وقتل وجرح عشرات المئات، وهو ما ساعد على الانتقال إلى المرحلة الثالثة.
ويمكن القول أن الأحداث لا تزال داخلية خلال تلك المرحلة بين طرفين داخليين، ولكن العامل الإنسانى كان عاملا أساسيا فى انتقالها من حيزها الداخلى إلى الحيز الدولى.
المبحث الثانى - المراحل التى مرت بها أحداث دارفور:
يمكن القول أن أحداث دارفور مرت بالعديد من المراحل، حتى وصلت إلى ما آلت إليه الآن. فلقد شهد الإقليم صراعات ومواجهات مسلحة بين قاطنيه. وتطور ذلك ليصل إلى تدخل حكومة الخرطوم لدرجة أنها أصبحت طرفا فى المواجهات، ثم تبع ذلك تدخل أطراف دولية، سواء كانت دولا أو منظمات دولية أو إقليمية.
إذن، تناولنا للمراحل التى مر بها الصراع فى دارفور يمر عبر مراحل ثلاث، وسيتم التركيز على أطراف الصراع أو المواجهات، وعلى ماذا تتم المواجهات أو يتم الصراع.
أولا - مرحلة الصراع بين قاطنى الإقليم:
يمكن أن نطلق عليه صراعا محليا، ونقصد بالمحلى فى هذه المرحلة صراعا داخل إقليم دارفور، دون سواه، بين القاطنين فيه. ترجع المواجهات والصراع بين أهالى دارفور إلى عام 1932، بين قبائل الكبابيش والكواهلة والميدوب. إلا أن عام 1989 شهد ولادة أول صراع ومواجهة بين قبيلة الفور وقبيلة من الرعاة، وتمت المصالحة فى الفاشر، عاصمة إقليم دارفور. وشهدت الأعوام التالية بدءا من 1998 تزايد الصراعات والمواجهات بين القبائل القاطنة فى الإقليم(25).
ويتسم إقليم دارفور بأنه مقسم بين القبائل، حيث تسيطر كل قبيلة على حيز جغرافى معين أو مساحة من الأرض، وهذا لا ينفى وجود قبائل أخرى على المساحة نفسها، ولكنها أقل عددا ونفوذا من غيرها من القبائل. فقبيلة الزغاوة تبسط سيطرتها على الأجزاء الشمالية من الإقليم وبعض الأجزاء المتفرقة فى أجزاء أخرى، بينما تسيطر قبيلة المساليت على الجزء الغربى من الإقليم، بينما قبيلة الفور- منها اشتق اسم الإقليم - تسيطر على أجزاء متفرقة من الإقليم، وتسيطر قبيلة الرزيقات على الأجزاء الجنوبية من الإقليم، بينما تسيطر القبائل البدوية على أجزاء متفرقة وتعتمد على الترحال فى أراضى الغير، مما كان يتسبب فى الاحتكاكات بين القبائل المختلفة(26). زاد من الاحتكاكات حالة الجفاف التى ضربت الإقليم، وما ترتب عليها من حالة تصحر(27). إلا أن الصراع والمواجهات كانت تتم على الأرض والنفوذ (السيطرة عليها).
وما ينفى الصراع والمواجهات بين القبائل البدوية الرحالة والزراعية المستقرة حدوث العديد من الصدامات بين قبيلة الزغاوة من جانب، وقبيلة الفور والمساليت من جانب آخر. حيث تعتمد الأولى على امتدادها الإقليمى فى ليبيا وتشاد - ويقال أن وزير الدفاع الليبى، أبو بكر يونس، ينتمى إليها، والرئيس التشادى إدريس ديبى ينتمى إليها أيضا - كمحاولة إنشاء دولة الزغاوة الكبرى (جزء من ليبيا وجزء من تشاد ودارفور من السودان)(28).
وهذا يعد بمثابة دليل على أن الصراع ليس قبليا، ولكنه صراع على الأرض، صراع على النفوذ والموارد. وأطراف هذا الصراع أو تلك المواجهات هى القبائل المختلفة القاطنة فى دارفور، وهى بذلك الأساس فى الصراع، ومستمرة مع استمراريته، مع توظيف الأطراف المختلفة لها فى كل مرحلة.
ثانيا - الصراع بين الحكومة السودانية ومتمردى دارفور:
بدأت هذه المرحلة منذ أحداث فبراير 2003، سواء إعلان المتمردين عن أنفسهم أو منذ اعتدائهم على مطار الفاشر ومراكز الشرطة، مما أسفر عن تدمير سبع طائرات حكومية، وجرح وقتل عدد كبير من العسكريين فى دارفور، المنضوين تحت لواء الحكومة. وكان هذا الاعتداء من قبل حركة العدل والمساواة، والإعلان عن نفسها، واتخاذها بناء سودان ديمقراطى وموحد هدفا لها(29).
منذ ذلك الحدث، تدخلت الحكومة السودانية، وأضحت طرفا أصيلا فى الأحداث، وتعاملت مع ذلك أمنيا وعسكريا فى البداية، إلا أنها أدركت عدم فعالية التعامل الأمنى والعسكرى، فاتجهت صوب الاعتراف بالطابع السياسى للأحداث، كمحاولة منها لدرء خطرها قبل أن يستفحل(30). إذن الأطراف خلال تلك المرحلة هى: الحكومة السودانية من جانب، والحركات المسلحة المتمردة The rebels وهما حركة أو جيش تحرير السودان SLM/A وحركة العدل والمساواة من جانب آخر JEM واللتان شهد عام 2003 مولدهما. وكان يدور صراعهما حول السيطرة الأرض، وتحقيق أهداف كل منهما.
وقد ترتب على الفعل ورد الفعل - أو بمعنى آخر العمليات المسلحة أو المواجهات بين الطرفين - تشريد المئات من أهالى دارفور، وقتل وجرح عشرات المئات، وهو ما ساعد على الانتقال إلى المرحلة الثالثة.
ويمكن القول أن الأحداث لا تزال داخلية خلال تلك المرحلة بين طرفين داخليين، ولكن العامل الإنسانى كان عاملا أساسيا فى انتقالها من حيزها الداخلى إلى الحيز الدولى.
ثالثا - مرحلة الصراع بين الحكومة السودانية والمجتمع الدولى:
أدى تزايد عدد القتلى والجرحى والمشردين إلى جذب انتباه الدول الكبرى والقطب الأوحد - الولايات المتحدة الأمريكية - وبريطانيا وفرنسا، أو بالأحرى أدى ذلك الوضع إلى إيجاد فرصة للتدخل من قبل تلك الدول.
تم عبور المرحلة السابقة والانتقال إلى تلك المرحلة عبر العديد من الخطوات التى مرت على الحكومة السودانية، دون أن تستوعب نتيجة ذلك. من هذه الخطوات:
* مخاطبة قادة المتمردين وسائل الإعلام الأجنبية، فضلا عن قيادتهم للأحداث من الخارج أينما يقيمون، سواء فى فرنسا، حيث يقيم محمد عبد الواحد نور، أو بريطانيا. فلقد نجح المتمردون فى خلق موقف ضاغط على الحكومة السودانية عبر وسائل الإعلام وتصويرهم الأحداث على أنها إبادة جماعية وتطهير عرقى للعنصر الإفريقى (المزارعين)، مقابل توطين العنصر العربى (البدوى الرحال). وبالتالى، نجح المتمردون فى الاستناد إلى الخارج أو - بمعنى أدق - محاولة تزايد الاتجاه صوب التصعيد الدولى وتدويل الأحداث فى دارفور(31). فالمتمردون كطرف ضعيف لجئوا إلى الخارج للاحتماء به والاستقواء وخلق موقف تفاوضى ضاغط على الحكومة السودانية.
* الزيارات المتتالية لمسئولى الدول الأجنبية إلى السودان - وإقليم دارفور تحديدا وأماكن لجوء ومخيمات أهالى دارفور - سواء كان هؤلاء المسئولون من فرنسا أو من إيطاليا أو من سويسرا أو كانوا أعضاء من الكونجرس الأمريكى أو مراقبين دوليين أو أفارقة(32). وكان لذلك دلالته بانتقال الأحداث من محيطها الداخلى إلى المحيط الخارجى، عبر استخدام ورقة الأوضاع الإنسانية فى الإقليم.
* صدور العديد من الإدانات وتوجيه الاتهام إلى الحكومة السودانية، بممارسة أعمال لها دافعة لسير الأحداث المأساوية فى الإقليم، عبر اتهامها بدعم الميليشيات المسلحة التى تسمى "الجنجويد". فقد وصف الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفى أنان، أحداث دارفور بأنها "أسوأ أزمة إنسانية فى العالم"، بعد زيارته للإقليم ومخيمات اللاجئين من دارفور فى تشاد(33).
بينما وصف الكونجرس الأمريكى - أصدر قرارا بهذا الوصف - ومنظمة HRW هيومان رايتس ووتش الأحداث بـ "الإبادة والتطهير العرقى"(34). يضاف إلى ذلك وصف منسق العمليات الإنسانية التابع للأمم المتحدة فى السودان، موكايش كابيلا، أحداث دارفور بأنها "أكبر كارثة عالمية على الصعيد الإنسانى وعلى صعيد حقوق الإنسان"، وشبه حصيلة الأحداث بكوارث تاريخية على غرار "رواندا"(35). وكان العامل المساعد على ذلك قرب دارفور من رواندا، على الأقل فى نفس الحيز الجغرافى الإفريقى، أن لم تكن قريبة من أطرافها الجنوبية(36)، وهو ما عمل أيضا على زيادة وتيرة التصعيد وممارسة الضغوط على الحكومة السودانية.
هذا فضلا عن الإدانات الصادرة عن مجموعة الثمانى G8 والقمة الأوروبية - الأمريكية وغيرهما، والتهديدات الأمريكية بفرض عقوبات على المسئولين فى السودان وميليشيات الجنجويد.
* الضغط الأمريكى على حكومة السودان، ومحاولة إدارة الرئيس بوش الاستفادة من هذه الأحداث فى الانتخابات الرئاسية للفوز بفترة رئاسية ثانية، وجذب أنظار وأصوات الناخبين الأفرو- أمريكيين إلى الحزب الجمهورى - حزب الرئيس بوش الابن - وتفويت الفرصة على الديمقراطيين، فى ظل النجاح الذى تحقق فى مفاوضات الجنوب، بالرعاية والضغوط الأمريكية، لإنجاحها. وهو ما دفع باول - وزير الخارجية الأمريكية فى ذلك الوقت - قبل أقل من شهرين إلى وصف الأحداث فى دارفور بـ- "الإبادة الجماعية" فى التاسع من سبتمبر 2004، أمام لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ(37). وأعقب ذلك دعوة السودان ومحاولة إقناعها بقبول قوات دولية فى دارفور.
* بصدور قرار مجلس الأمن الدولى رقم 1556 فى الثلاثين من يوليو 2004، تم الإعلان الرسمى لتدويل قضية دارفور.
خلاصة ذلك أن الحكومة دخلت فيما مواجهة مع المجتمع الدولى فيما يخص الأحداث فى دارفور. وكان العامل المساعد على ذلك ما اتخذه المتمردون من ممارسات سلف ذكرها، لخلق موقف ضاغط على الحكومة السودانية، حتى تحقق مآربها التى تكاد تكون قد اقتربت من المطالب الخارجية عن الحكومة السودانية.
المبحث الثالث - المواقف المختلفة من أحداث دارفور:
يتداخل فى أحداث دارفور أطراف داخلية مع أطراف إقليمية مع أخرى دولية. بمعنى آخر أن الحكومة السودانية (حكومة الخرطوم كما يحلو للبعض أن يطلق عليها) من جانب، والمتمردين من جانب آخر (سواء الفصيلان الرئيسيان: حركة العدل والمساواة أو حركة تحرير السودان أو غيرهما من الفصائل الأخرى، سواء المنشقون عنهما أو نشأ بمعزل عنهما)، ليسوا فقط الأطراف المتحكمة فى الأحداث، بل يوجد إلى جانبهما أطراف إقليمية، مثل تشاد المتاخمة لإقليم دارفور، أو مصر التى ليست بعيدة عما يجرى على أراضى السودان. ويوجد إلى جانب الأطراف الإقليمية والمحلية الداخلية - ذات الاختصاص الأصيل - أطراف دولية من قبيل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة. معنى هذا أننا نقصد بالتعرض للمواقف المختلفة مواقف تلك الأطراف، سواء ما هو داخلى أو إقليمى أو دولى منها. لذلك، فإن عرضنا لهذه النقطة سوف ينقسم إلى:
أولا - مواقف الأطراف الداخلية.
ثانيا - مواقف الأطراف الإقليمية.
ثالثا - مواقف الأطراف الدولية.
أولا - مواقف الأطراف الداخلية لأحداث دارفور:
نقصد بمواقف الأطراف الداخلية لأحداث دارفور مواقف كل من: الحكومة السودانية، وموقف حركتى التمرد الرئيسيتين (حركة العدل والمساواة وحركة أو جيش تحرير السودان) على أساس أنها الأطراف (المتصارعة) المباشرة الموجودة على أرض الإقليم، حيث يقاتل مناصرو كل طرف مناصرى الطرف الآخر.
1- موقف الحكومة السودانية:
موقف الحكومة السودانية، شأنها شأن غيرها من الحكومات العربية - بصرف النظر عن صحة أو خطأ وجهة النظر، عندما تحيق المخاطر بها - تلقى العبء وتحاول تبرير ذلك بوجود مؤامرة، تهدف إلى النيل من وحدتها واستقلالها وتعمل على تفتيتها، بصرف النظر عن دورها فى تحصين البيئة الداخلية من محاولات من هذا القبيل أن وجدت. فقد انطلق الموقف الحكومى السودانى من الأحداث فى دارفور من هذه الزاوية، فقد جاء على لسان السيد أحمد محمد هارون أن ما يحدث على أرض السودان هو بمثابة جزء من مخطط أو مؤامرة دولية، تهدف إلى تفتيت السودان(38). وللحكومة السودانية رؤيتها بشأن أسباب الصراع ونشأتها. وتنطلق هذه الرؤية من الاعتراف بوجود مشكلة فى إقليم دارفور السودانى، ينبغى حلها على المستويات السياسية والإنسانية والأمنية(39).
ففيما يتعلق بأسباب الأحداث أو الصراع، فهى ترجعه إلى التصحر والجفاف الذى تسبب فى تلك الأحداث، الأمر الذى أدى إلى الاحتكاكات بين القبائل المختلفة فى الإقليم(40). ولا تقف عند هذا الحد، بل تتخطى ذلك بأن التدخلات الخارجية وانتشار السلاح أسهما فى تأجيج الأحداث(41). وتنفى الحكومة السودانية أن يكون الصراع عرقيا (بين الرعاة العرب الرحالة والمزارعين الأفارقة)، وتستند فى ذلك إلى الاحتكاكات المسلحة بين القبائل العربية بعضها بعضا(42). وفيما يخص توجيه الحكومة السودانية أصابع الاتهام إلى التدخلات الخارجية، وما لها من دور فى تأجيج الأحداث، ترى أنها تقوم بـ-:
* تقديم الدعم للمتمردين Rebels (43).
* العمل على تصوير وضع اللاجئين فى المخيمات التشادية فى صورة سيئة، من خلال العمل وسط هؤلاء اللاجئين، خاصة من قبل منظمات صهيونية(44). وترى الحكومة السودانية أن هدف هذه التدخلات تمزيق أواصر وحدة السودان السياسية والاجتماعية(45). وأن هذا يأتى فى إطار المخطط أو المؤامرة الخارجية على السودان كما سلف أن ذكرنا. وتوجد ثلاث جهات (دول) ليست بمعزل عن بعض فيما يخص دورها فى أحداث دارفور، وهى: الولايات المتحدة الأمريكية، وإريتريا، وإسرائيل.
* فيما يخص الولايات المتحدة: فإن حكومة السودان تتهمها بالعمل على تدريب العناصر المتمردة فى دارفور، وذلك بالتعاون مع إريتريا، حتى تتمكن من بسط نفوذها على المدن الرئيسية فى دارفور، تمهيدا لإقامة دولة مستقلة(46) وهى إذ تفعل ذلك، فهى تعمل على عدم استقرار السودان من أجل الضغط على مصر وإحراجها أمنيا وسياسيا، حيث تعتبر مصر أمن السودان واستقراره إحدى قضايا الأمن القومى(47)، وتعمل أيضا على فك ارتباط الحكومة السودانية - ترى أنها مركز من مراكز التعاطف مع التيارات الجهادية الإسلامية - بالحركات الجهادية وبالتصورات الإسلامية(48).
* أما فيما يتعلق بإريتريا، فتتهمها السودان بدعم حركات التمرد فى دارفور بالسلاح والعتاد والمؤن، مما يعمل على إشعال الأحداث فى الإقليم، وذلك حسبما جاء على لسان وزير الدولة السودانى للشئون الخارجية (آنذاك) اللواء محمد هارون(49). وتعضد الحكومة السودانية اتهامها بانضمام حركة تحرير السودان إلى التجمع الوطنى السودانى المعارض، المتخذ من إريتريا مقرا له(50)، وهو ما يحظى بموافقة الحكومة الإريترية بالطبع.
* وفيما يتعلق بإسرائيل، فإن فاتهام الحكومة السودانية لإسرائيل أخذ بعدين، الأول يتعلق بتل أبيب مباشرة. حيث حاول السفير الإسرائيلى فى الأمم المتحدة صرف النظر عن مناقشة قضية الجدار العازل فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وبدأ الدفاع عن أهالى دارفور من أصول إفريقية، وتوجيه الاتهام إلى القبائل ذات الأصول العربية، التى تقوم بعمليات تطهير عرقى وقهر للقبائل الأخرى (الإفريقية)، وذلك حسبما ذكر السيد عثمان يوسف كبر، والى ولاية شمال دارفور(51).
أما الثانى، فيوجه إلى الجاليات اليهودية فى كل من الولايات المتحدة والدول الأوروبية - فرنسا وبريطانيا خاصة - ولا تعفى منه تل أبيب أيضا.
حيث عملت على تصوير الأحداث فى دارفور فى وسائل الإعلام على أنها تطهير عرقى وإبادة جماعية(52). بالإضافة، إلى توزيع منشورات على جميع أعضاء تلك الجاليات، تدعو للتضامن مع أهالى دارفور وتنظيم المظاهرات التى تجوب عواصم ومدن تلك الدول. وفى تصورنا أنها تقوم بمهمة مزدوجة، حيث تقوم بممارسة الضغوط على حكومات تلك الدول التى تستقر فيها، من أجل حملها على التدخل والضغط على الحكومة السودانية، لوضع حد لتلك الأحداث المأساوية فى دارفور.
وتستند الحكومة السودانية فى تعضيد اتهامها لإسرائيل ودورها فى تأجيج الأحداث فى دارفور، إلى تأكيد أحد المنشقين عن إحدى الحركات المتمردة المسلحة، فى الإقليم سالف الذكر، على زيارة قيادات تلك الحركة لإسرائيل بصفة منتظمة، وأن الانشقاق نتج عن إصرار تلك القيادات على الارتباط بإسرائيل(53).
وفيما يتعلق بتصور الحكومة السودانية، الخاص بإنهاء تلك الأحداث المؤلمة فى دارفور، فقد تعاملت فى البداية مع الأحداث على أنها انفلات أمنى - وبالتحديد منذ هجوم حركة العدل والمساواة على مراكز الشرطة ومطار الفاشر فى دارفور فى 2003 - ولذلك تعاملت مع الأحداث بداية على هذا الأساس (تعامل أمنى ومحاولة الحسم العسكرى). إلا أن هذه الطريقة باءت بالفشل، مما حدا بالحكومة السودانية إلى الاهتداء إلى أن "الحل السياسى السلمى" هو المخرج من تلك الأحداث(54). وبدأت مفاوضات سلام وإبرام اتفاقيات مع تلك الحركات المتمردة، بدءا باتفاق آبشى، وصولا لاتفاقية أبوجا ومحادثات سرت فى ليبيا التى بدأت فى السابع والعشرين من نوفمبر 2007، وهو ما شكل تحولا نوعيا فى موقف الحكومة السودانية، حيث اعترفت بتلك الحركات.
حمل ثقيل دون حسابات دقيقة وأرضية متينة:
أكدت الحكومة السودانية أن قضية دارفور "قضية إفريقية" يتعين حلها تحت مظلة الاتحاد الإفريقى AU(55)، وهو ما أدى إلى وضع الاتحاد الإفريقى فى أول اختبار له - خاصة مجلس السلم والأمن التابع له - ولكن زيادة التدخلات من قبل الأطراف المختلفة فى الأحداث أدت إلى وضع الاتحاد الإفريقى فى مأزق، خاصة مع تصميم الولايات المتحدة على تدويل تلك الأحداث (فى دارفور)، وبعد وصف الولايات المتحدة (وصف قرار الكونجرس للأحداث فى دارفور بأنها إبادة جماعية وتطهير عرقى*) كما سلف ذكره، وهو ما أعلنت الحكومة السودانية رفضه. فعلى سبيل المثال، أكد وزير الإعلام السودانى (آنذاك) الزهاوى إبراهيم، رفض ذلك الوصف، استنادا إلى تصريحات المسئولين من أمثال وزير الخارجية الأمريكى السابق كولن باول - وإن كان قد غير رأيه بعد ذلك - والأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفى أنان، والتى تنفى وجود أعمال، يمكن إسقاط وصف الإبادة الجماعية عليها(56). وفور محاولتها نفى تهمة وجريمة وصف الأحداث فى دارفور "بالإبادة الجماعية"، وجهت إليها تهمة دعم القبائل الرعوية الرحالة (العربية) المسماة "الجنجويد" بالسلاح، خاصة من قبل الأمم المتحدة، وهو ما رفضته السودان، وذلك على لسان السيد حسن عبد الله، مدير الإدارة الإفريقية بحزب المؤتمر الوطنى الحاكم ومسئول ملف دارفور آنذاك(57). وتؤكد قدم ذلك الموضوع وعدم صحته(58). وتنفى دعمها لقبائل بعينها، وتشدد على أنها استنفرت قوات الدفاع الشعبى للدفاع عن الوطن وحماية أمن المواطنين، المهددين من قبل الأعمال التى يقوم بها المتمردون فى دارفور(59).
فقد التزمت الحكومة السودانية بنزع أسلحة الميليشيات المسلحة فى دارفور، وذلك وفقما جاء على لسان وزير الخارجية السودانى آنذاك د. مصطفى عثمان إسماعيل، ولكنه يؤكد وجود عقبتين فى طريق نزع أسلحة تلك الميليشيات، أولاهما: وعورة المنطقة التى يتحركون منها، وثانيتهما: اتصاف تلك الميليشيات بعدم الثبات فى مكان واحد، مما يصعب من القيام بتلك المهمة(60). خلاصة ما سبق أن الحكومة السودانية -أو بالأحرى الحكومات السودانية المتتابعة - مسئولة عن تأجيج الصراع فى دارفور، ولعبت دورا كبيرا فى ذلك، وهو ما يتضح فى:
* اتخاذ الحل الأمنى العسكرى مسلكا للتعامل مع الأحداث من بدايتها، خاصة بعد رفضها المطالب التى تقدمت بها حركة/ جيش تحرير السودان (دارفور سابقا)، واعتبارها عصابة للسلب والنهب، وأن التعامل العسكرى معها هو الحل، وهو ما كرس بعد أحداث الفاشر
(قيام حركة العدل والمساواة بالهجوم على مطار الفاشر ومراكز الشرطة وإحداث قتلى وجرحى كثيرين فى صفوفهم). فقد صرح الرئيس السودانى عمر البشير، فى حوار تليفزيونى، بأنه سيسحق المتمردين "سوف نستخدم الجيش والبوليس والمجاهدين والفرسان للقضاء على هذه الثورة"، مما فتح الباب أمام كافة الخيارات المسلحة دون اللجوء إلى أى من الخيارات غير المسلحة(61).
* الدعم الكامل من قبل الحكومة السودانية للميليشيات الرحالة البدوية، واستخدامها لمواجهة حركتى التمرد الرئيسيتين (حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة). ومن الدلائل على ذلك، كما تشير العديد من التقارير:
* تسليح 20 ألفا من تلك الميليشيات وتسليمهم ملابس مطابقة لملابس الجنود السودانيين فى القوات المسلحة.
* قيام الحكومة السودانية بجمع السلاح من يد المزارعين المستقرين، وعدم القيام بنفس الشىء تجاه البدو الرحل (وكانت تبرر ذلك بصعوبة السيطرة على تلك القبائل البدوية).
* السماح للجنجويد بالبقاء فى الأراضى التابعة للمزارعين المستقرين، بعد فرارهم من هجمات تلك الميليشيات(62).
* ما يكاد يعضد اتهام الحكومة السودانية بدعم الميليشيات المسلحة تصريح موسى هلال، زعيم الجنجويد لصحيفة غربية، بأن استنفارهم تم من قبل الدولة وبأمر منها، وأنهم يتبعون القيادة العسكرية، ويقول "إن مهمته استنفار القبيلة وتعبئتها وكذلك يفعل زعماء القبائل والعشائر الأخرى". ويقر بأنه وغيره يسيرون تحت إمرة الأوامر العسكرية وطاعة تلك الأوامر(63).
* العوامل الداخلية من جفاف وتصحر كان لها أثر فى أحداث دارفور. ولكن الحكومة السودانية لم تفلح فى سد ثغرات التدخل الدولى فى الأحداث، مما أدى إلى انفجارها، خاصة عدم ارتكازها على مراعاة حقوق الإنسان والتخفيف من وطأة انتهاكها قبل أن تتلقفها الدول الغربية وتتخذها ذريعة للتدخل، وهو ما حدث بالفعل.
2- مواقف حركات التمرد الرئيسية:
بدأ الحديث فى البداية عن حركتين متمردتين رئيسيتين، هما: حركة العدل والمساواة، وحركة أو جيش تحرير السودان، وذلك قبل أن يتخللهما الانشقاق وتتوزعا إلى فصائل عديدة، تحت قيادات تتسم مواقفها بالتباين.
أ- موقف حركة أو جيش تحرير السودان:
The Sudan Liberation Movement/army (SLM/A)
تشكلت من قبائل الفور والزغاوة والمساليت وبعض القبائل الأخرى الأقل عددا، سواء من المزارعين أو من البدو الرحل، وذلك عام 2003(64). وقد أرجعت اتجاهها صوب العمل المسلح إلى تجاهل الحكومة السودانية لدارفور.
تولى أمانتها العامة SLA Secretary-General فى البداية المقاتل منى أركوى مناوى (من قبيلة الزغاوة)، بينما تزعمها المحامى عبد الواحد محمد نور (من قبيلة الفور). وقد تعرضت للعديد من الانشقاقات، فقد انشق منى اركوى مناوى عن عبد الواحد محمد نور، وشكل كل منهما فصيلا مستقلا(65)، ولكن ظل العدد الأكبر من المقاتلين تحت لواء عبد الواحد محمد نور، ووقع اتفاقية سلام دارفور فى أبوجا 2006 منى اركوى مناوى. فضلا عن الانشقاقات الأخرى التى حدثت داخل تلك الحركة وحركة العدل والمساواة. وتعد تلك الحركة التنظيم الأكثر نشاطا فى دارفور، وينسب إلى الحركة السواد الأعظم من العمليات العسكرية(66). وتتسم أيضا بقوة فعالية جناحها العسكرى (بداية كان تحت لواء منى اركوى مناوى)، ولكن أجندتها السياسية لم ترتق إلى نفس مستوى فعالية جناحها العسكرى(67). وكانت بداية مطالبها التى تقدمت بها إلى الحكومة السودانية هى منع الميليشيات البدوية الرحالة من القيام بالأعمال المسلحة تجاه القبائل الأخرى، بالإضافة إلى المطالبة بتنمية اقتصادية واجتماعية فى دارفور. ولكن رفض الحكومة السودانية تلك المطالب جعلها تتجه صوب العمل المسلح(68)، فقد اعتبرتها الحكومة عصابة للسلب والنهب وأن التعامل الأمنى العسكرى هو الأفضل لردعها، كما سلف ذكره. وبدأت المطالبة بالمشاركة فى السلطة وغيرها من مطالب.
ب- حركة العدل والمساواة:
The Justice and Equality Movement (JEM)
نشأت فى العام نفسه الذى أعلن فيه عن حركة /جيش تحرير السودان2003، هدفها إنشاء سودان موحد ديمقراطى
"The objective of the SLA is to create a united democratic Sudan".
شنت هجوما مسلحا على المواقع الحكومية فى دارفور، فى فبراير 2003. وقد أرجعت اتجاهها صوب العمل المسلح إلى تجاهل الحكومة السودانية لدارفور(69). وتشكلت من قبائل الفور والزغاوة والمساليت. فى البداية، كانت تتكون من - قبل أن تتخللها الانشقاقات - جناحين، الجناح السياسى: يتزعمه د.خليل إبراهيم، وهو طبيب، من قبيلة الزغاوة، وأحد أتباع حسن الترابى، ويديرها من لندن، بينما يتزعم جناحها العسكرى العميد التيجانى سالم درو(70).
وقد نشرت الحركة الكتاب الأسود The Black Book، عن عدم توازن السلطة والثروة فى السودان، وميلها صوب الشمال العربى، واتهام الشمال بالسيطرة على المستويات العليا من المناصب الحكومية(71). وقد جاء فى بيان حركة العدل والمساواة التأسيسى أنها تهدف إلى "إنهاء التمييز العنصرى فى منهج الحكم فى السودان" والعمل على "تقسيم الحقائب الوزارية وإدارة المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية وكل الوظائف المفتاحية فى الدولة بالتساوى بين الأقاليم على قاعدة الكثافة السكانية والكفاءة، وذلك إلى حين اكتمال تكافؤ الفرص التلقائى فى الدولة، واختيار رئيس الجمهورية وولاة الولايات بالانتخاب الحر المباشر على أساس مبدأ صوت واحد لكل شخص، وأن يراعى تحقيق التوازن الاجتماعى الولائى فى تشكيل الحكومات الولائية، بما فى ذلك ولاية الخرطوم"(72).
ومن المؤشرات ما جاء فى الكتاب الأسود، الذى عملت حركة العدل والمساواة على نشره، لتوضيح مدى الاختلال فى توزيع السلطة، لصالح الشماليين. فعلى سبيل المثال، رئيس الدولة ونوابه ومساعدوه يمثلون نسبة 27% من الإقليم الشمالى، بينما دارفور 0%، كذلك مستشارو الرئيس يمثلون نسبة 50% من الإقليم الشمالى، ومن دارفور 10%، وزارة الداخلية ووزارة رئاسة الدولة يمثل الشماليون فيهما 100%، والدارفوريون 0%(73).
وتتميز الحركة بقوة أجندتها السياسية التى تفوق أداءها العسكرى، حيث تتكون الحركة من هيكل إدارى ينقسم إلى قيادة تنفيذية ومؤتمر ومجلس للداخل ومجلس للخارج. وتطرح رؤية لنظام الحكم فى السودان، فترى وجوب أن يتم انتخاب الرئيس وألا تزيد ولايته على أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. كما تدعو إلى تقسيم السودان إلى أقاليم سبعة هى: الشمال، والجنوب، والشرق، ودارفور، والوسط، وكردفان، والخرطوم. وترى أنه ينبغى أن يأتى الرئيس بالتناوب بين تلك الأقاليم. وتطالب بمجلس شيوخ إلى جانب مجلس النواب، من أجل إحداث توازن فى السلطة التشريعية(74).
خلاصة العرض السابق أن موقف حركتى التمرد الرئيسيتين تتخلله أوجه ضعف تتمثل فى: عدم توحيد برنامجيهما السياسى والعسكرى، وهو ما يتضح فى أهداف كل منهما. فحركة العدل والمساواة تهدف إلى إقامة سودان موحد ديمقراطى، بينما تهدف حركة تحرير السودان إلى إقامة حكم كونفدرالى (حكم ذاتى أو الانفصال). فضلا عن اختلاف منطلقات كل منهما، فحركة تحرير السودان تنطلق من مرجعية علمانية، بينما حركة العدل والمساواة ذات مرجعية إسلامية(75). وأخيرا، القول بتوحيد برنامجهما وموقفهما، خاصة فى ظل أن إحداهما تتسم بقوة الجناح العسكرى والأخرى بقوة الجناح السياسى. فتوحيد تلك الأجنحة قد يعمل على تقوية موقفهما التفاوضى تجاه الحكومة السودانية، كما أنه قد يعمل على تسهيل عمليات التفاوض والوصول إلى سلام (الانقسام إلى فصائل يصعب المهمة كما اتضح إبان مؤتمر سرت فى ليبيا الذى بدأ فى السابع والعشرين من نوفمبر 2007 وكان يهدف إلى التوصل لسلام فى دارفور).
ثانيا - مواقف الأطراف الإقليمية:
ينصب تركيزنا الأساسى على دول الجوار الجغرافى (تشاد وليبيا تحديدا)، بالإضافة إلى مصر (على أساس جوارها الجغرافى للسودان وتأثير الأحداث فيها على الأمن القومى المصرى).
1- تشاد:
تلعب تشاد دورا رئيسيا فى أحداث دارفور، حيث تشابك القبائل عبر الحدود (خاصة القبائل التى ينتمى إليها المتمردون). إذ يوجد قرابة ثلاث عشرة قبيلة ينتمى الأفراد المنحدرون منها إلى مواطنة أى من الدولتين -تشاد والسودان- منها على سبيل المثال: قبيلة الزغاوة والمساليت (76)، التى ينتمى إليها السواد الأعظم من قادة أو أفراد الحركات المتمردة، وهو ما كان يضع الحكومة التشادية فى مأزق دائما مع الحكومة السودانية.
وقد سعت الحكومة التشادية إلى عدم تقديم أى دعم للمتمردين فى دارفور، تلبية لطلب الحكومة السودانية. ونعتقد أن السبب فى ذلك إدراك الحكومة السودانية لمدى المكانة والدور الذى يمكن أن تلعبه الدولة التشادية فى الأحداث، بما ينعكس على تأجيجها. هذا بالإضافة إلى أن تشاد وجدت ضالتها فى عدم إثارة السودان قلاقل لها عبر الحركة المتمردة، والمعارضة للحكومة التشادية، خاصة "قبيلة القرعان"، الممتدة على الحدود بين تشاد والسودان (وبالتحديد حدود دارفور وتشاد)(77)، بما يعنى إمكانية مد السودان هذه الحركة المتمردة المعارضة للحكومة التشادية بالمال والسلاح، وما يمكن أن تثيره من قلاقل فى شرق تشاد، وهو ما تحقق مؤخرا. ولكن كان دائما ما يحدث اتهام من قبل السودان لتشاد بأنه لم يوف بما قطعه على نفسه من عدم مساعدة المتمردين الدارفوريين. ويرجع ذلك الوضع إلى:
* شعور الرئيس التشادى ديبى بفضل قبيلة الزغاوة والحكومة السودانية عليه فى الوصول إلى السلطة(78)، مما ولد لديه معضلة التعامل مع أى من الطرفين: الحكومة السودانية أو المتمردين من الزغاوة (مع تأكيد أن ليس كل المتمردين من الزغاوة بل هناك قبائل أخرى ينتمى إليها المتمردون) بمعنى آخر، هل يميل إلى أولاد عمومته أم إلى الحكومة السودانية؟
* إدراك أنه يمكن أن يلعب السودان دورا فى عدم استقرار تشاد، من خلال مد المتمردين بالمال والسلاح.
خلاصة ذلك أن الموقف التشادى من أحداث دارفور تأسس على إدراك بالحاجة للتعاون مع الحكومة السودانية من أجل استقرار الأوضاع فى هذا الإقليم، وهو ما حملها على التوسط بين طرفى الأحداث ومحاولة الوصول لاتفاق ينهيها، وذلك عبر وساطتها، فى آبشى وأنجامينا. وكان هناك فاعل عامل آخر دافع لذلك ألا وهو التخفيف من حدة اللاجئين(79) وما لهم من أثر على استقرار المجتمع التشادى. ولكن كان للولاءات القبلية العامل الحاسم عبر تقديم الدعم لأولاد عمومتهم من قبيلة الزغاوة – خصوصا - من قبل قادة الجيش والأجهزة الأمنية، مما ترتب عليه تعريض العلاقات بين تشاد والسودان لعلاقات الشد والجذب. لذلك، يعد الموقف التشادى بالغ الحساسية، وأقرب إلى مساعدة الحكومة السودانية(80)، من أجل تحقيق مآرب الطرفين
(الاستقرار).
2- إريتريا:
كان للموقف الإريترى من أحداث دارفور، واتهام الحكومة السودانية لها بدعم حركات التمرد الرئيسية، ومحاولة إسقاط نظام الإنقاذ فى السودان(81)، ما يبرره:
* قيام الحكومة السودانية بتقديم الدعم إلى تنظيم الجهاد الإسلامى الإريترى وتدريب عناصره على أراضيه.
* عقد الحكومة السودانية اتفاقات مع أعدائها (إثيوبيا واليمن) خاصة خلافها مع إثيوبيا حول ترسيم الحدود.
* استبعادها من حضور مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، على الرغم من عضويتها فى منظمة الإيجاد، التى رعت المفاوضات، فضلا عن احتضانها للمعارضة السودانية(82). حيث انضمت كل من حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة (حركتى التمرد الرئيسيتين فى دارفور) إلى التجمع الوطنى الديمقراطى المعارض، ومقره أسمرة
(عاصمة إريتريا)(83).
خلاصة القول أن موقف إريتريا السلبى من الأحداث ناتج عن وضعها الإقليمى وعلاقاتها بالسودان، وإن توفير فرصة لإريتريا قد يعمل على تهيئة الأجواء، من أجل التوصل إلى اتفاقية تنهى أحداث دارفور. وهذا الموقف لا يمكن بأى حال إعفاء مسئولية الحكومة السودانية منه، حيث تجاهلت إريتريا وما يمكن أن تلعبه من دور فى تأجيج أو تهيئة المناخ للتسوية.
3- الموقف الليبى:
سبق الحديث عن دور الجماهيرية الليبية فى أحداث دارفور، منذ صراعها مع تشاد، وبذلك لا يمكن إعفاؤها من الأحداث.
وينطلق الموقف الليبى من أحداث دارفور من منطلق تأثير الأحداث على الأمن القومى الليبى (نتيجة التجاور الجغرافى)، وترى ضرورة حل القضية فى إطار إفريقى - مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقى- وتعلل ذلك بأن خروجها من نطاقها الإفريقى من شأنه أن يحدث تعقيدا للأحداث ويزيد من حدة المأساة الإنسانية(84)، فضلا عن اعتبار قضية دارفور أول قضية تجابه مجلس السلم والأمن الإفريقى، مما يجعله على محك اختبار، من حيث قدرته على حل القضايا والأزمات التى تجابهه(85). وقد سمحت ليبيا بمرور مواد الإغاثة الإنسانية إلى النازحين واللاجئين من دارفور، سواء فى تشاد أو السودان(86) فضلا عن تقديمها المساعدات للعناصر السالف ذكرها. خلاصة ذلك أن الموقف الليبى من أحداث دارفور، على الرغم من أنه كان عاملا مساعدا على تأجيج الأحداث، إلا أنه عمل على التخفيف من حدتها، سواء عبر وساطته (وآخرها مؤتمر سرت 27 نوفمبر 2007)، أو عبر الدفاع عن ضرورة معالجتها فى نطاقها الإفريقى، أو عبر تقديم المساعدات للنازحين واللاجئين.
4- الموقف المصرى:
يتأسس الموقف المصرى من أحداث دارفور على قاعدة الحفاظ على وحدة السودان واستقراره، لما لذلك من انعكاسات على الأمن القومى المصرى (السودان ذات جوار جغرافى مع مصر على حدودها الجنوبية). وبناء على ذلك، جاء تأييد مصر لموقف الحكومة السودانية ودعمها السياسى والإنسانى والدبلوماسى فى المحافل الدولية، والدعوة إلى مساعدة السودان فى الخلاص من تلك الأحداث أو الكارثة التى حلت بها(87). وبالتالى، ترفض مصر التدخل الأجنبى فى الشئون السودانية، وتدعو إلى ترك الفرصة للحكومة السودانية لتسوية القضية(88).
ولا تنظر مصر إلى الأحداث فى دارفور على أنها صراع عرقى أو قبلى أو دينى، بل تنظر إليها على أنها إفراز طبيعى لاتفاقية نيفاشا
(الموقعة بين الحكومة السودانية وحركة تحرير السودان/حركة التمرد الرئيسية فى الجنوب)(89). وترجع فى الأساس إلى مجموعة معقدة من الظروف التقت مع طبيعة الإقليم القاسية(90).
وقد رفضت مصر فرض عقوبات على السودان أو التلويح بها كوسيلة للتعامل مع السودان(91)، وتعمل على حث الحكومة السودانية على أهمية الانصياع لقرارات مجلس الأمن الدولى(92).
الجهود المصرية تجاه أحداث دارفور:
تمثلت الجهود التى قامت بها مصر تجاه السودان فى نكبة دارفور فى العديد من الأبعاد، منها البعد الأمنى والسياسى والإنسانى.
أ- البعد الأمنى: تمثلت الجهود المصرية فى هذا المضمار فى تقديم الدعم إلى الأجهزة الأمنية السودانية، لرفع كفاءتها(93)، وعبر الإسهام فى تقديم مساهمين إلى المراقبين من الاتحاد الإفريقى، بمعنى تواجد عدد من الضباط المصريين ضمن قوات مراقبة وقف إطلاق النار التابعة للاتحاد الإفريقى(94)، ومحاولة إقناع الميليشيات المسلحة بالتخلى عن العمل المسلح والدخول فى مفاوضات سلام(95).
ب- البعد السياسى: واتضح من العرض السابق، وقد تمثل فى معارضة فرض عقوبات أو التهديد بها ودعم السودان فى الأمم المتحدة واستقطاب دعم الدول العربية لها. بالإضافة إلى مساندة جهود الاتحاد الإفريقى(96)، وإجراء العديد من الاتصالات والمشاورات مع العديد من الدول الإقليمية أو الدولية أو حتى مع الحكومة السودانية. فضلا عن المشاركة فى المفاوضات بين الحكومة السودانية والمتمردين من أجل تقريب وجهات النظر، أملا فى التوصل لتسوية سلمية للأحداث(97).
ج- البعد الإنسانى: قدمت مصر (سواء الحكومة المصرية أو المنظمات غير الحكومية المصرية) العديد من المساعدات إلى اللاجئين من دارفور، من قبيل المساعدات الطبية، والغذائية(98) من أجل التخفيف من شدة الأحداث، وأملا فى التوصل إلى تسوية لتلك الأحداث.
خلاصة ذلك أن مصر لم تدخر جهدا لم تقم به من أجل تسوية القضية فى إقليم دارفور السودانى. وكانت جهودها تقوم على أبعاد ثلاثة - سياسى وأمنى وإنسانى - ولكنها فى نظر البعض لم ترق إلى المستوى المطلوب.
ثالثا- مواقف الأطراف الدولية:
يحلو لبعض من تناول قضية دارفور بالفحص والتحليل أن يقسم الأطراف الدولية إلى مواقف الدول ومواقف المنظمات الدولية. ولكننا نفضل إيضاح مواقف كل من تلك الدول، من أمثال: الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وبريطانيا، انطلاقا من قاعدة أساسية تقوم على أن الدولة -القومية لا يزال لها الدور الأكبر والأساسى، وسوف نتناول فى هذا الجزء موقف كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا.
1- موقف الولايات المتحدة الأمريكية إزاء قضية دارفور:
اتسم موقف الولايات المتحدة فى البداية بالتساهل وعدم تصعيد الأحداث، ثم أخذ منحى آخر عقب زيارة وزير الخارجية الأمريكى الأسبق كولن باول إلى السودان فى التاسع والعشرين والثلاثين من يونيو 2004، وإعلانه أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، فى التاسع من سبتمبر 2004، أن ما يجرى من أحداث فى إقليم دارفور يعد من قبيل الإبادة الجماعية، وهو ما يتنافى مع تصريحه السابق عقب زيارته السودان -السالف ذكرها- وعدم وصف الأحداث بالوصف سالف الذكر. فضلا عن المطالبة بتشكيل قوة متعددة الجنسيات وإرسالها إلى الإقليم لحماية القاطنين فيه، خاصة القبائل الزراعية المستقرة. فما هى الأسباب التى أدت إلى ذلك التحول فى الموقف الأمريكى؟
يمكن القول إنه وجدت مجموعة من الأسباب أدت إلى ذلك التحول، تتمثل فى:
* الضغوط الانتخابية من قبل منظمات الأفروأمريكان ومحاولة كسب أصواتهم فى الحصول على ولاية ثانية للرئيس بوش، خاصة بعد سوء أحوالهم فى الداخل الأمريكى، ومن أجل تفويت الفرصة على محاولات الديمقراطيين استمالة الكتلة الانتخابية للسود بشكل عام. بالإضافة إلى إظهار الدور الذى لعبته بكفاءة فى التوصل إلى السلام فى جنوب السودان (بين الحكومة السودانية وجيش تحرير السودان)(99).
* محاولة إظهار – وتأكيد - أن للولايات المتحدة اليد العليا فى قضايا السودان وإبعاد أطراف دولية (فرنسا وألمانيا بالتحديد) عن السودان وقضاياه والتضييق على إيجاد موطئ قدم لها به(100).
وقد تمثلت مطالب الولايات المتحدة من الحكومة السودانية فى:
* نزع أسلحة الميليشيات المسلحة فى دارفور.
* تأمين عودة النازحين إلى قراهم.
* رجوع اللاجئين السودانيين فى تشاد إلى بلادهم مرة أخرى.
* السماح للمنظمات الإنسانية بحرية العمل فى دارفور.
* بدء مفاوضات مع حركتى التمرد الرئيسيتين(101).
ومن أجل الضغط على الحكومة السودانية، أصدرت القرار 1556 من مجلس الأمن، الذى منح السودان مهلة 30 يوما، والتلويح بأنه فى حالة عدم التنفيذ والانصياع للقرار، سيتم فرض عقوبات عليه، مطالبة الكونجرس بالسماح بالتدخل العسكرى فى السودان(102). وقد شهد موقف الولايات المتحدة تهادنا بعد الانتخابات. وما يؤكد ذلك، تصريح المبعوث الخاص للرئيس بوش إلى السودان، دانفورث، بأن المكان الطبيعى لاستقبال المتمردين هو أبوجا مقر المفاوضات وليس مجلس الأمن(103). خلاصة الموقف الأمريكى أنه عمل على وصف ما يجرى على أرض ذلك الإقليم بأنه بمثابة "إبادة جماعية"، وتصعيد الضغوط على الحكومة السودانية من أجل فتح المنافذ السودانية أمام معونات الإغاثة الإنسانية إلى أهالى هذا الإقليم، ونزع أسلحة الميليشيات المسلحة "الجنجويد". بالإضافة إلى وقف العمليات العسكرية الحكومية على أهالى الإقليم (لما يمثله من انتهاك صارخ لحقوق الإنسان من وجهة نظرها)، وتسليم المسئولين عن جرائم الحرب فى الإقليم إلى محكمة جرائم الحرب، حتى ينالوا جزاء أفعالهم.
2- الموقف الفرنسى:
يمكن أن نرجع اهتمام فرنسا بالأحداث فى دارفور إلى تقاطع دارفور مع مجموعة دول فرانكفونية، هى تشاد وإفريقيا الوسطى والنيجر والكاميرون، بالإضافة إلى أن البعض يرى أن السودان يمثل تقاطعا للنفوذ الأنجلوفونى والفرانكفونى. وقد وصف مسئول فرنسى السودان بأنه "شريك مهم لفرنسا، سياسيا واقتصاديا، فالسودان الشريك الثانى لفرنسا اقتصاديا فى شرق إفريقيا، كما تعتبر فرنسا المستثمر الخامس فى السودان، بعد الدول الآسيوية"(104).
لذلك، يمكن فهم الموقف الفرنسى من أحداث إقليم دارفور بأنه سوف يأتى مع الحكومة، حيث الضامن الأمين على مصالحها وشريكها الاقتصادى المهم. لذلك عندما ينطلق الموقف الفرنسى من ضرورة مساعدة السودان، للقيام بمسئولياته، وأن فرنسا ليست ضد السودان، وأن الحل لن يتم بدون السودان(105)، فليس غريبا، دفاعا عن مصالحها مع الحكومة السودانية.
ترفض باريس اللجوء للقوة أو العقوبات، وتدعو إلى توفير دعم إضافى للأمم للمتحدة، ومدها بوسائل مادية ومالية جديدة ودعم المنظمات الإقليمية فى إفريقيا والشرق الأوسط وغيرهما(106).
لقد كان تعامل فرنسا مع أحداث دارفور يرتكز على أبعاد ثلاثة:
* البعد السياسى: يظهر هذا البعد بجلاء فى تأييد فرنسا لكل ما يصدر عن الاتحاد الإفريقى من قرارات، كمحاولة لإيجاد حل سياسى لتلك القضية. كذلك، بدا بجلاء فى تدخلها فى صياغة قرار مجلس الأمن الدولى 1556، وعملت على استبدال كلمة "ضغط" بدلا من كلمة "عقوبات"(107). فضلا عن مشاركتها فى المفاوضات التى تجرى بين طرفى الصراع/ الحدث. كما عملت على إقناع الحكومة السودانية بالمشاركة فى مفاوضات أديس أبابا فى 15 يوليو 2004. وهذا يمثل حرص فرنسا على علاقة متوازنة مع السودان من أجل الحفاظ على مصالحها. كما أنه يمكن القول أن فرنسا تدرك أن التدخل الأجنبى قد يؤدى إلى انفجار الأحداث، لذلك جاءت كافة تحركاتها من أجل محاولة الحفاظ على مصالحها فى تلك المنطقة شديدة الحساسية.
* البعد الأمنى: ساهمت فرنسا فى قوات مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين(108) وإرسالها 200 جندى إلى حدود تشاد مع دارفور لاستخدامهم فى أعمال إنسانية لخدمة سكان الإقليم(109).
* البعد الإنسانى/ الإغاثى: فقد بعثت فرنسا العديد من المساعدات الإنسانية إلى الإقليم، كمحاولة لتخفيف وطأة الأوضاع الإنسانية هناك(110).
خلاصة القول أن الموقف الفرنسى، ولو ظهر مستقلا عن الموقف الأمريكى، فإنه من الصعب استمراره على هذه الوتيرة، بل إنه قد يأخذ اتجاه التصعيد، مثل الموقف الأمريكى، وهو ما حدث بالفعل بالتهديد بالعقوبات وغيرها.
3- الموقف البريطانى:
يمكن إرجاع اهتمام بريطانيا بالسودان بوجه عام إلى العلاقة التاريخية التى جمعت بين الطرفين (علاقة تابع ومتبوع). بمعنى آخر، أن بريطانيا تعتبر السودان منطقة نفوذ بالنسبة لها وينبغى أن تلعب دورا فيها.
انطلق الموقف البريطانى - قبل أن يعمل على التصعيد والضغط على السودان، حيث التقاء المصالح الأمريكية والبريطانية - من دعوة الحكومة السودانية إلى العمل الحثيث والحاسم، من أجل تجنب تدهور الأوضاع فى إقليم دارفور. ولم تقف عند هذا الحد، بل عملت بريطانيا على تدفق المساعدات الإنسانية، كمحاولة للتخفيف من وطأة الأحداث. فقد خصصت الحكومية البريطانية فى البداية بشكل عاجل خمسة عشر مليون جنيه إسترلينى(111)، ثم بلغت تلك المساعدات التى خصصتها نحو 62.5 مليون جنيه إسترلينى منذ سبتمبر 2003. وهو ما يمثل أول الجهود الدولية فى تنظيم المساعدات الإنسانية إلى الإقليم المنكوب(112). ولقد اتضح التحول فى الموقف البريطانى، حينما هددت الحكومة السودانية بفرض عقوبات عليها، فى حال امتناعها عن إيصال المساعدات الإنسانية إلى سكان دارفور، بالإضافة إلى مطالبتها بنزع أسلحة الميليشيات المسلحة فى الإقليم(113)، مما يوضح التناغم الذى حدث فى موقف كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية تجاه الأحداث فى إقليم دارفور. ويتمثل الاختلاف - كاد يكون الوحيد - بين موقف كل من الولايات المتحدة وبريطانيا فى أنها لم تصف ما يجرى على الإقليم - وما حدث - بالإبادة الجماعية أو التطهير العرقى(114).
وتمثل التصعيد الثانى من قبل بريطانيا فى تصريح وزير الخارجية البريطانى السابق جاك سترو فى أغسطس 2004، عقب زيارته للسودان، بأنه على السودان تنفيذ المزيد من مطالب الأمم المتحدة(115). وظهر هذا التصعيد عقب تأكيد رئيس الوزراء البريطانى السابق، تونى بلير، عقب زيارته إلى السودان - التى تعد أول زيارة لرئيس وزراء بريطانى إلى السودان منذ الاستقلال عام 1965 - أنه على السودان إما المزيد من الإجراءات أو مواجهة العقوبات(116).
خلاصة الموقف البريطانى أنه بدأ أكثر تعقلا، ثم ما لبث أن اتجه صوب التصعيد، وأخذ نفس المسلك الأمريكى فى التعامل مع أحداث دارفور، حيث طالب بنزع أسلحة الميليشيات المسلحة فى الإقليم، وعدم منع تدفق المساعدات الإنسانية، وبذل الكثير من الإجراءات لمواجهة الأوضاع السيئة فى الإقليم.
أما خلاصة المواقف الدولية، فعلى الرغم من اختلاف الأطراف أو الدول (بريطانيا - الولايات المتحدة - فرنسا)، فإن مطالبها تكاد تكون واحدة، فضلا عن البدء بهدوء لبعض الأطراف، ثم اجتمعوا جميعا على التشدد تجاه حكومة السودان.
وقد تمثلت مطالبها فى الآتى:
* وقف هجمات الميليشيات المسلحة ونزع أسلحتها.
* وقف العمليات التى تقوم بها الحكومة السودانية تجاه المدنيين أو الحركات المتمردة، لما تسببه من انتهاك لحقوق الإنسان.
* تسهيل وعدم عرقلة تدفق المعونات الإنسانية إلى الإقليم.
* التهديد بفرض العقوبات فى حالة عدم تنفيذ وتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولى.
* مطالبة الحكومة السودانية بتسليم المسئولين عن ارتكاب جرائم حرب فى الإقليم إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإن وجد تباين حول وجود إبادة من عدمه، وإن قد فصل فيه مؤخرا بوجود إبادة من قبل اللجنة التى شكلها مجلس الأمن الدولى، لدراسة الأوضاع وتقديم تقريرها بشأن الأحداث.
* العمل على عودة اللاجئين إلى أماكنهم وتسكينهم بها.
ولكن لا يمكن فهم ما تقوم به تلك الدول دون معرفة ما يتمتع به هذا الإقليم من موارد. فهو يحتوى على ثروات ضخمة، سواء كانت حيوانية أو طبيعية أو نباتية، مثل الصمغ العربى والسمسم والكركدى وغيرها، وثروات معدنية فى الجبال (جبل مرة) مثل الحديد بدرجة نقاء 80%، وتوافر النحاس بالقرب من حدود الإقليم مع إفريقيا الوسطى، فضلا عن اليورانيوم، والبترول(117). وبذلك، يمكن القول أن التدخل والدفاع عن حقوق الإنسان والوقوف فى وجه انتهاكها والتلويح بالعقوبات، كل ذلك ما هو إلا قناع تتخفى وراءه مآرب تلك الدول، خاصة المآرب الاقتصادية (اليورانيوم - النحاس – الحديد - ..).
المبحث الرابع - جهود توحيد موقف فصائل التمرد فى دارفور وانعكاساتها على مؤتمر سرت:
يعتبر أهم تحد يقف عقبة أمام التوصل إلى اتفاق سلام ينهى مأساة دارفور هو انشقاق حركات التمرد إلى فصائل عديدة. Splitting among the rebel movement to multi-factions. فبعد أن وجدت حركتا تمرد رئيسيتان فى دارفور، هما: العدل والمساواة JEMوحركة تحرير السودان SLM/A وصل عدد الفصائل إلى 15 فصيلا، وفق دعوة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى لها لحضور محادثات سرت فى 27 أكتوبر 2007. ويمكن إرجاع ذلك إلى "تدليل" الدول الكبرى لتلك الحركات والفصائل، وتقديم الدعم المالى والسياسى والعسكرى إليها، بالإضافة إلى ممارسة مزيد من الضغوط على الحكومة السودانية، على أساس مسئوليتها عن أحداث دارفور، دون ممارسة ضغوط مماثلة على تلك الحركات أو الفصائل.
وبذلك، عملت الأمم المتحدة مع الاتحاد الإفريقى على التوصل إلى موقف تفاوضى موحد، وأجندة تفاوضية تحمل مطالب هذه الفصائل، مقابل الحكومة السودانية. فبعد أن تدخل الاتحاد الإفريقىAU فى جولة المفاوضات التى عقدت فى آبشى، ثم فى أنجامينا فى أبريل 2004، وصولا إلى الدور الذى لعبه فى التوصل إلى اتفاق سلام أبوجا فى 5 مايو 2006، مع فصيل واحد فقط - حركة تحرير السودان بقيادة منى اركو مناوى، الذى يعد بمثابة المرجعية الأساسية لأى اتفاق سلام خاص بدارفور، كما ترى حكومة السودان - لم يدم استئثار الاتحاد الإفريقى برعاية أى محادثات سلام بين الأطراف فى دارفور، حيث دخلت الأمم المتحدة وأضحت أى محادثات سلام بين الأطراف تتم تحت رعاية الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقى. واتضح ذلك إبان إدراك الوسطاء ضرورة التوصل إلى بلورة رؤية وموقف تفاوضى موحد خاص بحركات أو فصائل التمرد فى دارفور. ومن هنا، جاءت العديد من الجهود التى عملت على تحقيق الهدف سالف الذكر، منها: محادثات أروشا، واجتماع تشاد، ومحادثات جوبا.
أولا - محادثات أروشا:
استضافت مدينة أروشا التنزانية حركات وفصائل التمرد فى دارفور، من أجل التوصل إلى تفاهم مشترك فيما بينها، تحت رعاية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى. وقد شارك فى هذه المحادثات العديد من قادة حركات وفصائل التمرد الميدانيين، منهم: أبو قردة، الذى رأس أحد وفود حركة العدل والمساواة، وجار النبى عبد الكريم، وسليمان مرجان، وقادة ميدانيون من فصائل حركة تحرير السودان، من أمثال آدم إسحاق، وأحمد عبد الشافى، إلى جانب رئيس حركة تحرير السودان التى وقعت اتفاق أبوجا للسلام فى دارفور 2006، ومنى اركو مناوى، الذى عمل على استمالة تلك الفصائل الرافضة لاتفاق أبوجا، والعمل على دفعها من أجل الانخراط فى العملية السياسية، بالإضافة إلى التجانى الفاضل، نائب الأمين العام لحركة تحرير السودان.
بينما تغيب عن محادثات أروشا، التى دامت لثلاثة أيام، كل من عبد الواحد محمد نور، الذى يعد من وجهة نظر الكثيرين مؤسس حركة تحرير السودان، والذى يوصف بأنه لا يملك قوات كبيرة، لكنه يتمتع بنفوذ واسع بين أهالى دارفور وتشاد المجاورة، وذلك لنسبه إلى قبيلة الفور التى تشكل ما يربو على80% من سكان دارفور. وقد اشترط تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء فى دارفور، وفرض حظر جوى على إقليم دارفور، بالإضافة إلى إعادة النازحين إلى ديارهم، قبل أية محادثات مع الحكومة السودانية. والثانى: القيادى فى حركة تحرير السودان - فصيل الوحدة - سليمان جاموس، الذى تغيب عن المحادثات، نتيجة احتجازه فى مستشفى تابع للأمم المتحدة فى جنوب غرب البلاد. وقد تسبب تهديد الحكومة السودانية باعتقاله فى مقاطعة فصيله لمحادثات أروشا.
وقد توصلت الفصائل الثمانية المتمردة المجتمعة فى أروشا إلى موقف تفاوضى موحد بشأن الترتيبات الأمنية واقتسام السلطة والثروة. ففيما يتعلق بالترتيبات الأمنية، فقد اتفقت على الاحتفاظ بقواتها خلال الفترة الانتقالية، على أن يتم حلها فى نهاية تلك الفترة، مع الالتزام بوقف إطلاق النار. أما فيما يتعلق باقتسام السلطة والثروة، فقد اتفقت على معايير اقتسام السلطة فى كافة الأجهزة الفيدرالية والإقليمية، مع تمسكها بالحكم الذاتى لدارفور فى إطار السودان الموحد، مع منح الإقليم مقاعد فى الحكومة الاتحادية، حسب ثقله السكانى. بالإضافة إلى الاتفاق على إجراء المحادثات فى أى دولة يتفق عليها وتكون لديها رغبة فى استضافة المفاوضات، على أن يبدأ إجراء أى محادثات خلال ثلاثة أشهر من محادثات أروشا. وأخيرا المطالبة بالإفراج عن القيادى سليمان جاموس قبل انطلاق المحادثات مع الحكومة.
وعلى الرغم من أن التوصل لهذا الاتفاق بين الفصائل المتشرذمة يعد خطوة مهمة فى سبيل بلورة موقف تفاوضى موحد وأجندة تفاوضية واحدة تحمل مطالبها، مقابل الطرف الثانى، الحكومة السودانية، التى رحبت بنتائج محادثات أروشا، فإن الحكومة السودانية لها بعض التحفظات عليها. أول هذه التحفظات، إجراء المحادثات معها (الحكومة)، بعد ثلاثة أشهر، والذى اعتبرته بمثابة تسويف من قبل حركات وفصائل التمرد، من أجل ممارسة المزيد من الضغوط عليها، وتجاوز ذلك لخريطة الطريق التى طرحها المبعوثان الدولى والإفريقى، والتى تقتضى انطلاق محادثات السلام بينها (الحكومة) وبين حركات التمرد وفصائلها نهاية أغسطس 2007.
بينما تمثل التحفظ الثانى فى مطالبتها بالإفراج عن سليمان جاموس، قبل انطلاق المفاوضات معها. وعلى الرغم من ذلك، فقد أعلنت الحكومة السودانية أنها سوف تفرج عن جاموس، والسماح له بالسفر إلى الخارج لتلقى العلاج، كخطوة إيجابية من جانبها، فى سبيل بناء الثقة مع الحركات والفصائل المتمردة. ويعد ثالث هذه التحفظات تمسك المؤتمر الوطنى بعدم تعديل نسبة تمثيله فى مجلس الوزراء (52%)، إلى جانب رفضه منح دارفور حكما ذاتيا، والتنازل عن حكم الإقليم للمتمردين. وآخر تحفظات الحكومة السودانية هو عدم إجراء مفاوضات من البداية كما ترى الفصائل المتمردة، واعتبار اتفاق سلام دارفور 2006 مرجعية أساسية لأى تسوية خاصة بدارفور.
ثانيا - اجتماع تشاد:
عملت تشاد على استضافة حركات وفصائل التمرد المنشقة عنها، خلال شهر سبتمبر 2007، وبالتحديد يوم 23، من أجل التوصل إلى موقف تفاوضى موحد لكافة فصائل التمرد. إلا أن عدم حضور كل فصائل التمرد أدى إلى إرجائه إلى شهر أكتوبر من العام نفسه، وهو ما لم يعقد.
ثالثا - نداء القاهرة:
نظمت حركة العدل والمساواة لقاء تشاوريا لقيادات وكوادر عدد من الفصائل المتمردة بدارفور فى القاهرة. وقد شارك فى هذا اللقاء السيد أحمد حسين، المتحدث الرسمى باسم حركة العدل والمساواة، قادما من لندن، والسيد أبو بكر حامد نور، المستشار السياسى لرئيس الحركة، قادما من دارفور، والسيد جمالى حسين جلال الدين، مسئول شئون الرئاسة. وأكدوا فى التاسع من أكتوبر 2007 الحل السياسى فى إطار السودان الموحد، وحرصهم على التوصل إلى اتفاق سلام عادل وشامل فى الإقليم.
رابعا - محادثات جوبا:
دعت الحركة الشعبية لتحرير السودان، بقيادة سلفا كير، فصائل التمرد فى إقليم دارفور إلى عقد محادثات فى عاصمة جنوب السودان جوبا، من أجل توحيد صفوف الفصائل قبل مفاوضات سرت فى 27 أكتوبر 2007.
وقد شارك فى هذه المحادثات ممثلون عن فصائل حركة تحرير السودان، أحمد عبد الشافى، القائد الميدانى لحركة تحرير السودان الموحدة، وفصيل أحمد إبراهيم، وفصيل جار النبى عبد الكريم، ومحمد كلاعى، بالإضافة إلى فصيل قيادة شمال دارفور، ومجموعة أخرى من غرب دارفور.
وقد أعلنت مقاطعتها لمحادثات سرت - مدينة ليبية - وأرجعت مقاطعتها إلى عدم تمتع الحكومة السودانية بالشرعية اللازمة للتفاوض، خاصة بعد تعليق الحركة الشعبية لتحرير السودان مشاركتها فى حكومة الوحدة الوطنية السودانية. وقد دعت إلى تأجيل محادثات سرت، لحين التوصل إلى توحيد موقف الحركات المتمردة، والفصائل المنشقة عنها. وبناء على ذلك، أعلن القائد الميدانى لحركة تحرير السودان أن الفصائل المجتمعة فى جوبا لن تذهب إلى مفاوضات سرت إلا بوفد موحد، وموقف تفاوضى واحد، وبعد وقف الخروقات الأمنية من قبل الحكومة السودانية فى دارفور.
ويمكننا إرجاع السبب أو الأسباب الرئيسية لرفضها المشاركة فى محادثات سرت إلى تعاطفها مع موقف الحركة الشعبية لتحرير السودان، إثر تعليق مشاركتها فى حكومة الوحدة الوطنية السودانية، نتيجة الاختلاف بينها وبين شريكها، المؤتمر الوطنى الحاكم، حول الاختلاف على تنفيذ بنود اتفاق السلام المبرم فيما بينهما عام 2005، والتى ترعى لقاء فصائل دارفور المتمردة فى جوبا عاصمة جنوب السودان، فضلا عن فشل قيادات فصائل التمرد فى التوصل إلى رؤية موحدة فيما بينها، للتفاوض مقابل الطرف الآخر، الحكومة السودانية، نتيجة الصراع فيما بينهما على الاستئثار بالسلطة والنفوذ.
محادثات سرت:
أدى رفض فريق الوسطاء (الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى) مطالب فصائل التمرد إلى إرجاء موعد محادثات سرت إلى شهر نوفمبر على أقل تقدير، وصدور قرار مجلس الأمن الذى يلزم جميع الأطراف بحضور محادثات سرت، حتى لا يتعرض أى طرف لفرض عقوبات من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن على وجه التحديد، فى حالة غياب أى طرف عن الحضور.
وقد وجهت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى الدعوة إلى خمسة عشر فصيلا لحضور مفاوضات سرت، وتم افتتاح المحادثات تحت رعاية الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص إلى دارفورJan Elias son والاتحاد الإفريقى AU ومبعوثه الخاص إلى دارفور، سالم أحمد سالم، وألفا عمر كنارى، رئيس الاتحاد الإفريقى، وبحضور الشركاء الدوليينInternational partners: المبعوث الأمريكى الخاص إلى دارفور والمبعوث الصينى الخاص إلى دارفور Liu Guijin الدول المانحة وعلى رأسها النرويج، وبحضور الشركاء الإقليميين Regional partners: مصر وتشاد وإريتريا وليبيا. فضلا عن الوفد التفاوضى الحكومى السودانى برئاسة نافع على نافع، مساعد الرئيس السودانى، الذى أعلن وقف إطلاق النار من جانب واحد عقب افتتاح المؤتمر، وفى ظل إعلان العديد من القبائل مقاطعتها حضور محادثات السلامBoycott talks، والعمل على إيجاد المناخ المناسب، من أجل التوصل إلى السلام فى هذا الإقليم المنكوب، بين الحكومة السودانية من جانب، وحركات وفصائل التمرد من جانب آخر.
ويعد من أبرز الفصائل والقادة، التى حضرت وشاركت فى محادثات سرت، حركة التحالف الفيدرالى بقيادة أحمد إبراهيم دريج، الحاكم السابق لإقليم دارفور فى عهد الرئيس السودانى الأسبق جعفر النميرى، وإدريس أزرق، وبحر إدريس أبو قردة، وحركة "القيادة الجماعية"، و "القيادة الثورية المتحدة"، وحركة الإصلاح والتنمية، وتنظيم خميس عبد الله المنشق عن حركة/ جيش تحرير السودان، ومؤسسها عبد الواحد محمد نور الذى قاطع مؤتمر سرت.وقد كانت مقاطعة شرذمة من الفصائل والحركات المتمردة فى دارفور بمثابة خنجر طعن فى قلب المؤتمر، وأدى إلى تأكيد فشله حتى قبل انعقاده. فكيف يتم التوصل إلى السلام فى دارفور فى ظل غياب تلك الفصائل؟
وقد انحصرت الفصائل التى قاطعت المؤتمر ورفضت الحضور فى حركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان (جناح المحامى عبد الواحد نور المقيم فى الخارج)، والفصائل الستة التى انشقت عن حركة تحرير السودان، والتى أطلقت على نفسها مسمى حركة تحرير السودان الموحدة (المتحدث باسمها القائد الميدانى أحمد عبد الشافى)، وأخيرا جبهة القوى الثورية المتحدة، المنسلخة عن القبائل الرعوية فى دارفور (إبراهيم أحمد عبد الله المعروف بالزبيدى). وقد تمثلت أبرز مطالب تلك الفصائل، التى رفضت الحضور وقاطعت المؤتمر، فى:
* نشر القوات الدولية فى الإقليم أولا.
* العمل على تمثيل مواطنى دارفور فى السلطة والثروة وإقامة نظام حكم كونفيدرالى فى دارفور. ويعد هذا الشرط بمثابة الشرط البارز لحركة العدل والمساواة التى تتسم بحملها برنامجا سياسيا يحوى تصورا للنظام السياسى فى السودان ككل.
* توفير الأمن فى الإقليم ونزع سلاح الجنجويد (القبائل الرعوية).
* تعويض النازحين واللاجئين والفارين من سكان الإقليم.
* اتهام وسطاء الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى بعدم وضع معايير واضحة لتحديد الجهات المشاركة فى المؤتمر أو فى محادثات السلام. وتقترح القوى الثورية الاعتماد على الوجود الفعلى لكل فصيل فى الميدان والتعرف على قوته الحقيقية فى الميدان.
* الاعتراض على اختيار ليبيا مقرا للمفاوضات، على الرغم من تورطها المباشر فى أحداث دارفور. ويعد مطلبا بارزا بالنسبة لحركة تحرير السودان الموحدة(احمد عبد الشافى).
* الانتظار شهرا أو أكثر حتى تجهز الفصائل الستة المنشقة عن حركة تحرير السودان لمحادثات السلام.
بينما على الجانب الآخر، أعلن وفد حكومة السودان إلى سرت - برئاسة السيد نافع على نافع مساعد الرئيس عمر البشير - وقف إطلاق النار من جانب واحد، كخطوة فى سبيل بناء الثقة وكبادرة حسن نية من قبل الحكومة السودانية، وكدلالة على عزمها تسوية تلك الأحداث، وأنها لا تقف فى طريق تسويتها وإنما الأطراف الأخرى المتمردة.
ويتضح من موقف الحكومة السودانية استجابتها للضغوط الدولية، التى تركزت على الطرف الحكومى، ولم تمارس ضغوطا بنفس الحجم على الفصائل المتمردة، مما أدى بها إلى إعلان مقاطعتها لمحادثات سرت، على الرغم من تهديد الأمم المتحدة بفرض عقوبات على من سيتخلف عن الحضور. فى حين تمثل مطالب الفصائل، التى قاطعت مؤتمر سرت، طغيان المطالب السياسية على المطالب الإنسانية الحالة، وأن مطالبها السياسية هى كل ما ترنو إليه.
وقد أعلن الرئيس الليبى معمر القذافى أنه لا يمكن إحلال السلام دون حضور كافة الأطراف، وأكد أن أى تمرد فى أى مكان فى القارة الإفريقية ضد الشرعية والحكومات سوف يكون مصيره الهلاك. ودعا الأمم المتحدة والأطراف الدولية إلى عدم استفزاز الحكومة السودانية، التى قدمت عدة تنازلات Concessions. وكان قد دعا الأمم المتحدة والدول الكبرى إلى عدم التدخل مستقبلا فى النزاع السودانى - السودانى فى إقليم دارفور.
وقد تمثلت أهم نتيجة لمحادثات سرت فى الوقف أحادى الجانب لإطلاق النار من قبل الحكومة السودانية، كما سلف ذكره. ورفضت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى. المنظمان لمفاوضات سرت، الإقرار بالفشل، على أساس أن العملية قد انطلقت، وقد ينضم إليها المتمردون فيما بعد. وقد أعلن المتحدث باسم الاتحاد الإفريقى. السيد نصر الدين مزنى، أنه "لا يمكننا الحديث عن نجاح أو فشل فى هذه المرحلة، ولكن الأهم أن العملية انطلقت، والأمر لن يكون مسألة أيام أو أسابيع". وأضاف "أن هذه العملية سوف تستأنف بإشراف اثنين من كبار المفاوضين: سام ايبوك عن الاتحاد الإفريقى، وطايع زريهون عن الأمم المتحدة، أملا فى أن تنضم فصائل التمرد الرئيسية إلى المفاوضات".
سمات مرحلة ما بعد سرت:
لم يتوقف الموقف فى دارفور عند انفضاض مؤتمر سرت، بل اتسم بالسمات التالية:
الأولى: موافقة الحكومة السودانية على السماح لقوة حفظ السلام فى دارفور بقيادة الأمم المتحدة - التى من المقرر أن يصل قوامها إلى 26 ألف فرد وتوصف بأنها أكبر قوة أممية يتم نشرها فى إحدى مناطق النزاع بالعالم - بحرية الحركة فى الإقليم دون قيود، حيث تم توقيع اتفاقية تحدد الإطار القانونى لوضع هذه القوات المشتركة فى دارفور، فى العاشر من فبراير 2008، بين الأمم المتحدة (وقام بالتوقيع من جانبها رئيس قوة حفظ السلام المشتركة ردولف ادادا)، ومن الجانب السودانى، وزير الخارجية السودانية، دنيق الور. ويقتضى هذا الإطار السماح للقوات الأممية الإفريقية المشتركة بحرية الحركة فى دارفور ونواحيها، وتخفيف القيود التى كانت مفروضة على عدد من المجالات، من ضمنها الاتصالات، بالإضافة إلى عدم السماح لتلك القوات بحيازة مروحيات هجومية، من أجل التنقل فى أرجاء الإقليم.
الثانية: إفراج الحكومة السودانية عن ثمانية متمردين من حركة العدل والمساواة فى الثامن عشر من يناير 2008 - كانو جزءا من اللجنة التى نظمتها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى لمراقبة وقف إطلاق النار - بتهمة الانتماء إلى جماعة تقاتل ضد القوات السودانية، وذلك فى محاولة من جانب الحكومة السودانية لتأكيد عدم صلاحية الحل العسكرى لدارفور، وبناء الثقة مع حركة العدل والمساواة، واستمالتها للانخراط فى العملية السلمية بالنسبة لدارفور، خاصة بعد إعلان الحركة سالفة الذكر، فى الثالث من يناير 2008، سيطرتها على مدينة سرية فى جنينة، إحدى المدن الرئيسية فى إقليم دارفور.
الثالثة: انتهاج الحكومة السودانية لسياسة تكسير العظام، بعد أن أدركت أن الجهود السلمية وحدها لن تفضى إلى شىء، فقامت بقصف معسكر للاجئين قرب منطقة جبل مون فى غرب السودان (قرب الحدود مع تشاد)، التى تعسكر فيها جماعة الجم - حدى جماعات التمرد فى دارفور - المتهمة بإعاقة وصول المساعدات إلى المنطقة سالفة الذكر. وقد رفضت الحكومة السودانية الاتهامات الموجهة لها، جراء قيامها بهذه العملية. وبررت ذلك على لسان وزير الشئون الإنسانية السودانية، حسين محمد عبد الرحيم، بأن "الجيش يمارس واجبه فى ضبط الحدود وحماية المدنيين فى منطقة جبل مون"، واتهم المتمردين فى دارفور بتعريض حياة المدنيين للخطر.
وقد نتج عن هذه العملية سيطرة القوات السودانية على جبل مون، وإيقاع خسائر جمة فى صفوف حركة العدل والمساواة. فى حين اتهمت حركة العدل والمساواة القوات السودانية بقصف المدنيين، وقتل خمسة عشر شخصا. بينما أعربت الأمم المتحدة، على لسان أمينها العام، بان كى مون، عن قلقها من تصاعد العنف فى إقليم دارفور، واعتبر عملية قصف معسكر اللاجئين قرب جبل مون، غرب السودان بالقرب من الحدود مع تشاد، "أمرا غير مقبول".
* إن الصراع والمواجهات بين القبائل القاطنة فى هذا الإقليم قديمة منذ زمن بعيد، دون عمل الحكومات السودانية المتعاقبة على التوصل إلى تسوية لها دون أن تستفحل. وكان الصراع فى البداية حول الموارد (المراعى والمياه)، ولكن أطرافا أخرى عملت على تأجيج ذلك دون تسوية، مما أفضى فى النهاية إلى تلك الأحداث من خراب ودمار، وهذا يحمل الحكومات السودانية جزءا من المسئولية.
* الوضع الإنسانى المتردى هو الذى تسبب فى تدويل الأحداث وخروجها عن حيزها، سواء الداخلى (السودانى) أو الإقليمى
(الإفريقى) إلى النطاق الدولى ومجلس الأمن. وتتحمل الحكومة السودانية جانبا من هذا التدهور فى الوضع الإنسانى.
* إننا نتفق مع وجهة النظر التى ترى أن أصل القبائل الزراعية المستقرة إفريقى، خاصة قبيلة الفور (المشتق منها اسم الإقليم)، حيث تنطق بأنهم ينحدرون من أصل عربى (سليمان صولونج المنحدر من أصل عباسى أو من أعراب تونس) فضلا عن حديثهم العربية. وهذا كفيل بأن يهدم تصوير الأحداث التى تجرى على أرض الإقليم بأنها بين قبائل زراعية مستقرة (إفريقية)، وأخرى بدوية رحالة
(عربية) فالجميع منحدر من أصل عربى.
* أما موقف الحكومة السودانية، فهو أقرب إلى توجيه اللوم من موقف دولة مسئولة عن رعاياها ظلت تتشدق بسيادتها وسلطانها، دون تدارك لأسباب الأحداث الأساسية، ومحاولة التغلب عليها وعلاجها. وبذلك، تكون أفعالها عاملا مساعدا على التدخل الدولى ونجاح الضغوط عليها فى الإقليم.
* إن العمل العسكرى من قبل الحكومة أثبت فشله، ومن جانب الحكومة أثبت نجاحه.
* ثبتت صحة الفرض القائم على نجاح الضغوط الخارجية فى خروج الأحداث عن نطاقها السودانى والإقليمى (الإفريقى) إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن (كأنها أصبحت المسئولة عن أهالى دارفور ووصية على السودان).
* من أجل التوصل إلى تسوية لتلك الأحداث، ينبغى توافر الشروط التالية:
* توحيد الحركات المتمردة.
* الضغط عليها من قبل الداعمين الرئيسيين لها، سواء الدول التى تستضيف قيادات تلك الحركات أو التى تقدم إليهم الدعم، من أجل تقديم تنازلات Concession من أجل الوصول إلى حل وسط يرضى طرفى الصراع الرئيسيين.
الهوامش:
1- محمد الأمين عباس، أزمة دارفور.. بدايتها وتطورها، (بيروت: المستقبل العربى، العدد 312، السنة السابعة والعشرون، فبراير 2005)، ص 73.
2- صلاح فضل وهيام الأبس، مشكلة دارفور والسلام فى السودان،
(القاهرة، جريدة الجمهورية، كتاب الجمهورية، يوليو 2004)، ص 29.
3- د. إجلال رأفت، الأزمة فى دارفور.. الأسباب والتطورات، فى د. نادية محمود مصطفى (محرر)، ملامح النزاع فى دارفور.. الأزمة والأفق المستقبلى، (جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 2004).
4- هانئ رسلان، أزمة دارفور بين الأبعاد الداخلية والتصعيد الدولى، ضمن المرجع السابق.
5- محمد الأمين عباس، أزمة دارفور.. بدايتها وتطورها، (بيروت، المستقبل العربى، العدد 312، السنة السابعة والعشرون، فبراير 2005)، ص 74 - 75.
6- الحياة اللندنية، 12 أبريل 2005.
7- د. محمد رياض، جذور مشكلة دارفور، جريدة الأهرام ، 1 سبتمبر 2004.
8- http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_-6232000/. 6232596stm
9- http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=11&artid=11024
10- http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=6344
- يركز هذا المرجع على تبنى برنامج ثقافى يجمع كافة النسيج الاجتماعى السودانى، معتمدا فى ذلك على الدين الإسلامى والثقافة الإسلامية، للقيام بهذه المهمة وتجمع الشتات.
11- http://www.crisisgroup.org/home/index.cfm?id=2933&l=1
12-http://www.alhewar.net/Basket/ambassador_of_sudan_darfour.htm
وانظر أيضا د. بخيتة أمين، جراحات دارفور المنكوبة، جريدة الأهرام القاهرية، 16 مارس 2004.
13- د. إجلال رأفت، أزمة دارفور.. الأسباب والتطورات والنتائج،
(جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 2004)، ص 31.
14- محمد الأمين عباس، أزمة دارفور.. بدايتها وتطورها، مرجع سابق، ص 83.
15- http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=6376
16-http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=6422
* الحركة الشعبية لتحرير السودان هى الحركة المسلحة التى تمردت على حكومة الخرطوم فى الجنوب، وقادت الصراع تجاه الخرطوم، حتى وقعت اتفاق سلام شامل فى عام 2003.
** اصطلاح أطلقته القبائل الزراعية على القبائل الرحالة الرعاة، التى تركب الجمال أو الخيل وتحمل سلاحا، بمعنى أنها قبائل تقوم على السلب والنهب.
17- انظر البيان التأسيسى لحركة العدل والمساواة
- http://www.sudanjem.com/sudan-alt/arabic/jemintern/basic_explanation/beyen.htm
18-http://www.sudanjem.com/sudan-alt/arabic/books/black_book/black_book_second/b.book%20power.1htm
الكتاب الأسود، موقع حركة العدل والمساواة.
*** حركة العدل والمساواة هى حركة تمرد رئيسية فى إقليم دارفور، أعلن قيامها فى 2003، تشكلت من قبائل (الزغاوة والفور والمساليت) وجميعها قبائل زراعية.
19- http://www.alhewar.net/Basket/ambassador_of_sudan_darfour.htm
20- د. إجلال رأفت، أزمة دارفور.. أبعادها السياسية والثقافية،
(بيروت، المستقبل العربى العدد 312، السنة السابعة والعشرون، فبراير 2005) ص 102 وراجع أيضا:
- مرجع سابق
- http://www.alhewar.net/Basket/ambassador_of_sudan_darfour.htm.
تابع الهوامش:
21- http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=6376
* التدخل الإنسانى: عرف قديما بأنه استخدام الإجراءات القسرية بما فيها القوة المسلحة لحماية رعايا الدولة أو الدول المتدخلة. بينما يقصد به حديثا حماية مواطنى الدول التى لا تحترم حكوماتها وتنتهك حقوق الإنسان وحرياته، بمعنى حماية المواطنين من انتهاك حكوماتهم لحقوقهم الإنسانية، عبر طرف ثالث. انظر: د. أحمد الرشيدى، حق التدخل الدولى.. هل يعنى إعادة النظر فى مفهوم سيادة الدولة، (القاهرة، المركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، سلسلة مفاهيم، العدد 8، السنة الأولى، أغسطس 2005)، ص 23.
22- عدنان أبو عودة، دارفور من نزاع محلى إلى مشكلة دولية، الحياة، 28 أغسطس 2004.
23- Pity the people of Darfur، pity the peacemakers too، www.economist.com
24- الحياة، 19 أغسطس 2004.
25- إقليم دارفور، قسم البحوث والدراسات www.aljazeera.net
26- كمال الجزولى، الحقيقة فى دارفور، (القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، سلسلة قضايا حركية، العدد 22، 2006) ص 35-37.
27- الحياة، 12 أبريل 2005.
28- د. أنور ماجد عشقى، الأزمة السودانية وتسييس القيم، الأهرام، 26 أغسطس 2004.
29- http://news.bbc.co.uk/1/hi/world/africa/.3702242stm
30- هانئ رسلان، أزمة دارفور وجهود التسوية بين تعدد الأدوار وحدود الفاعلية (الأهرام: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، كراسات استراتيجية، العدد 157، السنة الخامسة عشرة، 2005)، ص 8.
31- كاظم هاشم نعمة، أزمة دارفور.. السودنة والعروبة والتدويل والأفرقة، (بيروت: المستقبل العربى، العدد 314، السنة السابعة والعشرون، أبريل 2005)، ص 101.
32- الأهرام، 30 يونيو 2004.
33- الحياة، 19 أغسطس 2004.
34- المرجع السابق.
35- محمد جمال عرفة، دارفور قاطرة التدخل الأجنبى فى السودان www.islamonline.com
36- الحياة، 28 أغسطس 2004.
37- هدى البكر، الموقف الأمريكى من أزمة دارفور، (القاهرة: مؤسسة الأهرام، السياسة الدولية، العدد 159، يناير 2005)، ص 224.
38- الجزيرة نت، حوارات، 7 أغسطس 2004.
39- الأهرام، 25 يوليو 2004.
40- الأهرام، 8 سبتمبر 2004.
41- حوار مع وزير الخارجية السودانى الأسبق د. مصطفى عثمان إسماعيل، أجرته الأهرام، 26 سبتمبر 2004. وتوجه أصابع الاتهام - بالنسبة للأطراف الخارجية - إلى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وإريتريا، كما سيأتى لاحقا.
42- الأهرام، 28 يونيو 2004.
43- الأهرام، مرجع سابق، 26 سبتمبر 2004.
44- الأهرام، 7 فبراير 2005.
45- حوار أجرته صحيفة الأهرام مع د. مصطفى عثمان إسماعيل، وزير الخارجية السودانى الأسبق، 5 أغسطس 2004.
46- الأهرام، 17 مايو 2004.
تابع الهوامش:
47- د. باسم خفاجى، الإدارة الأمريكية الجديدة والشرق الأوسط،
(العدد الجديد، العدد 210، السنة العشرون، مارس/ أبريل 2005)، ص 15.
48- سامية فتح الله مشالى، السياسة الأمريكية فى إفريقيا، (مركز الحرية للدراسات الاستراتيجية، النشرة الاستراتيجية، العدد الثالث، السنة الأولى، يناير 2005)، ص 25.
49- الأهرام، 16أغسطس 2004.
50- الأهرام، نفس المرجع.
51- الأهرام، 9 أغسطس 2004.
52- الأهرام، 5 أغسطس 2004.
53- الأهرام، نفس المرجع السابق.
54- هانئ رسلان، أزمة دارفور وجهود التسوية بين تعدد الأدوار وحدود الفاعلية، (الأهرام، سلسلة كراسات استراتيجية، العدد 157، السنة الخامسة عشرة، 2005)، ص 8. وانظر أيضا: حديث الفريق محمد بشير، المتحدث الرسمى باسم القوات المسلحة السودانية، الأهرام، 14 أغسطس 2004.
55- حديث جريدة الأهرام مع السيد مبارك الفاضل المهدى، مساعد الرئيس السودانى آنذاك، الأهرام، 2 أغسطس 2004.
* يوجد خلاف بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى والاتحاد الأوروبى حول وصف ما يحدث فى دارفور بأنه Genocide. ولكن وفقا لما تنص عليه اتفاقية منع جريمة "الإبادة الجماعية" عام 1948، فتعد إحدى جرائم الحرب المرتكبة ضد الإنسانية. فقد نصت المادة الثانية من الاتفاقية على أن الإبادة الجماعية تعنى "أفعالا مثل قتل أعضاء جماعة أو إلحاق الأذى الجسدى بأعضائها، وذلك بقصد التدمير الكلى أو الجزئى لجماعة قومية أو عنصرية أو إثنية أو دينية". وقد رفض كولين باول وصف ما يحدث فى دارفور بالإبادة الجماعية، وذلك إبان زيارته دارفور فى أغسطس 2004.
56- تصريح وزير الإعلام السودانى – آنذاك - الزهاوى مالك لجريدة الأهرام، 20 يوليو 2004.
57- الأهرام، 11 يوليو 2004.
58- حسبما ذكره د. مجدوب الخليفة، وزير الزراعة السودانى آنذاك، الأهرام، 22 مارس 2004.
59- جريدة الأهرام، 6 سبتمبر 2004.
60- انظر موقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC على شبكة الإنترنت، بتاريخ 31 أغسطس 2004.
61- الحياة، 19 أغسطس 2004.
62- د. إجلال رأفت، أزمة دارفور.. الأسباب والتطورات والنتائج، مرجع سابق، ص 36-39.
63- الحياة، 19 أغسطس 2004، مرجع سابق.
64- http://news.bbc.co.uk/1/hi/world/africa/.3702242st
65- نفس المرجع السابق.
66- عمرو محمد سلطان، مشكلة دارفور والسلام فى السودان
(عرض له)، (القاهرة، السياسة الدولية، العدد 158، 2004) ص 158.
67- د. إجلال رأفت، أزمة دارفور.. الأسباب والتطورات والنتائج، مرجع سابق، ص 31.
68- عمرو محمد سلطان، مرجع سابق، ص 159.
69- http://news.bbc.co.uk/1/hi/world/africa/.3702242st
70- نفس المرجع السابق.
71- موقع الحركة على الإنترنت: http://www.sudanjem.com
72- انظر البيان التأسيسى لحركة العدل والمساواة: http://www.sudanjem.com/sudan-alt/arabic/jemintern/basic_explanation/beyen.htm
73-http://www.sudanjem.com/sudan-alt/arabic/books/black_book/black_book_second/b.book%20power.1htm
الكتاب الأسود.
تابع الهوامش:
74- راجع موقع الحركة على الإنترنت. وراجع أيضا، الحياة، 3 يونيو 2003.
75- د. إجلال رأفت، أزمة دارفور.. الأسباب والتطورات والنتائج، مرجع سابق، ص 41.
76- هانئ رسلان، أزمة دارفور بين الأبعاد الداخلية والتصعيد الدولى، (جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، مركز البحوث والدراسات السياسية2004)، ص 102.
77- محمد عبد المنعم، دارفور.. المواقف فى الأزمة :www.aljazeraa.net
78- د. إجلال رأفت، أزمة دارفور.. الأسباب والتطورات والنتائج، مرجع سابق، ص 34-35.
79- محمد عبد المنعم، المرجع السابق.
80- د. إجلال رأفت، دارفور وأزمة الحكم فى السودان، جريدة الأهرام، 24 سبتمبر 2004.
81- الأهرام، 11 يوليو 2004.
82- د. إجلال رأفت، أزمة دارفور.. الأسباب والتطورات والنتائج، مرجع سابق، ص 35.
83- محمد عبد المنعم، المرجع السابق.
84- الأهرام، 27 يوليو 2004.
85- الأهرام، 23 أغسطس 2004.
86- د. إجلال رأفت، دارفور وأزمة الحكم فى السودان، جريدة الأهرام، 24 سبتمبر 2004.
87- د. إجلال رأفت، أزمة دارفور.. أبعادها السياسية والثقافية،
(بيروت، المستقبل العربى العدد 312، السنة السابعة والعشرون، فبراير 2005)، مرجع سابق، ص 102. وراجع أيضا: تصريح السيد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية، الأهرام، 9 أغسطس 2004.
88- انظر خطاب رئيس مجلس الشورى، السيد صفوت الشريف، أمام لجنة الشئون العربية والخارجية والأمن القومى بشأن الوضع فى دارفور، 3 أغسطس 2004.
89- محمد عبد المنعم، دارفور.. المواقف فى الأزمة، مرجع سابق.
90- الأهرام، 31 يوليو 2004.
91- أخبار اليوم، 12 سبتمبر 2004.
92- الأهرام، 9 أغسطس 2004.
93- الأهرام، 28 أغسطس 2004.
94- الأهرام، مرجع سابق، 9 أغسطس 2004.
95- الأهرام، 3 أغسطس 2004.
96- الأهرام، مرجع سابق، 3 أغسطس 2004.
97- الأهرام، 24 أكتوبر 2004.
98- جميل عفيفى، مساعدات مصر لأبناء دارفور، جريدة الأهرام، 6 أغسطس 2004.
99- هدى البكر، الموقف الأمريكى من أزمة دارفور، (السياسة الدولية، العدد 159، يناير 2005)، ص 224.
100- محمد أبو الفضل، السودان.. حسابات دارفور، الأهرام، 28 يناير 2004.
101- محمد عبد المنعم، دارفور.. المواقف فى الأزمة، مرجع سابق.
102- نفس المرجع السابق. وانظر أيضا قرار مجلس الأمن 1556، على موقع الأمم المتحدة على شبكة الإنترنت.
103- هدى البكر، مرجع سابق، ص 227.
104- ميشيل بارنييه، أزمة دارفور.. الطبيب والجندى والدبلوماسى، الأهرام، 12 أغسطس 2004.
105- ليلى حافظ، فرنسا تتحرك فى دارفور من منطلق إنسانى وأمنى (رسالة باريس)، الأهرام، 12 أغسطس 2004.
تابع الهوامش:
106- محمد عبد المنعم، دارفور.. المواقف فى الأزمة، مرجع سابق.
107- ميشيل بارنييه، مرجع سابق.
108- ليلى حافظ، مرجع سابق.
109- الأهرام 23، يوليو 2004.
110- نفس المرجع السابق.
111- الأهرام، 7 أغسطس 2004.
112- الحياة، 4 أغسطس 2004.
113- الشرق الأوسط، 11 سبتمبر 2004.
114- نفس المصدر السابق.
115- الأهرام، 7 أكتوبر 2004.
116- الشرق الأوسط، 11 سبتمبر، 2004 مرجع سابق.
117- محمد عباس الأمين، أزمة دارفور.. بدايتها وتطورها،
(بيروت: المستقبل العربى، العدد 312، السنة السابعة والعشرون، فبراير2005)، ص 28.
شروط نجاح أية محادثات سلام خاصة بدارفور:
تمثل خبرة مؤتمر سرت واللقاءات السابقة عليه بين طرفى أحداث دارفور، الحكومة السودانية من جانب والفصائل المتمردة من جانب آخر، الآتى:
* إن الضغط على طرف واحد من طرفى الأحداث يؤدى إلى استجابته، ولن يؤدى فى الوقت نفسه إلى إمكانية الفشل، حينما لا يخضع الطرف الآخر (أو الأطراف الأخرى) إلى ضغوط مماثلة، أن وجدت إرادة حقيقية خاصة بمعالجة الأحداث المأساوية. معنى ذلك أنه ينبغى ممارسة ضغوط على طرفى الأحداث، فلا يتم الضغط على الحكومة وترك حبل الفصائل المتمردة على غاربه، أو العكس.
* ينبغى ممارسة الداعمين الرئيسيين لحركات التمرد، سواء الدول التى تستضيف قيادات تلك الفصائل أو الدول الداعمة لها، من أجل حملها على تقديم تنازلات Concessions، والوصول إلى حل وسط يرضى جميع الأطراف، وينال موافقتهم جميعا دون استبعاد طرف أو فصيل أو أكثر.
* العمل على توحيد الحركات والفصائل المتمردة، التى وصلت إلى ما يربو على خمسة عشر فصيلا، بعد أن كانت حركتين رئيسيتين، مما يساعد على سهولة التوصل إلى اتفاق سلام بين الأطراف المتصارعة، يتم به إنهاء كافة الأوضاع المأساوية فى الإقليم.
* العمل على حل الصراعات بدلا من نهج إطفاء الحرائق أو إدارة الأزمات أو الإدارة بالأزمات. فحل الصراعات بين الدول، التى وضعت لنفسها مصالح متعارضة، هو الكفيل بالتخلص من شر هذه الأحداث المستطير وغيرها. فقد برز فى أحداث دارفور أدوار لدول متعارضة المصالح، على الرغم مما تمليه سياسة حسن الجوار، ومبادئ الأمم المتحدة (عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى واحترام سيادتها واستقلالها الإقليمى...).
* محاولة التوصل إلى توافق دولى بين الأطراف الدولية، خاصة الصين، المستثمر الأول فى السودان، والولايات المتحدة التى تتعامل بحزم مع الحكومة السودانية، وترى مسئوليتها عن أحداث دارفور. بينما تعتبر فرنسا مستقبل دارفور "مهما جدا استراتيجيا" بالنسبة لها، نتيجة تقاطع الإقليم مع المنطقة الفرانكفونية الإفريقية. بمعنى آخر، تتجاذب عملية تسوية أحداث دارفور العديد من المشاريع وفق مصالح القوى الكبرى. وبذلك الاتفاق على حد أدنى من مصالحهما، يمكن أن يسهم فى معالجة تلك القضية.
الخاتمة:
تناولت الدراسة، فيما سبق، الأحداث فى دارفور، وقد قسمتها إلى أجزاء ثلاثة. الجزء الأول: تناول النشأة والعوامل التى أدت إلى تأجيج الصراع، وقد تم تقسيم تلك العوامل إلى عوامل داخلية وأخرى إقليمية وثالثة دولية. وتناولت فى الجزء الثانى من الدراسة المراحل التى مرت بها الأحداث فى إقليم دارفور. بينما تناول الجزء الثالث والأخير مواقف الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية تجاه تلك الأحداث التى جرت وتجرى على هذه الأرض السودانية. وقد توصلت الدراسة إلى ما يلى من نتائج:
* إن أحداث فى دارفور ترجع إلى الصراع على السلطة والثروة فى الأساس، ولكن تم توظيف تلك الأحداث على أنها صراع بين المزارعين المستقرين (الأفارقة) والبدو الرحل (العرب). وساهم فى تأجيج تلك الأحداث انتشار السلاح، نتيجة الصراع بين تشاد وليبيا والحكومة السودانية وحركة تحرير السودان، وذلك مرورا بإقليم دارفور. أيضا، أدت الأوضاع الإنسانية - من قتلى وجرحى ولاجئين ونازحين عن الإقليم - إلى تدخل الأطراف الدولية وأتاحت لها الفرصة للتغلغل وفرض شروطها على السودان، كل ذلك من أجل تحقيق مآربها.
* إن دول الجوار الجغرافى (تشاد وليبيا بالتحديد) لعبت دورا فى تأجيج الأحداث، سواء بمد القبائل بالسلاح والدعم اللوجيستى أو بعدم الضغط عليها من أجل خفض مطالبها التفاوضية أو الانخراط فى تفاوض جاد، يمكن له أن يفضى إلى التوصل إلى اتفاق/ معاهدة سلام تنهى ما يجرى على أرض هذا الإقليم من مآس.