Share |
يوليو 2009
1
القضايا الاستراتيجية العشر الكبرى فى جنوبى آسيا
المصدر: السياسة الدولية

مع انهيار الاتحاد السوفيتى سنة 1991، نشأ نسق عالمى جديد اتسم بثلاث ظواهر. الظاهرة الأولى أنه رغم ظهور الائتلاف العالمى للدول الصناعية السبع الكبرى كقطب مسيطر على الاقتصاد والسياسة العالمية بزعامة الولايات المتحدة، إلا أن العالم بدأ يشهد بشكل تدريجى توجها نحو ظهور أقطاب مستقلة. وقد تمثل ذلك فى الصعود الأوروبى مع توقيع اتفاقية ماستريخت سنة 1991، ثم الصعود الآسيوى (اليابان، والصين، والنمور الآسيوية). ورغم أن دول مجلس التعاون الخليجى قد خاضت الحرب الباردة إجمالا فى صف الولايات المتحدة، إلا أنه بدا لها أن انفراد الولايات المتحدة بالزعامة العالمية يتعارض مع مصالحها. ومن ثم، سعت إلى بناء علاقات استراتيجية جديدة مع الاتحاد الأوروبى، والقوى الجديدة فى آسيا، بل ومع روسيا. الظاهرة الثانية هى اتجاه الدول الرأسمالية والشركات متعددة الجنسية إلى تأكيد ظاهرة العولمة، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية المتمثلة فى تحرير التجارة الدولية، وتحرير انتقال الاستثمارات، ورءوس الأموال. أما الظاهرة الثالثة، فتمثلت فى ظهور العامل النووى لأول مرة بشكل رسمى فى جنوبى آسيا، حينما قامت الهند وباكستان بالتفجيرات النووية فى مايو سنة 1998، وتطويرهما لصواريخ يصل مداها إلى السواحل الشرقية لمنطقة الخليج العربى. كما تصاعدت مشكلة كشمير منذ سنة 1989، واتخذت أبعادا كادت تهدد بالحرب بين الهند وباكستان فيما عرف بأزمة كارجيل سنة 1999.
جاءت أحداث 11 سبتمبر سنة 2001 فى الولايات المتحدة لتشكل نقلة نوعية فى الأوضاع الاستراتيجية فى جنوبى آسيا. فقد انتقل مسرح الصراع العالمى إلى قلب القارة الآسيوية مع تمركز القوات الأمريكية فى آسيا الوسطى، وأفغانستان، وباكستان، ثم شن الحرب الأمريكية ضد نظام طالبان فى أفغانستان. كما تصاعدت احتمالات المواجهة الهندية - الباكستانية، وهو ما تمثل فى حشد الدولتين نحو مليون جندى على خط السيطرة والحدود الدولية وتصاعد سباق التسلح بينهما. كذلك، فقد امتدت "الحرب الدولية ضد الإرهاب" التى أعلنتها الولايات المتحدة إلى منطقة الوطن العربى، سواء بتمركز القوات الأمريكية فى بعض دول الخليج، أو امتداد الحرب ذاتها إلى المنطقة، متمثلة فى الغزو العسكرى الأمريكى للعراق، وإنشاء فرنسا لقاعدة عسكرية فى دولة الإمارات، واحتمالات الصدام المسلح بين الغرب وإيران.
وفى هذا البحث، فإننا سنركز على أهم القضايا الاستراتيجية فى منطقة جنوبى آسيا بعد 11 سبتمبر. وقبل أن نشرع فى الرصد والتحليل، فإنه يلزم أن نشير إلى أن المقصود بمنطقة جنوبى آسيا هى الدول الأعضاء فى رابطة دول جنوبى آسيا للتعاون الإقليمى
(السارك) وهى الهند، وباكستان، وبنجلاديش، وسيريلانكا، ومالديف، وبوتان، ونيبال. والواقع أن منطقة جنوبى آسيا من أهم المناطق التى تأثرت بأحداث 11 سبتمبر، ومنها امتدت تلك الآثار إلى الأقاليم المجاورة، ومنها الوطن العربى. وقد رصدنا عشر قضايا استراتيجية فى منطقة جنوبى آسيا. ونقصد بذلك أنها قضية مركزية تسود المنطقة بكاملها تقريبا، وتؤثر تأثيرا جوهريا على التنمية والأمن والسلام فيها وفى علاقاتها الدولية. وهذه القضايا هى العامل النووى، وسباق التسلح الهندى - الباكستانى، والصراعات الإقليمية، وضعف التعاون الإقليمى فى إطار السارك، والتهديدات الأمنية الجديدة، وصعود الأصوليات والصراعات العرقية والطائفية الانفصالية، والحملات الحكومية لتصفية جماعات المعارضة المسلحة، والمعضلات الاقتصادية، والتطورات الديمقراطية. وأخيرا، صعود التوجه الهندى للسيطرة على إقليم الخليج العربى من خلال مطالبة الحكومات العربية بتجنيس العمالة الهندية هناك، وهى - فى تقديرنا - أخطر قضية تنبع من جنوب آسيا وتهدد الأمن العربى فى منطقة الخليج. وسنبدأ بتحديد أسس المشهد الاستراتيجى فى جنوبى آسيا من حيث أنماط التحالفات فى الإقليم، ثم نعرض لأهم القضايا، وأهمها العامل النووى فى الإقليم وأثره على السلام والتنمية، والصراعات.
أسس المشهد الاستراتيجى فى جنوبى آسيا:
يتميز المشهد الاستراتيجى فى جنوبى آسيا بدرجة عالية من الخلل فى التوازن بين الدول السبع الموجودة فى الإقليم. فالهند هى أكبر هذه الدول على الإطلاق، بل إنها أكبر من الدول الأخرى مجتمعة. ففى الهند، يوجد 77% من سكان جنوبى آسيا، و72% من المساحة، و84% من الأراضى القابلة للزراعة والمزروعة، و81% من الغابات، و69% من الأراضى المروية، كما أن ناتجها القومى يفوق الدول الأخرى مجتمعة، وإن كان متوسط الدخل الفردى فيها يقل عن بعض الدول الأخرى(1). كذلك، فالهند لديها رابع أكبر جيش فى العالم، وسادس أكبر أسطول فى العالم، وثامن أكبر قوة جوية فى العالم. ومما يزيد الصورة تعقيدا أن الهند تعتبر الدولة المحورية فى جنوبى آسيا، فهى جار لكل الدول الست الأخرى، كما تفصلها عن بعضها، كما أنها داخلة فى تفاعلات قوية مع الدول الست، بينما تقل درجة التفاعل بين تلك الدول وبعضها. ويؤدى ذلك كله إلى بلورة هواجس أمنية لكل الدول الأخرى الواقعة فى جنوبى آسيا، خاصة فى ضوء عاملين، أولهما: أن الهند كانت تضطلع تاريخيا بدور مهيمن فى جنوبى آسيا، وهو ما أنتج إدراكا قويا لدى النخبة الهندية بأن للهند فضاء استراتيجيا واسعا يتعدى حدودها ويمتد ليشمل الدول المجاورة، والمحيط الهندى، ووسط آسيا(2).
وثانيهما: امتلاك الهند للسلاح النووى، والصواريخ بعيدة المدى منذ سنة 1998. ولهذا، فإن الدول الأخرى الواقعة فى جنوبى آسيا تبنى استراتيجيتها الأمنية بالنظر إلى ما تفعله الهند. كذلك، فهذه الدول تشجع دور القوى الكبرى فى جنوبى آسيا، وذلك لموازنة القوة الهندية، بينما تسعى الهند إلى استبعاد دور القوى الأجنبية، لأن هذا الاستبعاد يعنى تفوقها الاستراتيجى فى جنوبى آسيا. بعد نجاحها فى فصل باكستان الشرقية عن باكستان الغربية سنة 1971، طورت الهند ما يسمى "مبدأ الهند"
India Doctrine. وبموجبه، تعتبر الهند إقليم جنوبى آسيا بمثابة منظومة استراتيجية واحدة تقوم فيها الهند بدور حامل لواء الأمن والاستقرار. ولهذا، بدأت الهند فى عقد الثمانينيات فى التدخل فى شئون دول جنوبى آسيا الأخرى. فأرسلت قوات لحفظ السلام إلى سيريلانكا سنة 1987، وتدخلت فى مالديف لقمع محاولة الانقلاب سنة 1988، وفرضت حصارا على نيبال بعد تصاعد الخلاف بين الدول حول اتفاقية التجارة سنة 1989.
بيد أنه ابتداء من سنة 1989، بدأت الهند تشهد أربعة تطورات مهمة، لعل أهمها هو أن الانتخابات التشريعية التى جرت سنة 1989 لم تسفر عن أغلبية لحزب المؤتمر الحاكم ولا لأى حزب آخر، وتكرر الأمر ذاته فى انتخابات سنة 1991، 1996، 1998، 1999، حيث بدأت الهند تشهد تكوين حكومات ائتلافية، دخلها العديد من الأحزاب الصغيرة. وقد أدى ذلك إلى زيادة نفوذ الأحزاب الصغيرة، وزيادة اللامركزية السياسية فى الهند. أما التطور الثانى، فهو اتجاه الهند منذ سنة 1991 نحو التحرير الاقتصادى، حيث تم تشجيع الاستثمار الأجنبى، ودور القطاع الخاص، والإقلال من هيمنة الدولة على التجارة الخارجية، وسنعود إلى ذلك فيما بعد. أما التطور الثالث، فهو صعود الأصولية الهندوسية فى الهند مع بزوغ نجم حزب بهاراتيا جاناتا، مما تمثل لأول مرة فى حادث حريق المسجد البابرى. أما التطور الرابع، فهو قيام الهند بإدخال العامل النووى فى جنوب آسيا رسميا بإجراء التفجيرات النووية فى مايو سنة 1998. وقد أدى ذلك كله إلى نتائج متعارضة فيما يتعلق بالتصور الهندى لسيطرتها على جنوبى آسيا. فبينما أدى الطابع الائتلافى للحكومات والتحرر الاقتصادى إلى انشغال الهند بمشكلاتها الداخلية، فإن صعود الهندوسية الأصولية، وإشهار امتلاك القنبلة النووية، زادا من طموحات الهند الإقليمية. من ناحية أخرى، فقد شهدت الهند بين عامى 1996، 1998 تغيرا ملموسا فى العقيدة الاستراتيجية الهندية مع وصول "الجبهة المتحدة" United Front إلى السلطة بزعامة ديف جاودا، والتى عمل فيها جوجارال وزيرا الخارجية ثم رئيسا للوزراء. وقد أدخل جوجارال ما عرف باسم "مبدأ جوجارال" Gujaral Doctrine والذى يقضى بالتحول من عقيدة السيطرة الهندية إلى عقيدة تنشيط آليات الحوار الثنائى مع الدول الأخرى فى جنوبى آسيا نحو إدارة الصراعات بشكل سلمى وتحسن العلاقات معها. وقد أسفر ذلك عن تحسن فى علاقات الهند مع معظم جاراتها، وتوقيع اتفاقيات لتسوية المشكلات الإقليمية. ولكن مبدأ جوجارال لم يقدر له أن يستمر طويلا، إذ سرعان ما هزمت حكومة الجبهة المتحدة وحلت محلها حكومة الائتلاف اليمينى بزعامة حزب بهاراتيا جاناتا، وأعادت "مبدأ الهند" بصورة أكثر تشددا، وهو ما تمثل فى قيامها بإجراءات تفجيرات نووية فى مايو سنة 1998، أى بعد شهرين من وصولها للسلطة. وابتداء من سنة 2000، بدأت الهند بقيادة حكومة فاجباى فى السعى لتعميق دورها فى جنوبى آسيا وترسيخ "مبدأ الهند" من خلال الصعود الاستراتيجى الإقليمى والعالمى، بما يمكن أن يكون له مردود على جنوبى آسيا. واستمرت حكومة حزب المؤتمر بزعامة مانموهان سينج فى الاستراتيجية ذاتها وإن كان بشكل أكثر هدوءا. ويمكن رصد علامات هذه الاستراتيجية فى توسيع منطقة المصالح الإقليمية الهندية، والسعى نحو الحصول على مقعد دائم فى مجلس الأمن، وبناء نمط جديد من التفاهمات الاستراتيجية الإقليمية والعالمية، وتوظيف أحداث 11 سبتمبر سنة 2001 لتأكيد هذه الاستراتيجية. وسنتناول هذه الأبعاد على التوالى.
أ- توسيع منطقة المصالح الإقليمية الهندية:
فى 4 أبريل سنة 2000، أعلن جورج فرنانديز، وزير الدفاع الهندى، أن "منطقة مصالح الهند تمتد إلى نحو 11200 كيلومتر تمتد من سواحل استراليا إلى سواحل الخليج العربى، سيعمل فيها الأسطول الهندى لتأمين مصالح الهند. كذلك، سبق أن طالبت الهند مؤتمر الأمم المتحدة حول قانون البحار سنة 1995 بمد نطاق رصيفها القارى فى بحر العرب وفى خليج البنغال، تأسيسا على أن هذا الرصيف يمتد من الأراضى الساحلية داخل البحر والخليج. وقد طلب المؤتمر من الهند تقديم ما يثبت ذلك. وبموجب هذا الطلب، يتسع نطاق المياه الإقليمية الهندية ليشمل مليون كم مربع إضافية، تتاخم المياه الإقليمية لباكستان، وعمان، واليمن فى الغرب، وحدود بنجلاديش، وميانمار، وتايلاند، وإندونيسيا، وسيريلانكا فى الشرق والجنوب.
ولتأكيد هذا التوجه، تقوم الهند حاليا ببناء "القيادة البحرية للشرق الأقصى" فى ميناء بلير فى جزر آندمان، التى تقع فى منتصف الطريق بين خليج البنغال ومضيق ملقا، وذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة. ويبدو أن إنشاء تلك القاعدة هو رد على إنشاء الصين لقيادة بحرية فى جزيرة كوكو فى ميانمار، كما أنها تهدف إلى السيطرة على الملاحة فى مضيق ملقا(3).
وترجع أهمية المسعى الهندى إلى أن الهند تعتقد أن المنطقة الساحلية الغربية تحتوى على موارد نفطية. أما بالنسبة للوطن العربى، فإنه يضع الهند على أعتاب دول الخليج العربى مباشرة، بحيث لا تصبح الهند مجرد شريك، وإنما أيضا جار جغرافى مباشر. وفى تلك الحالة، فإن السفن التجارية العابرة من باكستان وإيران إلى الخليج وبالعكس يجب أن تحصل على موافقة هندية(4). ذلك أنه طبقا لقانون البحار، فإن الدولة تستطيع منع المرور غير البرىء للسفن والطائرات فى المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها. ونعلم أن الصين الشعبية استندت إلى تلك الحجة فى إجبار طائرة التجسس الأمريكية على الهبوط فى الصين فى أبريل سنة 2001.
ب- سعى الهند للحصول على مقعد دائم فى مجلس الأمن:
مع تزايد الدعوة لإصلاح الأمم المتحدة، تم تقديم مقترحات لإعادة تشكيل مجلس الأمن بحيث تتسع عضويته، ويزداد عدد الأعضاء الدائمين بدخول اليابان وألمانيا. وفى هذا السياق، تسعى الهند إلى تأكيد حقها فى الحصول على مقعد دائم فى المجلس. وفى 17 أبريل سنة 2000، أكد الرئيس الفرنسى، شيراك، تأييد بلاده لطلب الهند أن تكون عضوا دائما فى مجلس الأمن الموسع(5). كذلك، صرح روبن كوك، وزير خارجية بريطانيا السابق، أثناء زيارته للهند فى 18 أبريل، بأن الهند هى منافس طبيعى Natural Contender للحصول على مقعد دائم فى مجلس الأمن. وكانت روسيا قد سبق أن أيدت هذا الطلب، بينما ترى الولايات المتحدة أن توسيع مجلس الأمن يجب أن يقتصر على دخول اليابان وألمانيا فقط. ولهذا عندما سئل الرئيس الأمريكى السابق بوش عن الطلب الهندى - أثناء زيارته للهند سنة 2006 - لم يجب على السؤال واكتفى بالإشارة إلى أهمية إصلاح مجلس الأمن.
ج- اتجاه الهند إلى بناء تفاهمات استراتيجية إقليمية وعالمية:
شهد عام 2000 توجها هنديا نحو الدخول فى تفاهمات إقليمية وعالمية جديدة تؤدى إلى تقوية المركز السياسى للهند بما يحقق هدفها فى عزل باكستان دوليا، والحصول على مقعد دائم فى مجلس الأمن. وقد تمثل ذلك فى ثلاثة خطوط رئيسية، أولها: التفاهم الاستراتيجى مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى وروسيا، وثانيها: الاتجاه شرقا، وثالثها: التقارب مع الصين الشعبية. وسنعرض لهذه الخطوط على التوالى.
أولا - الاستراتيجية الهندية لبناء تفاهمات استراتيجية جديدة:
(1) التفاهم الاستراتيجى مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى وروسيا:
تقاربت مصالح الهند والولايات المتحدة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة. فبعد أن كانت المصالح الهندية - الأمريكية متباعدة خلال الحرب الباردة، وبعد أن أثار الرئيس كلينتون قضية كشمير فى خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1993، غيرت الولايات المتحدة موقفها من الهند. فقد بدأت ترى فى الهند حليفا يعتمد عليه لمواجهة القوة الصينية المتعاظمة من ناحية، والأخطار الجديدة فى وسط وجنوبى آسيا مثل تصاعد "الحركات السياسية الإسلامية المعادية للولايات المتحدة من ناحية أخرى. وقد توافق ذلك مع تحول الهند بعد التفجيرات النووية سنة 1998 لتأكيد مركزها السياسى العالمى، والدخول فى تفاهم استراتيجى مع القوة العظمى الوحيدة، وذلك لعزل باكستان دوليا من ناحية، والحصول على المكاسب الاقتصادية المتوافرة فى السوق الأمريكية من ناحية أخرى. وهكذا، شهد عام 2000 زيارة الرئيس كلينتون للهند، وزيارة رئيس الوزراء فاجباى للولايات المتحدة. ففى مارس سنة 2000، زار كلينتون الهند. ورغم أن كلينتون زار أيضا بنجلاديش وباكستان، أثناء وجوده فى جنوبى آسيا، إلا أنه جعل من الهند محطته الرئيسية، سواء من حيث طول فترة الزيارة، أو من خلال اهتمامه بإيضاح مدى اهتمامه النسبى بالدول التى زارها. وفى خطابه أمام المجلس المشترك للبرلمان الهندى، أكد كلينتون أن الهند والولايات المتحدة حليفان طبيعيان. وركز كلينتون على أنه يشارك الهند قلقها بشأن التطورات فى باكستان، وأن مبادراتها السابقة تجاه باكستان لم تكلل بالنجاح، وعلى أنه لم يحضر إلى جنوبى آسيا للوساطة بين الهند وباكستان، فالدولتان وحدهما تستطيعان حل المشكلات القائمة بينهما، وعلى أهمية احترام خط السيطرة بين الدولتين والحوار بينهما. كذلك، أكد فاجباى الرؤى المشتركة بين الدولتين، وأهمية التركيز على مواجهة الأخطار الجديدة كالإرهاب وتجارة المخدرات(6).
وفى شهر سبتمبر سنة 2000، زار رئيس الوزراء الهندى فاجباى الولايات المتحدة. وفى خطابه أمام الكونجرس فى 14 سبتمبر 2000، ركز على التشابه بين الهند والولايات المتحدة فى مجال الديمقراطية، وعلى التعاون الأمريكى - الهندى فى مجال مكافحة الإرهاب، وفى مجال تكنولوجيا المعلومات، والبيئة، وحفظ السلام العالمى، وطالب الولايات المتحدة بتفهم احتياجات الهند النووية. وأشار إلى أنه خلال الأعوام العشرين الأخيرة، سقط 21 ألف قتيل فى النزاع حول كشمير، منهم 16 ألفا فى جامو وكشمير وحدها. وقد بدا خلال تلك الزيارة أن هناك خلافا بين الهند والولايات المتحدة حول قضية كشمير. فقد أكد كلينتون اهتمامه باستئناف الحوار بين الهند وباكستان، وهو ما رفضه فاجباى، مشيرا إلى أن أحدا لا يستطيع إجبار الهند على الحوار مع باكستان. ولكن الأمر تغير تماما بعد وصول المحافظين الجدد إلى الحكم فى الولايات المتحدة سنة 2001 وما أعقبه من أحداث 11 سبتمبر، حيث تحولت الولايات المتحدة إلى التفاهم الاستراتيجى الكامل مع الهند لتصفية القضية الكشميرية. ففى شهر مارس سنة 2006، زار الرئيس الأمريكى بوش الهند، ووقع مع حكومتها اتفاقا يقضى بمد الهند بالتكنولوجيا النووية السلمية، مقابل فتح الهند بعض منشآتها النووية للتفتيش. كذلك، زار الرئيس الأمريكى باكستان ولكنه رفض التعهد بتعاون مماثل. واستمرارا لهذا التوجه، فقد صرح الرئيس الأمريكى أوباما بأن "الهند شريك استراتيجى طبيعى للولايات المتحدة فى القرن الحادى والعشرين". وعلى الولايات المتحدة أن تعمل مع الهند فى عدة قضايا مهمة تتراوح بين منع الإرهاب إلى دعم السلام والاستقرار فى آسيا(7).
من ناحية ثانية، فقد بدأت الهند فى بناء تفاهم استراتيجى آخر مع الاتحاد الأوروبى. فنحو 28% من تجارة الهند الخارجية تتم مع دول الاتحاد الأوروبى، ويبلغ حجم التجارة الهندية - الأوروبية 20.27 مليار دولار (10 مليارات دولار منها صادرات هندية)، كما أن تلك الأخيرة تستثمر نحو 10 مليارات دولار فى الهند. وفى 28 يونيو سنة 2000، زار رئيس الوزراء فاجباى البرتغال، وعقد اجتماع قمة مع رئيس الوزراء البرتغالى، جوتيرس، بصفته رئيس المجلس الأوروبى، ورومانو برودى، رئيس المفوضية الأوروبية، وسولانا، الأمين العام لمجلس الاتحاد الأوروبى. وقد سبق تلك القمة اجتماع على مستوى عال بين رجال الأعمال الهنود والأوروبيين، وتم التوصل إلى اتفاقات حول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتكنولوجيا الجوية. وقد أسفرت القمة الهندية - الأوروبية عن إعلان مشترك حول التعاون الاقتصادى، والتفاهم السياسى حول التهديدات الأمنية الجديدة فى جنوبى آسيا.
وأخيرا، فقد اتجهت الهند إلى إعادة بناء مشاركتها الاستراتيجية مع روسيا بعد انتخاب فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا. وكانت الهند قد أقامت تفاهما استراتيجيا مع الاتحاد السوفيتى إبان الحرب الباردة، ونجحت فى الحفاظ على هذا التفاهم بعد سقوط الاتحاد السوفيتى من خلال الاتفاقات التى وقعت مع الرئيس الروسى يلتسين أثناء زيارته للهند سنة 1992. كما تم توقيع معاهدة الصداقة والتعاون بين الهند وروسيا سنة 1994. وفى 2-5 أكتوبر سنة 2000، زار الرئيس الروسى بوتين الهند، ووقع مع فاجباى "إعلان المشاركة الاستراتيجية". وقد تناول مجالات التعاون السياسى والاقتصادى، والدفاعى والعلمى والتكنولوجى، بالإضافة إلى التهديدات الجديدة، مثل الإرهاب، والنزعات الانفصالية، والجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات. وفى 10 فبراير سنة 2001، وقعت الهند وروسيا اتفاقا لتسهيل الاستثمارات الهندية فى سواحل جزيرة ساخالين الروسية للتنقيب عن النفط. وفى 15 فبراير سنة 2001، وقعت الدولتان صفقة قيمتها 650 مليون دولار لشراء الهند 310 دبابات من طراز تى 90(8). وللهند وروسيا مصالح استراتيجية مشتركة للقضاء على الحركات السياسية الإسلامية المتطرفة فى وسط آسيا وأفغانستان، نظرا لآثارها على منطقة وسط آسيا، والموقف فى كشمير، كما أن الهند تسعى لتوظيف مشاركتها مع روسيا للضغط على الصين لوقف دعمها لباكستان.
(2) الاتجاه شرقا:
أما الخط الثانى، فهو "الاتجاه شرقا" Look East، وقد تمثل ذلك فى الانفتاح على اليابان واستراليا ودول جنوب شرقى آسيا(9). فرغم تدهور علاقات الهند بتلك الدول عقب التفجيرات النووية الهندية سنة 1998، إلا أن الهند استطاعت أن تعيد بناء علاقاتها بتلك الدول، انطلاقا من بناء مجموعة من المصالح المشتركة، أهمها مصالح تلك الدول فى مواجهة "التهديد الصينى"(10). فقد زار جون هوارد، رئيس وزراء استراليا، الهند فى يوليو سنة 2000. ومن المعروف أن استراليا شريكة للهند فى تجمع دول المحيط الهندى، كما أن كلتيهما ترى فى الصين تهديدا جوهريا لأمنها القومى. وفى أغسطس سنة 2000، زار مورى، رئيس وزراء اليابان، الهند، واتفقا على بناء "مشاركة عالية متعددة الجوانب" فى شكل حوار بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات السياسة الخارجية فى الدولتين، والتعاون الأمنى لتأمين المرور البحرى فى مضايق ملقا، حيث ازدادت القرصنة البحرية فى هذه المضايق، مما أدى إلى خسارة كبيرة للسفن اليابانية.
ورغم الخلاف الاستراتيجى بين الهند والصين حول الموضوع النووى وموضوع الحدود، والسيطرة على بحر آندمان، فقد اتجهت الهند إلى تجميد هذا الخلاف من خلال الدخول فى حوار استراتيجى مع الصين. وكان الخلاف قد تصاعد بين الدولتين عقب التفجير النووى الهندى فى مايو سنة 1998. ولكن الأحداث التى وقعت فى إقليم كشمير فى مايو سنة 1999 - والتى تمثلت فى هيمنة المقاتلين الكشميريين على بعض المرتفعات داخل الإقليم - قللت الفجوة بين الدولتين، لأن الصين رأت فى تلك الأحداث علامة على توسع نفوذ الحركات الإسلامية فى آسيا، بما فى ذلك الصين ذاتها. وكان جازوات سينج، وزير خارجية الهند، قد زار الصين فى يونيو سنة 1999، أى أثناء أحداث كارجيل، وأكد أن الصين لا تمثل تهديدا للهند. وفى 6-7 مارس سنة 2000، عقدت الدولتان حوارا استراتيجيا - أمنيا فى بكين. وفى مايو سنة 2000، زار الرئيس الهندى نارايانان بكين، وركز فى محادثاته على مقاومة الإرهاب، وهو ما شاركته فيه القيادة الصينية، نظرا لشعورها بالخطر من حركات المقاومة فى سينكيانج. وفى يونيو سنة 2009، التقى رئيس الوزراء الهندى سينج الرئيس الصينى هيو جنتاو فى قمة الدول الأربع فى روسيا، واتفقا على حل الخلافات الحدودية بالطرق السلمية. ولم يخف المسئولون الهنود انزعاجهم من أن الصين لا تزال تعتبر ولاية أورانشال براديش الهندية ولاية صينية(14). تهدف الهند من التقارب مع الصين إلى عزل باكستان عن حليفتها الصين، بينما تهدف منه الصين إلى التأثير فى التقارب الهندى - الأمريكى. وتحرص الهند على وضع سقف لهذا التقارب، حيث أن هدفها الاستراتيجى هو التفاهم مع الولايات المتحدة وليس الصين.
(د) التعاون الهندى - الإسرائيلى:
تبادلت الهند العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل فى يناير سنة 1992 عقب انعقاد مؤتمر مدريد للتسوية فى الشرق الأوسط. ولكن فى عهد حكومة فاجباى، زعيم حزب بهاراتيا جاناتا، انتقلت تلك العلاقات نقلة نوعية فى اتجاه التعاون الاستراتيجى. وقد تأسس هذا التعاون على مصالح مشتركة بين الطرفين. فمن ناحية الهند، فهى تسعى إلى الاستفادة من خبرات إسرائيل النووية وتقدمها التكنولوجى، ومن خبراتها فى ميدان مقاومة "الإرهاب"، وتوظيف علاقاتها مع إسرائيل للضغط على باكستان. أما إسرائيل، فهى ترى فى الهند سوقا واسعة للتكنولوجيا الإسرائيلية، وشريكا لمواجهة القوة النووية الباكستانية التى ترى إسرائيل أنها تشكل ظهيرا عربيا(15). من ناحية أخرى، فإن التعاون الاستراتيجى الهندى - الإسرائيلى يتم برعاية أمريكية، وتحاول الهند توظيف هذا التعاون من أجل بناء تفاهمها الاستراتيجى مع الولايات المتحدة.
ولعل أهم مجالات التعاون الهندى - الإسرائيلى هو التعاون النووى. وقد ثار أمر هذا التعاون عقب التفجيرات النووية الهندية فى مايو سنة 1998، ولكن الحكومة الهندية نفت وجود تعاون مع إسرائيل فى المجال النووى، فيما عدا زيارات بعض علماء الطاقة النووية الهنود لإسرائيل(16). كذلك، فقد كانت إسرائيل من الدول القليلة التى لم تنضم إلى الحملة الدولية لإدانة التفجيرات النووية الهندية. ولكن وزير الداخلية الهندى أدفانى أشار - أثناء زيارته لإسرائيل فى 14 يونيو سنة 2000 - إلى ضرورة دعم التعاون الهندى - الإسرائيلى فى كل المجالات، بما فى ذلك المجال النووى لمواجهة "الإرهاب الإسلامى". وقد دعا ذلك جامعة الدول العربية إلى استدعاء سفير الهند فى القاهرة، ماكورجى، للاستفسار عن صريحات وزير الداخلية الهندى. كما أكد عمرو موسى، وزير الخارجية المصرى، فى ذلك الوقت، أن "هذا الموضوع مهم للغاية، ومصر تتابعه، وأن لكل فعل رد فعل"(17). وفى يوليو سنة 2000، قام جازوانت سينج،وزير خارجية الهند، بزيارة لإسرائيل تم خلالها توقيع اتفاقات للتعاون الأمنى. وفى 10 سبتمبر سنة 2000، أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية إلى أن إسرائيل قد دخلت فى محادثات مع الهند لبيعها طائرات الإنذار المبكر التى سبق أن رفضت بيعها للصين تحت ضغط من الولايات المتحدة(18). وفى 5 فبراير سنة 2001، أعلن أن إسرائيل باعت الهند صواريخ بحر/ بحر قيمتها 270 مليون دولار(19).
وقد أدت أحداث 11 سبتمبر إلى تقوية التقارب الهندى - الإسرائيلى، حيث أن للدولتين مصلحة مشتركة لإضعاف المقاومة الكشميرية وباكستان. وفى يناير سنة 2002، زار شيمون بيريز، وزير خارجية إسرائيل، الهند وأعلن هناك أن بلاده تسعى إلى إقامة تحالف ضد الإرهاب مع الهند، وأن ذلك يستهدف بصورة خاصة إيران. وأضاف أنه "حان الوقت كى تشعر إيران بالقلق من التقارب بين الهند وإسرائيل، لأن هذا البلد متورط فى الإرهاب". والواقع أن هذا التصريح الإسرائيلى يأتى متناقضا مع المشاركة الاستراتيجية التى تبلورت بين الهند وإيران فى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، والتى بلغت ذروتها فى زيارة فاجباى لإيران فى أبريل سنة 2001، وتم خلالها توقيع اتفاقات تعاون اقتصادى ضخمة. ومقابل ذلك، فإن إيران انحازت إلى الموقف الهندى من قضية كشمير. ولما كانت الهند لم تعترض على التصريح الإسرائيلى، فإنه من الواضح أن الهند قد اختارت المحور الإسرائيلى - الأمريكى كأساس لتحالفاتها الإقليمية.
وبالتوازى مع ذلك، فقد تراجعت قوة الدعم الهندى للقضية الفلسطينية، منذ تبادل الهند العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. فيلاحظ أن التصريحات الهندية تجاه الانتفاضة الفلسطينية الثانية فى سبتمبر سنة 2000 أدانت الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. وبررت الهند ذلك فى لجنة حقوق الإنسان فى جنيف فى 18-19 أكتوبر بأن ذلك الموقف نابع من اهتمامها بحماية حقوق الإنسان. كما أن الهند امتنعت منذ سنة 2001 عن التصويت على مشروع قرار فى الجمعية العامة للأمم المتحدة، يقضى بإعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، بعد أن كانت تصوت لهذا المشروع.
وقد دفع هذا التفاهم الاستراتيجى الهندى - الإسرائيلى باكستان إلى محاولة التقارب من إسرائيل من خلال المبادرات التى أعلنها الرئيس الباكستانى السابق برويز مشرف تجاه إسرائيل، ومن ذلك المقابلة بين وزيرى خارجية باكستان وإسرائيل سنة 2005. وقد أعلن مشرف فى ذلك الوقت عن احتمال إنشاء علاقات دبلوماسية بين الدولتين، وهو الأمر الذى عارضته معظم القوى السياسية فى باكستان، واضطر مشرف إلى عدم تنفيذه.
3- الصعود الهندى فى جنوبى آسيا بعد أحداث 11 سبتمبر سنة 2001:
جاءت أحداث 11 سبتمبر سنة 2001 لتعطى دفعة أخرى للتوجه الهندى نحو الصعود الاستراتيجى الدولى. فقد سعت الهند إلى بناء تفاهم استراتيجى مع الولايات المتحدة ضد باكستان وأفغانستان، محتجة بأن باكستان تدعم نظام طالبان الضالع فى دعم مدبرى أحداث 11 سبتمبر. وفى هذا الإطار، عرضت الهند على الولايات المتحدة استعمال تسهيلاتها العسكرية لشن الحرب ليس فقط على أفغانستان، وإنما أيضا على باكستان. ولكن باكستان كانت بالنسبة للولايات المتحدة هى الحليف الأهم فى الحرب ضد أفغانستان، نظرا للتجاور الجغرافى بين باكستان وأفغانستان، ولأن باكستان دولة إسلامية لا يشكل التحالف معها ضد أفغانستان الطالبانية إحراجا للولايات المتحدة أمام العالم الإسلامى. كذلك، فإن الرئيس الباكستانى السابق مشرف اتخذ قرارا استراتيجيا حاسما بالتحالف مع الولايات المتحدة ضد نظام طالبان لتحقيق عدة أهداف، أولها: ضرب مشروع التحالف الهندى - الأمريكى بكل ما يمثله من مخاطر على الأمن القومى الباكستانى، وثانيها: حماية الترسانة النووية الباكستانية من احتمال التهديد الأمريكى، وثالثها: إنهاء المقاطعة الاقتصادية الأمريكية المفروضة على باكستان بعد التفجيرات النووية سنة 1998. وقد نجح مشرف فى تحقيق تلك الأهداف، واستطاع أن يحيد الهند فى الصراع الأفغانى فى إطار تعهد أمريكى لباكستان. وقد أدى ذلك إلى تجميد عملية الصعود الإقليمى الهندى مؤقتا، مقابل إعادة تنشيط الدور الباكستانى فى جنوبى آسيا، بعد أن التزم مشرف بتعهداته مع الولايات المتحدة. فقد فتح القواعد العسكرية الباكستانية للقوات الأمريكية، وساهم فى القبض على بعض عناصر طالبان وتنظيم القاعدة التى فرت إلى باكستان. ولكن فى الوقت الذى انحازت فيه باكستان إلى جانب الولايات المتحدة ضد نظام طالبان، فإن الولايات المتحدة وقعت اتفاقا أمنيا فى ديسمبر سنة 2001 مع الهند، تعهدت بموجبه بمد الهند بأنظمة تسليح متطورة. ولكن الولايات المتحدة لم توقع اتفاقا مماثلا مع باكستان. ولعل ذلك كان بمثابة الضوء الأخضر للهند لتصعيد المواجهة مع باكستان عقب الهجوم على البرلمان الهندى فى 13 ديسمبر سنة 2002. فقد سعت الهند إلى ممارسة سياسة "حافة الهاوية" ضد باكستان ببناء أكبر حشد عسكرى هندى على خط السيطرة، والدخول فى مناوشات محددة مع القوات الباكستانية، وتصعيد سباق التسلح لدفع باكستان إلى قبول الطلب الهندى بوقف دعم المقاتلين الكشميريين والجماعات الباكستانية المؤيدة لهم. وقد اضطر ذلك الرئيس مشرف إلى التدخل لوقف أنشطة تلك الجماعات. وجاءت حكومة زردارى سنة 2009 لكى تشن حربا شاملة لتصفية تلك الجماعات بتمويل أمريكى معلن قيمته مليار ونصف مليار دولار سنويا على مدى خمس سنوات. ومن ثم، تتمثل الصورة الاستراتيجية العامة فى منطقة جنوبى آسيا فى ظهور معسكرين متصارعين، أولهما: المعسكر الأمريكى - الهندى، وتدعمه اليابان واستراليا، والثانى: هو المعسكر الصينى - الروسى، وتدعمه جزئيا باكستان ودول آسيا الوسطى، مع محاولة روسيا إبقاء خطوطها مفتوحة مع الهند بحكم المصالح الاقتصادية، والحفاظ على مسافة بينها وبين باكستان. ونعتقد أن هذا الاستقطاب الثنائى سيتدعم خلال السنوات العشر القادمة، ويصبح هو المحور الاستراتيجى الرئيسى فى جنوبى آسيا.
العامل النووى فى جنوبى آسيا:
فى مايو سنة 1998، أشهرت الهند وباكستان امتلاكهما للقنبلة النووية من خلال خمسة تفجيرات نووية قامت بها الهند فى 11 مايو، وردت عليها باكستان بستة تفجيرات نووية فى 28 مايو. لم تكن تلك التفجيرات سوى "الإشهار الرسمى" لامتلاك الدولتين المقدرات النووية. ذلك أنه كان معلوما قبل تلك التفجيرات أن الهند وباكستان تمتلكان مقدرات نووية غير معلنة، وأنهما تفضلان عدم إشهارها، حتى لا يكون أى منهما البادئ بإدخال العامل النووى فى جنوب آسيا. ولكن منذ مايو سنة 1998، أصبح هذا العامل حقيقة واقعة فى السياسة الإقليمية فى جنوبى آسيا. وقد تصاعد بعد ذلك سباق التسلح الصاروخى الهندى - الباكستانى لتطوير صواريخ قادرة على نقل القنبلة النووية إلى أرض الخصم.
وقد أدى ذلك إلى آثار هائلة على مجمل السياسة الإقليمية فى جنوبى آسيا من حيث احتمالات الحرب والسلام فى تلك المنطقة، كما أنه انعكس أيضا على أقاليم التماس المحيطة بجنوب آسيا، مثل آسيا الوسطى، وجنوب شرق آسيا، وغرب آسيا. ومن أهم تلك الأقاليم المنطقة الواقعة إلى الغرب من جنوب آسيا، والتى تضم إيران ودول مجلس التعاون الخليجى الست. فقد كانت تلك المنطقة من بين المناطق التى ترددت فيها أصداء العامل النووى فى جنوب آسيا، نظرا لقرب المسافة الجغرافية، ولوجود شبكة مصالح هائلة تربط بين الهند وباكستان من ناحية، ودول منطقة الخليج العربى من ناحية أخرى. ويمكن القول أن أحد تلك الأصداء كان سعى إيران إلى امتلاك قدرات نووية، ذلك أن إيران جار لباكستان والهند، وامتلاك الأخيرتين للسلاح النووى لابد أن يؤثر على حسابات الأمن القومى الإيرانية.
لا توجد أرقام محددة متفق عليها حول عدد القنابل النووية التى تمتلكها الهند وباكستان. ولكن طبقا لمعظم التقديرات، فإن الهند تمتلك نحو 30 إلى 40 قنبلة نووية، قدرة كل منها تتراوح ما بين 5 و25 كيلو طنا - حسب تقديرات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولى - وما بين 30 و35 قنبلة نووية، حسب تقديرات "خدمة بحوث الكونجرس الأمريكى"، و"نشرة العلماء النوويين" الصادرة سنة 2002. وتمتلك الهند برنامجا لتخصيب اليورانيوم، وهناك مفاعل تجريبى فى مجمع مركز بهابها للأبحاث النووية، ومفاعل آخر فى رايتهالى وكارناتاكا. ويقوم المفاعل الأخير بإنتاج اليورانيوم عالى التخصيب. ومعظم القنابل النووية الهندية مصممة بحيث يتم نقلها إلى أرض العدو بالطائرات. ولدى الهند منظومة من الطائرات بعيدة المدى القادرة على نقل القنابل النووية، وهى الطائرات الروسية ميج - 27 (ومداها 800 كم)، والطائرات البريطانية - الفرنسية جاجوار - آى إس (مداها 1600 كم) والطائرات الفرنسية ميراج 2000 إتش (ومداها 1850 كم)، والطائرات الروسية سوخوى 30 إم ك آى (مداها 3200 كم) التى يمكن أن يصل إلى 7000 كم فى حالة إعادة التموين فى الجو. كذلك، يوجد لدى الهند منظومة صواريخ من طراز "آجنى 1" (ومداه 700 كم) و"آجنى 2" (ومداه 2000 كم)، وكلاهما قادر على نقل حمولة نووية مقدارها 1000 كيلو جرام مقارنة بقدرة الطائرة "جاجوار" التى تستطيع نقل حمولة مقدارها 4760 كيلو جراما، والطائرة ميراج 2000. التى تستطيع نقل حمولة مقدارها 6300 كيلو جرام. وقد حل الصاروخ "آجنى 1"Agni(1)، و"آجنى 2" Agni(2) محل الصواريخ من طراز "بريتفى (1) Prithvi ومداه 150 كم وبريتفى (3) ومداه 300 كم، ودخلا الخدمة بالفعل. وتسعى الهند حاليا إلى تطوير الصاروخ آجنى (3) ومداه 3200 كم. وأخيرا، تمتلك الهند منظومة من الأقمار الفضائية التى توفر لها إنذارا مبكرا حول إطلاق صواريخ أو هجوم طائرات معادية على أراضيها. فقد أطلقت القمر الصناعى القطبى (Polar Satellite Launch Vehicle) مرتين فى أكتوبر سنة 1989، ومارس سنة 1990، وهذا النظام قادر على حمل أقمار صناعية لارتفاع 420-600 ميل فى المحيط القطبى. كما أطلقت فى يوليو سنة 1993 القمر الصناعى إن سات 2 بـ (INSAT- 2 B)، وهو قمر صناعى مصنوع محليا ومتعدد الأغراض.
فيما يتعلق بباكستان، فإنها تمتلك ما بين 30 و50 قنبلة نووية - حسب تقديرات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولى - وما بين 24 و48 قنبلة نووية، حسب تقديرات "خدمة بحوث الكونجرس الأمريكى". ويتم تطوير تلك القنابل من خلال أسلوب تخصيب اليورانيوم بالطرد المركزى الغازى فى مختبرات "كاهوتا" للأبحاث. بالإضافة إلى أسلوب إنتاج البلوتونيوم من مفاعل الماء الثقيل الحرارى فى "خوشاب". وتعتمد باكستان على منظومة من الطائرات والصواريخ لنقل أسلحتها النووية إلى أرض الخصم. ولعل أهم مكون فى المنظومة الباكستانية هو الطائرات الأمريكية إف 16 (ومداها 1600 كم)، وتستطيع نقل حمولة قابلة للانفجار مقدارها 1000 كيلو جرام. وقد سلمت هذه الطائرات إلى باكستان خلال مرحلة التدخل السوفيتى فى أفغانستان. وقد تعاقدت باكستان مع الولايات المتحدة عام 1988 على شراء 71 طائرة إضافية إلى جانب الطائرات الأربعين المتوافرة لديها. ولكن الحكومة الأمريكية أعلنت رفضها تسليم باكستان طائرات إضافية، وفقا "لتعديل بريسلر" الذى يحظر بيع الأسلحة إلى الدول التى تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، رغم أن هذا التعديل قد أقر سنة 1982، وفى ظله أمدت الولايات المتحدة باكستان بالطائرة إف 16. وكان السبب الحقيقى لعدم تسليم الطائرات، برغم أن باكستان دفعت ثمنها نقدا، هو انتهاء حاجة الولايات المتحدة إلى التحالف الباكستانى، بعد خروج السوفيت من أفغانستان. وفى 22 سبتمبر سنة 2001 (أى بعد هجمات 11 سبتمبر)، وافق الرئيس الأمريكى على تجميد تطبيق تعديل بريسلر على الهند وباكستان، أى أجاز مد الدولتين النوويتين بالأسلحة فى إطار "الحرب ضد الإرهاب". ولكن هذا التجميد لم يؤد إلى تسليم باكستان الطائرات إف 16.
وتعتمد باكستان على منظومة من الصواريخ ذات ثلاثة مكونات، (أ) الصاروخ غزنوى (حتف 3) وهو صاروخ قصير المدى (مداه 290 كيلو مترا) يمكن نقله على الطرق، ويستطيع نقل حمولة متفجرة مقدارها 500 كيلو جرام، (ب) الصاروخ شاهين (1)، (ويطلق عليه أحيانا حتف 4) ومداه 450 كيلو مترا، ويستطيع نقل حمولة متفجرة تصل إلى 1000 كيلو جرام، (ج) الصاروخ غورى (1)، (ويطلق عليه أحيانا حتف 5)، ومداه 1200 كيلو متر، ويستطيع نقل حمولة متفجرة مقدارها 1000 كيلو جرام، (د) الصاروخ شاهين (2)، (ويطلق عليه أحيانا حتف 6)، ومداه 2000 كم، ويستطيع حمل رءوس نووية متعددة(5). يتضح من ذلك أن هناك تكافؤا نسبيا بين الهند وباكستان فيما يتعلق بامتلاكهما للرءوس النووية وأدوات نقلها. كما أنهما تتكافآن تقريبا فى عدم امتلاك أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ، يمكن أن توفر لكل منهما درعا واقية من احتمال الهجوم النووى بالصواريخ والطائرات، ماعدا أن الهند قد طورت نظاما للدفاع الصاروخى باسم "آكاش" (Akash) يشبه نظام باتريوت الأمريكى، وتسعى لشراء نظام متكامل من روسيا من طراز S-300. علاوة على ذلك، تتكافآن فى امتلاك نظام للقيادة والسيطرة على الترسانة النووية، يمكن من خلاله توظيف القدرة النووية فى إطار حرب شاملة. ويوجد لدى الدولتين قيادة موحدة للرقابة والسيطرة على السلاح النووى. ففى فبراير سنة 2003، أنشأت باكستان "سلطة القيادة القومية" برئاسة رئيس الجمهورية ونيابة رئيس الوزراء. وتشرف تلك القيادة على توظيف الأسلحة النووية. وقد قررت تلك القيادة فى 6 يناير سنة 2003 أن يتخذ قرار استعمال السلاح النووى بالإجماع، وألا ينفرد شخص واحد بهذا القرار، بمن فى ذلك رئيس الجمهورية. وفى 4 يناير سنة 2003، أعلنت الهند إنشاء قيادة مماثلة وبالمسمى ذاته.
بيد أن الهند تتفوق على باكستان فى عدة نواح، أهمها امتلاكها لبرنامج فضائى للتجسس بالأقمار الصناعية، تستطيع من خلاله رصد انطلاق الصواريخ والطائرات الباكستانية، فى اتجاه أراضيها، فى حين أن باكستان لا تمتلك برنامجا مماثلا للرصد والإنذار المبكر. من ناحية أخرى، فإن الصواريخ الهندية تصل إلى جميع أنحاء الأراضى الباكستانية. بينما لا تصل الصواريخ الباكستانية إلى كل الأراضى الهندية، وذلك بحكم أن مساحة الهند تبلغ سبعة أمثال مساحة باكستان، وبالتالى، فإن هجوما نوويا باكستانيا مفاجئا قد لا يشل القدرة النووية الهندية، بينما يمكن أن يضعف هجوم نووى هندى مفاجئ القدرة النووية الباكستانية. مما يعنى أن "ميزان الرعب" يميل إلى حد معين إلى صالح الهند. وهو ميزان للرعب بحكم أن باكستان تستطيع إلحاق خسائر جسيمة بالهند فى حالة الحرب النووية بينهما، ولكن ذلك سيكون على حساب وجود باكستان ذاتها.
وقد بلورت الهند وباكستان عقيدتين عسكريتين فيما يتعلق باستخدام القوة النووية. وترجع أهمية التعرف على عناصر كل عقيدة إلى أنها هى التى ستحدد احتمالات المواجهة بين الدولتين. ففى الهند وفى 17 ديسمبر سنة 1999، أصدر "المجلس الاستشارى للأمن القومى" "مسودة وثيقة" إلى الحكومة حول تصور دور القدرة النووية فى الاستراتيجية الهندية الشاملة. ورغم أن تلك المسودة لا تعد وثيقة رسمية، إلا أن قرب واضعيها من عملية اتخاذ القرار، وموافقة لجنة وزارية منبثقة عن مجلس الوزراء عليها فى يناير سنة 2003، جعلا لها حجية بحيث اتخذها الدارسون فيما بعد كتعبير عن العقيدة النووية الهندية. فما هى عناصر العقيدة النووية التى جاءت فى تلك الوثيقة وما تلاها من إضافات؟ أكدت الوثيقة أن القدرة النووية الهندية ينبغى أن تنظم على أساس مفهوم "الحد الأدنى من الردع الفعال"، والمقصود بذلك بناء قوة نووية بشكل يحقق "البقاء" فى مواجهة هجوم مفاجئ، وشن ضربة عقابية سريعة. ويشمل ذلك الصمود أمام الضربة الأولى المفاجئة، وأمام "محاولات استنزافية متعددة"، وشن هجوم مضاد مؤثر على العدو. وهذا هو المفهوم التقليدى لتوازن الرعب، كما تبلور خلال فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، مع إضافة تتعلق بأهمية التفوق العددى فى الرءوس النووية للصمود أمام هجوم من جهات متعددة. ويتحقق ذلك، طبقا للوثيقة، عن طريق توفير أدوات نقل ثلاثية متكاملة تتمثل فى الطائرات، والصواريخ المتحركة المحمولة أرضا، والصواريخ المحمولة فى الغواصات. والهدف من هذا الثلاثى هو عدم تمكين العدو من تدمير قدرة الهند على شن ضربة ثانية مضادة. ومن ثم، فإن العقيدة النووية الهندية تشير إلى بلورة الاستراتيجية النووية على أساس "أسوأ الاحتمالات"، وهو هجوم من دولة كبرى أو من دول إقليمية متعددة. كذلك، تؤكد العقيدة النووية الهندية أهمية "الاستعداد العملياتى" للأسلحة النووية، بحيث يمكن أن تتحول فى أقصر وقت ممكن من الانتشار وقت السلم إلى الاستعمال العملياتى. ولكن الأهم من ذلك هو أنه عندما تمت الموافقة على المسودة فى اللجنة الوزارية، أضافت تلك اللجنة بندا جديدا إلى الوثيقة وافق عليه رئيس الوزراء فيما بعد، يتعلق باستعمال القوة النووية كرد على هجوم بالأسلحة البيولوجية أو الكيمائية. بمعنى آخر، فإن الهند سترد على هجوم بأسلحة دمار شامل غير نووية بالسلاح النووى. وكانت اللجنة التى صاغت الوثيقة قد اعترضت على تضمين هذا البند فى الوثيقة، لأنه من الصعب التفريق بين هجوم بيولوجى، وانتشار وباء معين، ومن الصعب تحديد مصدر الهجوم البيولوجى أو الكيميائى.
أما فيما يتعلق بالعقيدة العسكرية النووية الباكستانية، فإنها لم تعلن فى وثيقة، سواء رسمية أو غير رسمية. ولكن يستفاد من تصريحات المسئولين الباكستانيين أن هناك عقيدة نووية باكستانية موجهة أساسا ضد الهند، باعتبارها الطرف الأهم فى حسابات الأمن القومى الباكستانى. بينما يلاحظ أن العقيدة النووية الهندية موجهة ضد أعداء محتملين متعددين، أحدهم باكستان. وتركز العقيدة النووية الباكستانية على أهمية توفير "الحد الأدنى من الردع" (على غرار الحالة الهندية) مع التركيز على أن هذا الحد يتحقق من خلال تحقيق التوازن مع الهند فى امتلاك الرءوس النووية، والصواريخ الباليستية. ولا يعنى ذلك أن باكستان يجب أن تتساوى عدديا مع الهند فى هذا الميزان، ولكن لا ينبغى أن تكون هناك فجوة فى هذا المجال. وبعكس الحالة الهندية التى أكدت الطابع الثلاثى لأدوات نقل القنابل النووية، فإن العقيدة الباكستانية تركز على أنظمة الصواريخ الأرضية متوسطة المدى مع تحسين الدقة التصويبية لتلك الصواريخ. وتؤكد العقيدة الباكستانية عدم توظيف الصواريخ المضادة للصواريخ، والصواريخ المنطلقة من الغواصات، وتحث دول جنوب آسيا على ذلك. بيد أن الهند تؤكد استعمال الصواريخ المنطلقة من الغواصات، كما أنها قد تعاقدت مع روسيا على شراء أنظمة صواريخ مضادة للصواريخ، مما يهدد قدرة باكستان على شن ضربة ثانية مضادة. وبعكس الحال فى العقيدة النووية الهندية، فإن العقيدة النووية الباكستانية تؤكد التزام باكستان بعدم تجهيز قواتها النووية لكى تكون قابلة للانطلاق العملياتى، أى عدم تحميل الصواريخ والطائرات بالرءوس النووية. ويرتبط بذلك مبدأ آخر هو اعتبار الأسلحة النووية هى أسلحة "الملاذ الأخير"، وهى بذلك تختلف عن العقيدة الهندية التى تشير إلى عدم المبادرة باستخدام السلاح النووى. فالعقيدة الباكستانية تتضمن إمكانية المبادرة باستخدامه، ولكن بشرط استنفاد الأدوات الأخرى. ويؤسس الباكستانيون تلك العقيدة على أساس أن الهند لا تعتقد حقيقة فى عدم المبادرة باستخدام السلاح النووى، بدليل أنها رفضت العرض الصينى بالتعهد المشترك بذلك. وقد حدد الجنرال خالد كدوانى، المدير العام بقسم الخطط الاستراتيجية فى هيئة أركان الحرب الباكستانية - فى تصريحات له فى يناير سنة 2002 - أربع حالات يمكن أن تبادئ فيها باكستان باستخدام السلاح النووى، وهى أن تهاجم الهند باكستان وتحتل جزءا كبيرا من أراضيها، أو أن تدمر الهند جزءا كبيرا من القوات البرية أو الجوية الباكستانية، أو أن تقوم الهند بمحاولة خنق باكستان اقتصاديا، أو أن تمارس الهند ضغوطا لضرب الاستقرار السياسى فى باكستان أو خلق فتن داخلية. ويعنى ذلك أن باكستان قد تبدأ باستعمال السلاح النووى، ردا على سلوك اقتصادى أو سياسى تقوم به الهند، كما أنها قد تستعمله ردا على هجوم نووى أو تقليدى شامل. وفى كل الحالات، لا تستبعد باكستان المبادرة باستعمال السلاح النووى. من ناحية أخرى، تؤيد باكستان المناطق الخالية من السلاح النووى التى أنشئت فى مناطق مختلفة من العالم، مثل أمريكا اللاتينية وإفريقيا وجنوب شرقى آسيا، وتتعهد بعدم استعمال سلاحها النووى فى تلك المناطق، كما تؤيد باكستان إنشاء منطقة خالية من السلاح النووى فى جنوب آسيا، وهو الأمر الذى تعارضه الهند، ما لم يكن ذلك فى إطار عالمى.

ويمكن تفسير هذا الميل فى العقيدة النووية الباكستانية إلى احتمال المبادأة باستخدام السلاح النووى بمحدودية القدرات التقليدية الباكستانية مقارنة بالقدرات الهندية. ويلاحظ هنا أن جميع المدن ومواقع المفاعلات الباكستانية تقع فى مرمى الصواريخ والطائرات الهندية، بينما تقع المفاعلات النووية الهندية فى الجنوب خارج مرمى الصواريخ الباكستانية. وهو ما يجعل التوازن النووى الهندى - الباكستانى أكثر ميلا لصالح الهند، ويدعو باكستان إلى التمسك ببديل المبادأة، بل ورفض نزع السلاح النووى الباكستانى، حتى ولو فعلت الهند ذلك.
إلى أى حد أثر التوازن النووى الهندى - الباكستانى على احتمالات الحرب والسلام بين الدولتين؟ وإلى أى حد أثر على عملية التنمية فى الدولتين؟ للإجابة على السؤال الأول، ينبغى أن نتذكر ما حدث فى جنوبى آسيا بعد التفجيرات النووية الهندية. فقد خرجت من المسئولين الهنود تصريحات ذات طابع تهديدى لباكستان. ففى 18 مايو 1998، صرح أدفانى، وزير الداخلية الهندى آنذاك، بأن الهند ستتبنى موقفا حادا حول كشمير، وأنه على إسلام أباد أن تدرك الموقف الجيواستراتيجى فى الإقليم، وتتراجع عن سياستها المعادية للهند، خصوصا فيما يتعلق بكشمير. وأضاف "أن الخطوة الحاسمة التى اتخذتها الهند بأن تكون دولة تمتلك السلاح النووى، قد أنتجت مرحلة كيفية جديدة فى العلاقات الهندية - الباكستانية. فهذه الخطوة تشير إلى تصميم الهند على التعامل بصلابة وقوة مع خطط باكستان وأنشطتها فى كشمير"، كذلك، حذر مادان خورانا، وزير الشئون البرلمانية، باكستان من "حرب رابعة" فى تصريح له فى 21 مايو من العام نفسه، قائلا، "إذا أرادت باكستان أن تخوض حربا أخرى معنا، فعليها أن تخطرنا بالمكان والزمان، حيث إننا مستعدون لها". وأضاف أنه: "على باكستان أن تفكر فى أن الهند هى من القوى النووية فى العالم، وأن نوايانا السلمية ينبغى ألا تؤخذ على أنها من المسلمات". وأضاف شارما، نائب رئيس حزب بهاراتيا جاناتا، أن الهند ستغير استراتيجيتها من استراتيجية رد الفعل إلى استراتيجية الفعل.
فى الوقت ذاته، ظهرت مدرستان فى باكستان حول الرد على السلوك الهندى. رأى أنصار المدرسة الأولى ضرورة التريث فى الرد عليها من خلال تفجيرات نووية مماثلة، وذلك للاستفادة من المعونات الدولية التى ستتدفق على إسلام أباد، نتيجة عدم ردها، مع الاستمرار فى حالة الغموض النووى. أما أنصار المدرسة الثانية، فرأوا أن عدم الرد سيشجع الهند على ممارسة الضغوط السياسية والعسكرية على باكستان، وسيعطيها فرصة الانفراد بالإشهار النووى، وما يتبع ذلك من نتائج دولية، فضلا عن أنه يضعف الروح المعنوية للباكستانيين. وقد انتصر أنصار المدرسة الثانية، رغم الضغوط التى مارسها الرئيس كلينتون على رئيس الوزراء الباكستانى، آنذاك، نواز شريف. وكان من عوامل هذا الانتصار هو التصريحات الهندية التى أشرنا إليها. وقد كرست المدرسة الثانية شرعيتها بعد التغير الكيفى فى تصريحات المسئولين الهنود عقب التفجيرات النووية الباكستانية. فقد تحدث رئيس الوزراء الهندى "فاجباى"، مشيرا إلى رغبته فى التفاوض مع باكستان والصين لحل مشكلات الحدود وتحسين العلاقات، كما تراجع "أدفانى" عن تصريحاته التهديدية، وقدم عرضا بالتعاون. ويرجع ذلك بالأساس إلى أن إشهار باكستان امتلاكها للسلاح النووى قد استعاد التوازن الذى كان قد تحطم بعد 11 مايو وقبل 28 مايو 1998. كما أن امتلاك القنبلة النووية وأدوات نقلها رفع من سقف الخسائر المحتملة فى حالة نشوب الحرب. وقد قدر "روبرت باوتشر" أنه فى حالة نشوب حرب نووية بين الهند وباكستان، فإن الأولى ستفقد نحو 70 مليون شخص، بينما تفقد الثانية نحو 36 مليون شخص.
وقد تأكد الأثر الإيجابى لهذا التوازن على السلام بين باكستان فى عدة أزمات، أهمها أزمة كارجيل 1999، وأزمة الهجوم على البرلمان الهندى عام 2001، وأزمة الهجوم على مدينة بومباى فى سنة 2008. ففى الحالات الثلاث، مارست الدولتان ضبط النفس، واستجابتا للضغوط الدولية لوقف التصعيد، خوفا من نشوب حرب نووية فى جنوبى آسيا. وفى تقديرنا، فإنه بدون التوازن النووى، فإن أيا من هاتين الأزمتين كان يمكن أن تؤدى إلى حرب رابعة بين الهند وباكستان. أما عن مدى تأثير تطوير القدرات النووية على عملية التنمية فى الدولتين، فلا يمكن تقديم إجابة قاطعة على هذا السؤال. فمن ناحية، فإن البرنامجين النوويين للدولتين اتسما بقدر كبير من الاعتماد على الذات فى تصنيع المفاعلات وآلات الطرد المركزى للتخصيب، والصواريخ، أى أنهما أسفرا عن إقامة صناعة نووية لابد أنه كانت لها آثار إيجابية على مجمل عملية التصنيع فى الهند وباكستان. هذا بخلاف الحال فى الدول التى تشترى المفاعلات بنظام "تسليم المفتاح"، إذ لا يكون للبرنامج النووى فى تلك الحالة آثار إيجابية على الصناعة المدنية. ومن ثم، كان للعامل النووى "أثر مضاعف" على مجال البحث والتطوير والصناعة فى الهند وباكستان. ولكن يمكن أن نشير، من ناحية أخرى، إلى أن هذا الأثر الإيجابى هو أثر فى المدى البعيد. أما فى المدى القصير، فإن الإنفاق النووى يمثل اقتطاعا من الموارد التى كان يمكن توجيهها لصالح ملايين الفقراء فى الدولتين، حيث لا يزال نحو 35% من سكان الدولتين يعيشون تحت خطر الفقر(20).
سباق التسلح الهندى - الباكستانى:
اختلف المراقبون لسياسات التسلح الهندية - الباكستانية حول ما إذا كان هناك سباق للتسلح بين الدولتين أم لا. فبينما يرى الجنرال أسلم بيج، رئيس مؤسسة فريندز الباكستانية (ورئيس أركان الجيش الباكستانى السابق) أن هناك سباقا للتسلح، حيث تسعى باكستان لمواكبة الإنفاق العسكرى الهندى، فإن الجنرال جازيت سينج، رئيس معهد تحليلات وبحوث الدفاع الهندى السابق، يرى أنه لا يوجد سباق للتسلح بين الهند وباكستان، لأنه خلال الفترة من سنة 1985 وحتى سنة 1995، ثبتت باكستان معدل الإنفاق العسكرى عند 7% من ناتجها القومى، بينما خفضت الهند هذا الإنفاق من 3.6% إلى 2.7%(21).
إن هذا الاختلاف ما لبث أن تلاشى ابتداء من مايو سنة 1998، حين قامت الحكومة الهندية بإجراء تفجيرات نووية أعقبتها باكستان بتفجيرات مماثلة، مما دشن عملية جديدة من سباق التسلح بين الهند وباكستان. وطبقا لإحصاءات سنة 2000، بلغ حجم الإنفاق العسكرى الباكستانى 3.5 مليار دولار (5.7% من الناتج المحلى الإجمالى)، بينما بلغ حجم الإنفاق العسكرى الهندى 14 مليار دولار (3.2% من الناتج المحلى الإجمالى). وكانت الهند قد أعلنت سنة 2000 أنها ستزيد إنفاقها العسكرى بنسبة 28%، أى أنه وصل فى سنة 2001 إلى نحو 18.2 مليار دولار. كما أعلنت فى فبراير سنة 2001 أنها ستزيد إنفاقها العسكرى مرة ثانية بنسبة 14% خلال ميزانية 2001/ 2002. ولكن باكستان ردت فى الشهر التالى بأنها قد قررت تجميد إنفاقها العسكرى الحقيقى للسنوات الأربع القادمة، وذلك تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، ولأن باكستان شعرت بأن الهند تحاول دفعها إلى سباق للتسلح يؤدى إلى انهيار اقتصادها. ولكن بعد تصاعد المواجهة الهندية - الباكستانية، ابتداء من ديسمبر سنة 2001، قررت باكستان فى يونيو سنة 2002 أن تزيد من إنفاقها العسكرى فى ميزانية 2002/ 2003.
من ناحية أخرى، أعلنت حكومة مشرف فى 21 أكتوبر سنة 1999 قرارها بسحب القوات الباكستانية من منطقة الحدود الدولية مع الهند كبادرة حسن نية تجاه الهند. كذلك، عرضت حكومة الجنرال مشرف على الهند فى فبراير سنة 2000 الدخول فى حوار حول كشمير. ولكن الهند قدمت ثلاثة شروط هى: التزام باكستان باحترام خط السيطرة، وعدم طلب وسطاء دوليين لحل النزاع، والتوقف عن مساعدة الحركات الكشميرية أو القيام بالدعاية المضادة للهند. وفيما بعد، قدمت الهند شرطا رابعا هو أن توافق باكستان على مناقشة القضايا الثمانى الأساسية المتفق عليها فى مؤتمر قمة لاهور فى أن واحد. من ناحيتها، فقد أعلنت باكستان - على لسان وزير خارجيتها عبد الستار - بأنها ملتزمة بإعلان واشنطن الصادر عقب أحداث كارجيل بعد اجتماع القمة بين الرئيس كلينتون، ورئيس الوزراء نواز شريف، وطالبت بالعودة إلى صيغة إعلان لاهور. كذلك، أعلنت سحب قواتها المرابضة على خط السيطرة. ومن الواضح أن باكستان أرادت بذلك تقديم ما يوازى المبادرات الدبلوماسية الهندية (وقف إطلاق النار) حتى تفوت على الهند سعيها للظهور باعتبارها قوة السلام الوحيدة فى جنوبى آسيا.
اتخذت مشكلة كشمير بعد أحداث 11 سبتمبر منحى جديدا. فقد سعت الهند إلى توظيف "الحملة الأمريكية ضد الإرهاب" لتصفية مشكلة كشمير من خلال وضع منظمات المقاومة الكشميرية على لائحة المنظمات الإرهابية التى تسعى الولايات المتحدة إلى تصفيتها. وقد تعاطفت الولايات المتحدة مع هذا المسعى، حين أعلن سفيرها فى دلهى فى 24 نوفمبر سنة 2001 أن الولايات المتحدة ستسعى إلى تصفية المنظمات الكشميرية بعد الانتهاء من حملتها الأفغانية. ومن ثم، فقد اتفقت الهند والولايات المتحدة على الهدف، ولكنهما اختلفتا حول توقيت تنفيذه. فبينما رأت الولايات المتحدة تأجيل الملف الكشميرى إلى ما بعد انتهاء حربها فى أفغانستان (حتى لا يفسد فتح هذا الملف علاقاتها مع باكستان) فإن الهند رأت أنه من المهم فتح الملف على الفور، لأن الولايات المتحدة لم تقدم ضمانا بالعمل المشترك مع الهند ضد المنظمات الكشميرية. ولهذا، استغلت الهند حادث الهجوم على البرلمان الهندى فى 13 ديسمبر سنة 2001، واتهمت منظمات المقاومة الكشميرية بتدبير الهجوم، واتهمت باكستان بمساندة وإيواء الهاجمين. وقامت الهند بحشد قواتها على خط السيطرة فى كشمير وعلى طول حدودها مع باكستان، وقامت الأخيرة بتعبئة مماثلة، مما أدى بالتالى إلى أكبر حشد عسكرى على خطوط التماس الهندية - الباكستانية منذ إنشاء الدولتين. وتحت ضغط غربى، قام الرئيس الباكستانى بالضغط على المنظمات المتمركزة فى باكستان لوقف عملياتها فى كشمير التابعة للهند، وتم إلقاء القبض على كثير من عناصر تلك المنظمات، وأهمها جيش محمد(23). جاءت أزمة الهجوم المسلح على مدينة بومباى فى 26-28 نوفمبر سنة 2008 لتزيد التوتر بين الدولتين. فقد احتجت الهند بأن المهاجمين أتوا من باكستان، وطالبت باكستان بالقبض على بعض العناصر المتورطة فى الهجوم وبتصفية الجماعات الضالعة فيه، وهى جماعة لشكر طيبة وجماعة الدعوة. وقد استجابت باكستان للضغوط الهندية - الأمريكية، وهو الأمر الذى لم يكن كافيا بالنسبة للهند. وفى مرحلة لاحقة، وابتداء من يونيو سنة 2009، بدأت حكومة زردارى فى باكستان فى حملة شاملة لتصفية جميع حركات المعارضة أو المقاومة المسلحة، وفى مقدمتها حركة طالبان. وجاء لقاء رئيس الوزراء الهندى والرئيس الباكستانى فى روسيا على هامش اجتماعات منظمة شنغهاى للتعاون ليشير إلى استمرار الهند فى فرض الضغوط على باكستان مع تجميد القضية الكشميرية.
ومن الملاحظ أن مشكلة كشمير قد تصاعدت من داخل الولاية فى الوقت ذاته الذى التقى فيه زردارى وسينج فى روسيا، على أثر ممارسات قوات الأمن الهندية التى اتهمت بارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان ضد مسلمى الولاية.
ضعف التعاون الإقليمى فى جنوبى آسيا:
يعتبر التعاون الإقليمى فى جنوبى آسيا من أضعف أشكال التعاون الإقليمى فى العالم. ففى سنة 1985، تم إنشاء "رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمى" (السارك)، وذلك بموجب الميثاق الموقع عليه من رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء المنعقد فى بنجلاديش فى 7-8 ديسمبر سنة 1985. وقد حددت اتفاقية سنة 1985 أن أهداف السارك تتعلق بالتنمية ودعم الثقة والتعاون بين الدول الأعضاء، وأن المنظمة تقوم على أساس مبادئ المساواة بين الدول الأعضاء، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، والالتزام بمبادئ عدم الانحياز، والإجماع فى اتخاذ القرارات، واستبعاد القضايا الخلافية والثنائية من أعمال المنظمة. والمبدأ الأخير أصرت عليه الهند لاستبعاد قضية كشمير من النقاش فى المنظمة. وللسارك أجهزة تنظيمية، أهمها مؤتمر القمة، ومؤتمر وزراء الخارجية، والأمانة العامة، ومقرها فى كاتماندو فى نيبال. وقد ركزت السارك على رفع التعاون الاقتصادى بين الدول الأعضاء ومواجهة مشكلات الفقر.
بيد أن السارك لم تنجح فى تحقيق الأهداف المحددة، نظرا للخلافات السياسية العميقة بين الدول الثلاث الكبرى فى السارك وهى الهند، وباكستان، وبنجلاديش، ولعدم التكافؤ الشديد بين الدول الأعضاء، وتخوف معظمها من الهيمنة التجارية الهندية، إذا تم فتح الحدود أمام التجارة الحرة بين دول الإقليم. وكثيرا ما كان السارك مسرحا للخلافات بين الدول الأعضاء، خاصة الهند وباكستان، أكثر مما كان مسرحا لتسوية الخلافات بينها(24).
التهديدات الأمنية الجديدة فى جنوبى آسيا:
ظهرت فى جنوبى آسيا خلال السنوات العشر الأخيرة تهديدات أمنية غير تقليدية، لعل أهمها انتشار الأسلحة الصغيرة، وتجارة المخدرات، والإرهاب، وانتشار مرض الإيدز بشكل وبائى.
فيما يتعلق بالأسلحة الصغيرة، يقدر أن هناك نحو 7.7 مليون قطعة سلاح من طرازAK-47 فى دول جنوبى آسيا، وأنه إذا أضيف إليها كل أنواع الأسلحة الخفيفة الأخرى، فإن الرقم قد يصل إلى أربعة أمثال هذا العدد. وتنتشر هذه الأسلحة فى مختلف أنحاء جنوبى آسيا، وتستعملها الجماعات المقاتلة، خاصة الانفصالية، كما هو الحال فى كشمير، وسيريلانكا، وبنجلاديش، ولكنها تتمركز بالأساس فى شمال الإقليم الممتد عبر أفغانستان وباكستان حتى بنجلاديش(25). ويأتى معظم تلك الأسلحة من خلال الصناعات المحلية التى تتمركز فى بعض دول جنوبى آسيا، خاصة فى باكستان، ومن خلال الشراء من السوق الدولية(26). وقد أدى انتشار تلك الأسلحة إلى تغذية كثير من الصراعات العرقية الانفصالية فى جنوبى آسيا. ذلك أن معظم الحركات الانفصالية مسلحة إلى حد كبير بكثير من أنواع الأسلحة الخفيفة التى استطاعت من خلالها أن تحقق انتصارات على القوات النظامية. وتعتبر الهند وسيريلانكا من أكثر دول جنوبى آسيا تضررا من تلك الأسلحة، مما دعا المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية فى كولومبو إلى عقد مؤتمر إقليمى سنة 1999 لمناقشة تلك القضية بدعم من الأمم المتحدة وإصدار كتاب خاص عن الموضوع(27). من ناحية ثانية، تنتشر فى جنوبى آسيا زراعة وتجارة وتهريب المخدرات، خاصة الهيروين والأفيون، فى المنطقة الممتدة بين إيران وباكستان والهند عبر أفغانستان، حيث تنتج هذه المنطقة نحو 1500 طن مترى سنويا من الهيروين، ونحو 1250 طن مترى سنويا من الأفيون. وتتركز تلك الزراعة فى أفغانستان، نتيجة ضعف السلطة المركزية، واستعمال بعض الجماعات المسلحة لتجارة المخدرات لتمويل أنشطتها الأخرى. ويتم تهريب المخدرات من تلك المنطقة إلى نقاط العبور فى جنوبى آسيا، ومنها إلى أوروبا والشرق الأوسط، والولايات المتحدة. هذا بالإضافة إلى استهلاك المخدرات محليا وعلى نطاق واسع، مما أدى إلى مشكلات اجتماعية ضخمة(28).
من ناحية ثالثة، أصبحت منطقة جنوبى آسيا مسرحا للعديد من الحركات الإرهابية. ذلك أن العديد من الحركات الانفصالية، والطائفية، والأصولية، لجأت إلى استعمال أساليب الاغتيال السياسى، ومهاجمة المدنيين كأداة لترويع السلطات والسكان المحليين للاستجابة لمطالبهم، وذلك فى ظل وفرة الأسلحة الصغيرة فى جنوبى آسيا.
وأخيرا، فإن منطقة جنوبى آسيا تواجه بتهديد أمنى جديد يتمثل فى انتشار مرض الإيدز، ويقدر أن هناك 80 مليون مصاب بالإيدز فى آسيا، منهم نحو 37 مليون فى الهند وحدها، حسب إحصاءات الأمم المتحدة. وتقدر جريدة "آسيان إيج الهندية" عدد المصابين بالإيدز فى الهند بنحو 34 مليون شخص(29). بينما تقدرهم مصادر أخرى بنحو 5% من السكان البالغين(30). ويهدد انتشار الإيدز فى جنوبى آسيا كل ما حققته تلك الدول من تنمية اقتصادية فى ضوء احتياج مريض الإيدز إلى أساليب متنوعة للعلاج. ويقدر أن تكلفة علاج مريض الإيدز الواحد تزيد على ما ينفق على تعليم عشرة تلاميذ فى المرحلة الابتدائية. كما يؤدى إلى انخفاض متوسط العمر المتوقع، وتهديد النسيج الاجتماعى للدول فى جنوبى آسيا. ولا تزال الجهود المبذولة لمنع انتشار الإيدز فى جنوبى آسيا وعلاج المصابين به فى مراحلها الأولية، مما ينذر بأن تلقى بعض المناطق فى جنوبى آسيا المصير المظلم الذى تلقاه حاليا بعض الدول الإفريقية الجنوبية التى يكاد ينقرض سكانها بسبب الإيدز.


تصاعد العنف الأصولى والطائفى والأيديولوجى فى جنوبى آسيا:
تشهد منطقة جنوبى آسيا تصاعدا مستمرا فى قوة ثلاثة تيارات أساسية هى: تيار الأصولية الدينية، وتيار الانفصال الإقليمى، وتيار الأيديولوجية الماوية. وتشترك تلك التيارات فى ميلها إلى توظيف العنف السياسى والمسلح لتحقيق أهدافها. ولم تقتصر هذه الظاهرة على دولة بعينها أو دين بعينه، وإنما امتدت لتشمل معظم دول المنطقة، كما أنها نشأت لدى التيارات الدينية المختلفة فى المنطقة، الإسلام، والهندوسية، والبوذية على السواء.
ففى الهند، تصاعد تيار الأصولية الهندوسية، الذى أسفر عن وصول حزب بهاراتيا جاناتا بزعامة فاجباى إلى السلطة سنة 1998، وتكريس وجوده فى السلطة فى انتخابات سنة 1999، على أساس برنامج سياسى أساسه إضفاء الطابع الهندوسى على الهند، وهو ما تمثل فى تغيير بعض أسماء المدن الهندية الكبرى ذات الأسماء المشتقة من حقبة الحكم المغولى الإسلامى للهند (مثل تغيير اسم مدينة مدراس إلى شيناى، واسم مدينة بومباى إلى مومباى، واسم مدينة كالكتا إلى كولكاتا). وقد تمثل ذلك من خلال صعود حركةRashtriya Sawayumseuakh Sang (RSS) الأصولية الهندوسية. وقد نظمت الحركة فى سبتمبر سنة 2000 اجتماعا جماهيريا حضره 75 ألفا من أنصارها. وفى هذا الاجتماع، دعت قيادة الحركة إلى تطبيق سياسة "النقاء الثقافى" الهندوسى وتجريد الأقليات من ميراثها الثقافى(31). كذلك، فقد شهدت الهند صعودا فى الدور السياسى - العسكرى لحركة "شيف سينا" الأصولية الهندوسية، وهى حركة تؤمن بفلسفة هندوتفا، أى إضفاء الطابع الهندوسى على الهند، وهى تحكم فى ولاية مهاراشترا منذ سنة 1995(32). هذا بالإضافة إلى حركة Vishwa Hindu Parishad (VHP) التى ارتكبت المذابح ضد المسلمين فى ولاية جوجرات فى فبراير - مارس سنة 2000، والتى قتل فيها 2000 مسلم هندى، وتم تشريد 150 ألفا منهم.
كذلك، تجددت فى الهند المناظرة حول الدور الذى قام به حزب بهاراتيا جاناتا فى تدمير المسجد البابرى فى ايوديا، وذلك حين أعلن رئيس الوزراء فاجباى فى ديسمبر سنة 2000، "أن تدمير المسجد البابرى هو مهمة وطنية لم تنته بعد". وقد دعا ذلك المعارضة الهندية إلى المطالبة باستقالته مع وزراء حكومة الهند الممثلين للحزب، والذين كانوا ضالعين فى عملية تدمير المسجد لبناء معبد هندوسى على أنقاضه، وفى مقدمتهم الزعيم الحالى لحزب بهاراتيا جانتا، أدفانى. ومثلما كان بعض أعضاء حزب بهاراتيا جاناتا ضالعين فى عملية تدمير المسجد البابرى، فإن أعضاء حكومة حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم فى ولاية جوجرات شجعوا ودعموا مذابح حركة فيشوا هندو باريشاد ضد مسلمى الولاية(33).
ولا تقتصر الصحوة الأصولية الدينية والطائفية على الهندوسية، ولكنها تشمل الديانات الأخرى، وأبرزها السيخ، حيث يقودون حركة انفصالية فى البنجاب بزعامة حزب آكالى دال Akali Dal(34).
من ناحية أخرى، تصاعدت الحركات الانفصالية فى الهند، حيث تدور حاليا عدة صراعات انفصالية فى الأقاليم الشمالية الشرقية، وجامو وكشمير. ففى الأقاليم الشمالية الشرقية، تدور فى ولايات آسام والبنغال الغربية، وناجالاند، ومانيبور، وميزورام، صراعات انفصالية، هذا بالإضافة إلى الصراع الانفصالى فى البنجاب(35). ومن ضمن هذه الصراعات التى تصاعدت بحدة الصراع فى ولاية آسام. ففى تلك الولاية، تصاعد العنف بين حكومة آسام والجبهة المتحدة لتحرير "آسام"، و"الجبهة الديمقراطية الوطنية لبودولاند". وكلتاهما تعمل منذ أوائل الثمانينيات من أجل استقلال ولاية آسام عن الهند، وتقدر قوات الجبهتين بنحو ستة آلاف مقاتل. ومنذ بدء الصراع، لقى نحو عشرة آلاف شخص مصرعه فى القتال بين الجبهتين وحكومة آسام. ويدور النزاع حول عدم رضاء قادة الجبهتين عن الأوضاع الاقتصادية فى الولاية، رغم ثرائها فى النفط والغاز الطبيعى، والفحم، والشاى. وقد قامت الجبهتان بمحاولة شل اقتصاد آسام عن طريق نسف خطوط النفط والكبارى، واغتيال كبار الشخصيات الهندية فى آسام. وتتهم الهند حكومة بنجلاديش بإيواء عناصر الجبهة المتحدة لتحرير آسام والسماح لهم بالاستثمار فى بنجلاديش لتمويل الانفصال، كما تتهم حكومة باكستان بأنها ضالعة فى تسليح عناصر الجبهة عن طريق نيبال وبنجلاديش. وتتعاون حكومتا ميانمار ونيبال مع الهند للحد من قوة الحركة الانفصالية فى آسام. وقد بدأت محادثات سلام بين الحكومة والجبهة، ما لبثت أن انهارت فى سنة 2006، لأن الجبهة طالبت بمغادرة الهندوس والبنغال الولاية، ثم استقلالها فيما بعد، علما بأن الآساميين لا يشكلون أكثر من ثلث السكان. وفى مايو سنة 2009، هاجمت قوات الجبهة المتحدة أهدافا حكومية فى ولاية آسام أسفرت عن مصرع 64 شخصا وإصابة 3000. ولا شك فى أن حركة انفصال آسام تعد هى الأخطر حاليا فى الهند بعد تراجع قضية كشمير. وهناك أيضا الأقليات العرقية التى ليست لها مطالب انفصالية أو أصولية، ولكنها تنادى فقط بالمساواة وتحسين مستوى المعيشة. وأبرز هؤلاء حاليا هم طائفة الجودجر Gujjars الذين يتمركزون فى راجستان، ويدعون أن هناك تمييزا طائفيا ضدهم. وقد قاموا فى مايو سنة 2008 بمهاجمة ضواحى دلهى، وإغلاق الطرق، وإشعال النيران فى إطارات السيارات، مطالبين بتحسين أحوالهم. كذلك هناك الجماعات الأيديولوجية التى ليست لها مطالب انفصالية، ولكنها ترفع شعارات سياسية لبناء نظام اقتصادى مختلف. ولعل أهم هؤلاء هو الائتلاف العريض المسمى "الناكسلايت". وهو اسم يضم عددا من الجماعات الشيوعية الماوية التى نشأت فى سياق النزاع الصينى - السوفيتى، منحازة إلى الجانب الصينى وأيديولوجية الرئيس الصينى آنذاك ماوتسى تونج.
وقد تصاعد تأثيرها بعد نهاية الحرب الباردة، كما أنها تتمركز بالأساس فى ولاية البنغال الغربية، خاصة فى المنطقة المعروفة باسم "حزام ناكسال." وتضم تلك الجماعات، وفى مقدمتها الحزب الشيوعى للهند (الماوى)، نحو 20000 مقاتل يسعون إلى تطبيق النموذج الماوى فى عدد من الولايات. وفى ديسمبر سنة 2007، قال رئيس الوزراء سينج أن تلك الحركة تشكل أكبر خطر على الأمن القومى الهندى. وتشن حكومة الهند حاليا حملة شاملة للقضاء عليهم(36).
وفى باكستان، تتعدد الجماعات الإسلامية على مختلف أشكالها، فهناك الجماعات الأيديولوجية، مثل الجماعة الإسلامية بزعامة القاضى حسين أحمد، وجمعية علماء الإسلام بزعامة مولانا فضل الرحمن، والجماعات الكفاحية مثل حزب المجاهدين، ولشكر طيبة، وخاتم النبوة، والجماعات التى تركز على الدعوة مثل أهل الحديث، وجماعة التبليغ. وتستمد هذه الجماعات قوتها من نشأة باكستان كدولة إسلامية من ناحية، كما ازدادت قوتها بعد الحرب الأفغانية منذ الغزو السوفيتى لأفغانستان سنة 1979 وحتى الآن من ناحية أخرى. وقد ساعدت هذه الجماعات (خاصة جمعية علماء الإسلام) حركة طالبان فى أفغانستان، كما أنها تدعم جماعات المجاهدين فى كشمير ضد الهند، وتدفع بمقاتليها داخل كشمير للقتال ضد القوات الهندية(37). وتعمل تلك الجماعات على مزيد من "أسلمة المجتمع الباكستانى"، كما أنها دخلت فى صراعات مع الجماعات الإسلامية الشيعية فى باكستان. ومن أهم الشواهد على الصعود الداخلى لتلك الجماعات فى باكستان هو ما قامت به حركة "انسداد المنكرات" فى كراتشى فى أبريل سنة 2000 من حرق لأجهزة التليفزيون والفيديو، على أساس أنها تؤدى إلى نشر المنكر فى المجتمع الباكستانى، ودعت كل الباكستانيين إلى عمل الشىء ذاته. مع مجىء نظام برويز مشرف إلى السلطة فى 12 أكتوبر سنة 1999، بدأت الجماعات الإسلامية فى محاولة الضغط من أجل مزيد من "أسلمة" المجتمع الباكستانى. ذلك أن النظام الجديد أعلن أنه يسعى إلى بناء دولة علمانية فى باكستان، وهو ما أكده وزير الداخلية، منيع الدين حيدر، فى تصريح له فى 9 يونيو سنة 2000. وكان مشرف قد أعلن إعجابه بالنموذج الأتاتوركى لبناء الدولة. ولهذا حشدت الجماعات الإسلامية قواها لمنع هذا التوجه النظام العسكرى. كما اتجهت الجماعات الأصولية السنية إلى استعمال العنف السياسى فى الداخل ضد المؤسسات الدينية الشعبية وضد الكنائس المسيحية، وازداد هذا التوجه بعد أحداث 11 سبتمبر سنة 2001.
أما فيما يتعلق بالحركات الانفصالية فى باكستان، فهى تتمركز فى إقليم السند. وفى سنة 2000، عقد "تحالف حركة الأمم المضطهدة فى باكستان" بزعامة سرداد عطا الله اجتماعا فى لندن فى 18 سبتمبر سنة 2000. ويضم التحالف مجموعة الحركات المناوئة للسلطة المركزية فى باكستان، وأهمها حزب بالوشتان القومى، وحزب عوامى للبشتون، وحركة المجاهدين. وفى الاجتماع، تحدث ألطاف حسين، زعيم حركة متحدى قوامى التى تضم المهاجرين المسلمين إلى باكستان. ويعتقد المهاجرون أن المجتمع الباكستانى يميز ضدهم. وقد أشار حسين إلى الاضطهاد الموجه ضد المهاجرين وإلى أن الحركة لا تسعى إلى تقسيم باكستان، ولكن التقسيم إذا حدث فسيكون ثمرة لسلوك البنجابيين. وأضاف ألطاف حسين أن باكستان تغرق مثل السفينة تيتانيك، بهدوء، ولكنها تغرق. ويرى ألطاف حسين أن تقسيم الهند سنة 1947 كان "أكبر خطأ فى تاريخ البشرية"(38).
أدت أحداث 11 سبتمبر إلى صعود مؤقت لتيار الأصولية الهندوسية، والأصولية الإسلامية، أعقبته انتكاسات قوية. ذلك أن الولايات المتحدة والهند ضغطتا على الرئيس مشرف لكى يقلل من أنشطة تلك الحركات، خاصة بعد أن عارضت الغزو الأمريكى لأفغانستان، لاسيما أن الهند هددت بالحرب ضد باكستان، إذا لم توقف تسلل العناصر المسلحة التابعة لحركات المقاومة الكشميرية المتمركزة فى باكستان، إلى داخل كشمير التابعة للهند. وهكذا، تم إلقاء القبض على العديد من قيادات الحركات الأصولية الإسلامية فى باكستان. بيد أن الحركات الأصولية الإسلامية استعادت نفوذها مؤقتا. ففى الانتخابات التشريعية التى أجريت فى أكتوبر سنة 2002، حل "مجلس العمل الموحد" الذى يضم ستة أحزاب إسلامية أصولية فى المرتبة الثالثة فى الجمعية الوطنية، ولكنه ما لبث أن خسر كل تلك المكاسب فى الانتخابات البرلمانية سنة 2008. إذ لم يحصل هذا التحالف سوى على 2.2% من الأصوات، مما أعطاه ستة مقاعد من أصل 336 مقعدا. كما تقوم حكومة زردارى حاليا بحملة عسكرية شاملة لتصفية الحركات الأصولية، خاصة فى المناطق الشمالية الغربية. كذلك، فقد صعد التيار الهندوسى محاولا استثمار الحملة الأمريكية ضد الإرهاب، ومارس ضغوطا لتوجيه ضربة نهائية إلى المقاومة الكشميرية، وإعلان التوجه الهندوسى الكامل للدولة. ولكن هذا التيار تلقى ضربة قوية بخسارته الانتخابات البرلمانية سنة 2004 ووصول حزب المؤتمر للسلطة. وفى انتخابات سنة 2009، تلقى ضربة أخرى بخسارته - تحت لواء زعيمه الأصولى المتطرف أدفانى- تلك الانتخابات فى أكبر خسارة عرفها الحزب. ومن ثم، يبدو أن التيارات الأصولية فى الهند وباكستان فى طريقها لتراجع استراتيجى شامل.
وقد أصدر الرئيس زردارى بالفعل قانونا يتيح تطبيق الشريعة فى وادى سوات. ولكن الولايات المتحدة اعتبرت أن الاتفاق هو بمثابة استسلام لطالبان وأكدت أولوية المواجهة المسلحة بين الباكستانيين. وإزاء ذلك، استأنفت حكومة جيلانى القصف المسلح لإقليم وادى سوات. واعتبر صوفى محمد القصف بمثابة إلغاء لاتفاق فبراير، مما برر إعلان جيلانى فى مايو إلغاءه أيضا وبدء حملة عسكرية فى وادى سوات للقضاء على "الإرهابيين"، و"استعادة هيبة الدولة". وقد استعملت القوات الباكستانية طائرات إف-16 الأمريكية لضرب الباكستانيين فى وادى سوات، مما أدى إلى تشريد نحو نصف مليون باكستانى فى منطقتى بونير وباجور، وسقوط المئات من المدنيين ومن طالبان والجيش الباكستانى. ولا تزال المعارك تدور فى وادى سوات حتى كتابة هذا البحث.

وفى الهند، تكرر السيناريو ذاته بالحملة الشاملة التى تقودها الحكومة ضد عناصر الناكيسلات من الشيوعيين الماويين فى ولاية البنغال الغربية. وقد أعلنت الحكومة أنها لن تتوقف حتى تتم تصفية تلك العناصر فيما يبدو أنه اقتداء بالنموذجين السيريلانكى والباكستانى. ولكن تواجه الهند صعوبة خاصة فى هذا الشأن، أهمها أن الحكومة النيبالية هى حكومة للشيوعيين الماويين، وهم يتعاطفون إلى حد بعيد مع نظرائهم فى الهند، ولا يستبعد أن يوفروا لهم الملجأ من الحملة الهندية.
المعضلات الاقتصادية فى جنوبى آسيا.. الصعود الهندى:
لا يزال إقليم جنوبى آسيا هو أفقر أقاليم العالم، حيث تتراوح متوسطات الدخول الفردية بين 350 و400 دولار سنويا، كما يعيش نحو 35% من سكان الإقليم تحت خط الفقر. وطبقا لمقياس التنمية البشرية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائى لعام 2007-2008، فمن بين 177 دولة فى العالم، أتت الهند وباكستان وبنجلاديش فى المراتب 128، 136، 140 على التوالى. وطبقا للتقرير ذاته فإنه بين عامى 1990-2005، كان 34% من سكان الهند يعيشون دون مستوى الفقر عند متوسط دخل فردى دولار يوميا، مقابل 17% فى باكستان، و41% فى بنجلاديش، و6% فى سيريلانكا. وفى ذلك، يقول محبوب الحق: "بدأ إقليم جنوبى آسيا يتراجع من حيث مستوى التقدم البشرى خلف كل أقاليم العالم، بما فى ذلك إفريقيا جنوب الصحراء". فأكثر من مليار نسمة من دول إقليم السارك من أكثر الناس فقرا فى العالم، كما أنهم يفتقرون الخدمات الاجتماعية الأساسية كالتعليم، والصحة، والغذاء، ونحو 380 مليون نسمة فى هذا الإقليم أميون (3/2 منهم إناث)، 280 مليون نسمة منهم ليست لديهم مصادر مياه نقية، 850 مليون منهم ليس لديهم خدمات صحية أولية، ونحو 300 مليون يعيشون فى حالة فقر مطلق، دون أدنى مستوى للعيش(39).
وقد شكلت أزمة الخليج الثانية (1990-1991)، ونهاية الحرب الباردة سنة 1991 تحديا ضخما لدول جنوبى آسيا. إذ أن الأزمة أسفرت عن عودة مئات الآلاف من العاملين من جنوبى آسيا من دول الخليج، وبالتالى فقدت اقتصادات دولهم تحويلاتهم النقدية. كما أن نهاية الحرب الباردة أسفرت عن فقدان الهند مؤقتا للدعم السوفيتى، وفقدان باكستان للدعم الأمريكى، خاصة بعد انتهاء الوجود السوفيتى فى أفغانستان. وكانت باكستان قد حققت معدلات نمو مرتفعة خلال الفترة الممتدة من سنة 1972 حتى سنة 1992، بلغت 6% فى المتوسط، ولكن تلك المعدلات بدأت تتراجع بشدة بعد ذلك(40).
وفى هذا الإطار، بدأت ظاهرة "العولمة" تنتج أثرها على دول جنوبى آسيا، سواء من حيث نظمها الاقتصادية الاشتراكية (الهند)، أو نظمها السياسية التسلطية (باكستان). وقد اتجهت الهند إلى التعامل مع ظاهرة العولمة من خلال بدء عملية إصلاح اقتصادى واسعة بدأتها حكومة ناراسيما راو فى يوليو سنة 1991، وأشرف عليها وزير المالية آنذاك مانموهان سينج. وقد أتى برنامج الإصلاح الاقتصادى كرد فعل للموقف الاقتصادى الصعب الذى أحاط بالهند مع أوائل التسعينيات، والذى وصل إلى حد رفض البنوك التجارية الدولية إقراض الهند، كما وصل معدل النمو الاقتصادى إلى أقل من 1%. وقد كان أهم عناصر برنامج الإصلاح الاقتصادى الهندى هو التحول نحو اقتصاد السوق، والخصخصة، بما فى ذلك بيع الشركات المملوكة للدولة، والسماح للقطاع الخاص بالاستثمار فى قطاعات جديدة. وقد شمل ذلك أيضا إلغاء الرقابة الحكومية على النقد، وسعر الصرف، وتخفيض سعر العملة وجعلها قابلة للتداول، وتحرير التجارة الخارجية باستثناء عدد محدود من السلع، وتخفيض التعريفات الجمركية والضرائب، والتخلص من بعض وحدات القطاع العام. كما زادت الإعفاءات الممنوحة للاستثمار الأجنبى(41). ورغم الخلافات الفكرية بين حزب المؤتمر الذى أدخل برنامج الإصلاح الاقتصادى، وحزب بهاراتيا جاناتا، فإن الأخير قد واصل سياسة الإصلاح الاقتصادى بعد وصوله إلى السلطة سنة 1998. كذلك، شرعت باكستان فى برنامج التكيف الهيكلى ابتداء من سنة 1988. وكانت الخطوة الأولى هى خفض التعريفات الجمركية. وفى سنة 1992، تم إلغاء كل القيود على تدفق رأس المال الأجنبى إلى باكستان. ولكن نظرا لارتفاع معدلات الإنفاق العسكرى الباكستانى، لم تتمكن الدولة من تنفيذ البرنامج.
ويمكن القول أن برامج الإصلاح الاقتصادى التى بدأت فى دول جنوبى آسيا عموما فى التسعينيات أسفرت عن هبوط مستوى النمو الاقتصادى. فخلال حقبة الثمانينيات، كان متوسط النمو الاقتصادى لدول الإقليم 5.8%، ولكنه وصل فى التسعينيات إلى 5.5%.
وينطبق ذلك بالأخص على الهند (6.1% مقابل 5.9%)، والتى بلغ متوسط معدل النمو السنوى بها بين عامى 1990- 2005 نحو 4.2%، وباكستان (7.1% مقابل 5.3%) مع متوسط نمو بين عامى 1990-2005، بلغ 1.3%(42). كذلك، تتميز دول جنوبى آسيا فى ميدان تكنولوجيا المعلومات. وقد حققت الهند قفزة فى مجال صناعة برمجيات الكمبيوتر خلال عقد التسعينيات. ولكن هذه الصناعات لا تشكل إلا حيزا محدودا من اقتصادات الهند وباكستان. فطبقا لإحصاءات تقرير التنمية البشرية لسنة 2007-2008، فإن 2.4% و4% من الصادرات الصناعية الهندية والباكستانية على التوالى هى تكنولوجيا متقدمة. وبالتالى، يعد الحديث عن صعود اقتصادى فى منطقة جنوبى آسيا أمرا سابقا لأوانه، إذ لم تتحدد مقوماته بشكل قاطع. أضف إلى ذلك الانتشار السيئ لتوزيع الثروات الناتجة عن التطور التكنولوجى. فطبقا للتقرير السابق، فإن مقياس جينى للهند وباكستان وبنجلاديش هو 36، 31، 33 على التوالى(43).
التطورات الديمقراطية فى جنوبى آسيا:
فى اتجاه يبدو معارضا لما سبق أن شرحناه، فإن منطقة جنوبى آسيا شهدت تحولات ديمقراطية ولكنها محدودة. ففى باكستان، انتهى الحكم العسكرى للرئيس السابق مشرف باستقالته تحت الضغوط الشعبية، وجرت انتخابات برلمانية أسفرت عن تغير جوهرى فى المشهد السياسى لصالح حزب الشعب الديمقراطى. وفى نيبال، الدولة الصغيرة التى تقع بها جبال الهمالايا، جرت انتخابات نزيهة لتكوين جمعية تأسيسية تكون مهمتها صياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات نيابية أسفرت عن إلغاء الملكية، وتحويل نيبال إلى النظام الجمهورى، وتسليم السلطة إلى الحزب الشيوعى (الماوى)، والذى كانت الولايات المتحدة قد صنفته على أنه حركة إرهابية. والمفاجأة أن هذا الحزب حقق أكبر نصر انتخابى فى الانتخابات النيبالية التى جرت فى 10 أبريل سنة 2008. وقد بدأت عملية التحول الديمقراطى فى أبريل سنة 2006 باتفاق تم بموجبه وقف إطلاق النار، وتكوين حكومة ائتلافية، لها الصلاحيات الكاملة، وتكون مهمتها الدعوة إلى انتخابات لتكوين "جمعية تأسيسية". وتتمثل المهمة الأساسية لهذه الجمعية فى وضع دستور جديد للبلاد، ويكون من صلاحياتها تقرير مصير النظام الملكى فى نيبال، وتعمل كبرلمان انتقالى لنيبال لمدة عامين. كان من أول أعمال الحكومة الانتقالية هى إعلان نيبال دولة علمانية، وإلغاء الطابع "الهندوسى" للدولة، والذى كان بموجبه يعتبر الملك سليل الإله الهندوسى "فيشنو". وقد تم تجريد الملك من الوضع المتميز الذى يحظى به، وأهم مظاهره عدم فرض ضرائب على ثرواته، ووضع القوات المسلحة تحت سلطة الحكومة الانتقالية. وبالتالى، فقد انتهت سلطة الملك على الجيش، الذى كثيرا ما استخدمه فى قمع المعارضة السياسية، بل وانتهى وضع الملك كرئيس للدولة وتم إسناد تلك المهمة إلى رئيس الوزراء. وقد طالب الماويون بإلغاء فورى للنظام الملكى وانسحبوا من الحكومة الائتلافية، مما أدى إلى اتفاق جديد بينهم وبين الحكومة على أن أول قرار ستتخذه الجمعية التأسيسية بعد انتخابها هو إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية إذا حصل الشيوعيون على الأغلبية. وقد جرت فى 10 أبريل سنة 2008 انتخابات لتكوين هذه "الجمعية التأسيسية" التى تتألف من 601 عضو. وقد جمعت الانتخابات بين نظامى التمثيل النسبى للأحزاب السياسية والدوائر الفردية، كما أنها اتسمت بالنزاهة، حيث سمح للمراقبين الدوليين بمراقبتها، وصوت فيها 60% من الناخبين، كما قامت" لجنة الإشراف على الانتخابات" بإعادتها فى الدوائر التى ثار الشك حول نزاهة الانتخابات بها، وذلك دون اللجوء إلى المحاكم. كذلك، فقد تنافس فى تلك الانتخابات 14 حزبا سياسيا تمثل مختلف التيارات السياسية بالإضافة إلى المستقلين.
وقد أسفرت الانتخابات عن حصول الائتلاف الشيوعى على 52% من المقاعد الفردية، وعلى 50.5% من المقاعد المخصصة للتمثيل النسبى، فى الوقت الذى حصل فيه ائتلاف حزبى المؤتمر على 22.7% و21.3% من تلك المقاعد على التوالى. ورغم أن الانتخابات أتت بحزب ثورى يعمل على تغيير أسس النظام الدستورى، إلا أن الجميع احترم نتائج الانتخابات. عقب ذلك، تم إلغاء الملكية وتحويل نيبال إلى النظام الجمهورى.
وفى الهند، جرت انتخابات اللوك صابحا (المجلس الأدنى فى البرلمان الهندى) والتى أعلنت نتائجها فى 16 مايو سنة 2009، لتشير إلى أن الناخبين الهنود قد أعطوا "التحالف التقدمى الموحد" الذى يقوده حزب المؤتمر - برئاسة الثنائى الهندى سونيا غاندى - مانموهان سينج - 262 مقعدا فى اللوك صابحا (من 543 مقعدا)، مما مكن حزب المؤتمر من تشكيل الحكومة، وبما عد انتصارا للتيار الوسطى فى السياسة الهندية على حساب التيار الأصولى المتطرف الذى يمثله حزب بهاراتيا جاناتا.
فقد حصل "التحالف التقدمى الموحد" على 262 مقعدا بزيادة 80 مقعدا عن اللوك صابحا السابق. وفى الوقت ذاته، فإن "التحالف الوطنى التقدمى" الذى يقوده حزب بهاراتيا جاناتا، برئاسة لال كريشنا أدفانى ذى التوجهات الهندوسية المتطرفة، حصل على 159 مقعدا، منها 116 لحزب بهاراتيا جاناتا (بفقدان 14 مقعدا). أكثر من ذلك، فقد منى اليسار الهندى بخسارة فادحة، إذ لم تحصل "الجبهة الثالثة"، ويقودها حزب "جبهة اليسار" إلا على 36 مقعدا بخسارة 36 مقعدا.
بذلك، فقد خسر حزب بهاراتيا جاناتا الانتخابات للمرة الثانية على التوالى، وانتهى المستقبل السياسى لزعيمه أدفانى، والذى خاض الانتخابات على أساس برنامج سياسى، يتضمن التزام الحزب بإقامة معبد هندوسى على أنقاض المسجد البابرى الذى دمره متطرفو حزبه سنة 1992، وقد شارك هو شخصيا فى عملية التدمير. كما خاض الحزب الانتخابات على أساس برنامج لتحقيق الأمن الداخلى، منتقدا سياسة الحكومة إزاء أحداث بومباى فى العام الماضى، ومتهما حزب المؤتمر بمحاباة المسلمين. ولكن الحزب لا يزال يمثل قوة سياسية مهمة فى الهند قادرة على العودة إلى السلطة. كذلك، فقد حصل حزب "شيف سينا" الحزب الإرهابى المعادى للمسلمين على 11 مقعدا فى اللوك صابحا بخسارة مقعد واحد.
من ناحية أخرى، فقد خسر اليسار الهندى فى معاقله التقليدية، خاصة فى ولاية البنغال الغربية، نتيجة سياساته القائمة على مصادرة الأراضى الزراعية لإقامة المصانع. هذا بالإضافة إلى تأكيد كارات، زعيم الحزب الشيوعى للهند (الماركسى)، أنه لن يأتلف مع حزب المؤتمر "تحت أى ظرف من الظروف"، مما أثار المخاوف حول دخول الهند فى فترة عدم استقرار، خاصة أن الحزب اعترض بشدة على الصفقة النووية الهندية - الأمريكية، أيام أن كان مؤتلفا مع حزب المؤتمر.
أما بالنسبة لحزب المؤتمر، فإن نجاحه يعود إلى برنامجه الاقتصادى الذى دار حول برنامج التنمية الريفية، وإعفائه للفلاحين المعسرين من الديون.
قضية تجنيس العمالة الهندية فى دول مجلس التعاون الخليجى:
فى 18 ديسمبر سنة 2008، صرح مجيد علوى، وزير العمل البحرينى، بأن المندوب الهندى فى "حوار المنامة" الذى عقد فى البحرين فى الشهر ذاته قد طلب، باسم رئيس وزراء الهند، من دول مجلس التعاون الخليجى أن تقوم "بتجنيس" العمالة الهندية، ومنحها حقوقا سياسية، وعدم تحديد مدة لبقائها فى دول المجلس، باعتبارها عمالة "مهاجرة" لا عمالة "وافدة". طرحت الهند تلك المطالب فى جلسة مغلقة بعنوان "العمالة والأمن" واستشهد المندوب الهندى بفوز باراك أوباما ذى الأصول الإفريقية برئاسة الولايات المتحدة. استند المندوب الهندى إلى الاتفاقية رقم 97 لسنة 1949 والاتفاقية رقم 143 لسنة 1975 الموقعتين فى إطار منظمة العمل الدولية. وتنص الاتفاقية الأولى على أنه "إذا مضى على أى عامل أكثر من خمس سنوات، فإنه يتحول تلقائيا من وافد إلى مهاجر، له حقوقه السياسية ومنها حق التوطين والتجنس".
ردت دول مجلس التعاون الخليجى على الطلب الهندى، وفى الحوار ذاته بالرفض. وقاد الرفض الخليجى مجيد العلوى، الذى أوضح أن قبول هذا الطلب يعنى تحويل دول الخليج إلى بلدان آسيوية. وقال أن الاتفاقية رقم 97 تطبق فقط فى حال إذا كانت نسبة العمالة المهاجرة من إجمالى العمالة الوطنية 15% على الأكثر. وفى حالة دول المجلس، فإن نسب العمالة المهاجرة تفوق ذلك بكثير. وقد نشرت الصحف الإماراتية فى شهر أكتوبر سنة 2008 إحصاءات تقول إنه فى سنة 2007 بلغ عدد السكان 6,493,929 مليون نسمة، شكل المواطنون 13.48% منهم، بينما بلغ عدد العمالة الهندية وحدها 2,367,722 مليون نسمة، أى نحو36.46% من إجمالى سكان الدولة، هذا مقابل العمالة العربية التى تبلغ بكافة جنسياتها 823,633 ألف نسمة، يشكلون 12.68% من إجمالى السكان، أى أن مجموع المواطنين والعرب فى دولة الإمارات لا يزيد على26.16% من عدد السكان، وهو ما يقل عن العمالة الهندية وحدها.
ويعد الطلب الهندى بمثابة دعوة إلى تغيير التركيبة السكانية الخليجية، وتحويل دول الخليج العربية إلى ولايات هندية، بكل ما يعنيه ذلك من آثار اجتماعية وثقافية. هذا بالإضافة إلى تحويل هذه المنطقة من كونها جزءا من المنظومة العربية لكى تصبح جزءا من المنظومة الهندية، والذى له تداعيات خطيرة على ثرواتها وهويتها. أضف إلى ذلك أن تنفيذ الطلب الهندى إنما يعنى أيضا التأثير السلبى الخطير فى ميزان القوى فى جنوبى آسيا. ذلك أن باكستان تعتمد إلى حد كبير فى تمويل اقتصادها على دعم دول الخليج العربية. فإذا استطاعت الهند أن تكون لها الكلمة العليا فى دول الخليج عن طريق العمالة الهندية، فإنها بذلك تستطيع قطع طرق التواصل الاقتصادى والأمنى الباكستانى الخليجى، وبالتالى إضعاف باكستان. ولهذا، قال وزير العمل البحرينى، مجيد العلوى، أن دول الخليج تواجه خطرا يفوق القنبلة النووية والهجوم الإسرائيلى. "إننا أمام تغيير وجه المنطقة وتحويلها إلى منطقة آسيوية"، ولم يشأ الوزير أن يقول منطقة هندية.
ويبدو أن الطلب الهندى كان مدفوعا بعاملين، أولهما أن دول مجلس التعاون الخليجى كانت قد بدأت اتخاذ الإجراءات نحو وضع سقف زمنى لبقاء العمالة هو خمس سنوات، مع استثناء بعض أشكال العمالة الماهرة. وقد رفع مجلس وزراء العمل فى دول الخليج العربية توصية بذلك إلى مؤتمر القمة الخليجى المقرر عقده فى سلطنة عمان. ويبدو أن الهند أرادت استباق قرار القمة الخليجية حول تدوير العمالة الأجنبية بإعلان موقفها مسبقا للتأثير على قرار القمة. أما العامل الثانى، فهو أن الطلب الهندى هو جزء من استراتيجية توسيع مناطق النفوذ الهندية التى تتبعها الهند منذ وصول حزب بهاراتيا جاناتا إلى السلطة سنة 1998. ذلك أن تدوير العمالة الهندية كل خمس سنوات لا يؤثر على العدد الكلى لتلك العمالة، ولكنه يؤثر فقط على تجنيسها. ومن ثم، فإن للطلب الهندى دافعا آخر حول زيادة النفوذ فى منطقة الخليج العربى، وعزل باكستان عن فنائها الخلفى فى منطقة الخليج العربى، مما سيكون له مردوده على الوضع فى جنوبى آسيا. ويجب الربط بين هذا التوجه وما سبق أن قلناه عن توسيع منطقة المصالح والنفوذ الهندية الذى دشنه جورج فرنانديز. وتطبيقا لذلك، أجرى الأسطول الهندى مناورات عسكرية مع الإمارات وسلطنة عمان سنة 2005، وزارت سفن حربية هندية البحرين فى سنة 2007، فى سوابق هى الأولى من نوعها لظهور الأسطول الهندى فى الخليج العربى.
ختام:
يبدو إقليم جنوبى آسيا كإقليم مأزوم يواجه معضلات أمنية وتنموية على جميع الجبهات، ربما باستثناء جبهة التحولات الديمقراطية. ومن ثم، تبدو المفارقة المتمثلة فى التناقض بين التخلف الاقتصادى والتقدم الديمقراطى بعكس الحالة الصينية، حيث يبدو الأمر مختلفا تماما. ولكن حل تلك المفارقة يكمن فى التعمق فى حقيقة التحول الديمقراطى فى جنوبى آسيا. حيث أن هذا التحول يخفى تفاوتات سياسية هائلة، أبرزها سيادة الطابع الإقطاعى والعائلى على السياسة الهندية على مختلف مستوياتها، وتهميش قطاعات واسعة من مجال السياسة، هذا بالإضافة إلى الدور المحورى الذى يلعبه الجيش فى السياسة الباكستانية وسيادة الطابع الإقطاعى العائلى على تلك السياسة، بشكل يجعلها لا تكاد تختلف جذريا عن نظيرتها الهندية. من ناحية أخرى، فإن الهند هى الحقيقة المحورية فى جنوبى آسيا التى يتصرف الجميع انطلاقا مما تفعل، إما بالموافقة أو بالرفض، ولكنها حاضرة فى كل القرارات التى تتخذها جميع دول المنطقة. ومن المفترض أن تستخدم الهند هذا الدور المحورى لدعم السلام والاستقرار فى جنوبى آسيا، ولكنها جعلت من الإرهاب القضية الوحيدة التى تهمها، حيث ركزت على الإرهاب الذى يأتى من الخارج، وأهملت الإرهاب الذى يأتى من الداخل. من ناحية ثالثة، فإن الحملات الحكومية المدعومة غربيا لتصفية حركات المقاومة المسلحة قد ضاعفت من المعضلة الأمنية فى جنوبى آسيا. ولا يتوقع أن تنجح تلك الحملات فى إنهاء المعضلات الأمنية، ما لم تصاحب بجهود نحو إرساء مجتمعات تتمتع بالرفاهة والمساواة. ويصدق ذلك بشكل أخص فى الحالة السيريلانكية التى أسفرت عن انتصار الأغلبية السنهالية على الأقلية التاميلية. وقد قدمت منطقة جنوبى آسيا درسا بليغا فى أن توازن الرعب يحمى السلام الإقليمى. فلولا امتلاك باكستان السلاح النووى، لتحول وجه جنوبى آسيا بالكامل نحو نمط مختلف من السياسة الإقليمية، وهو درس فشل العرب فى فهمه والتصرف على أساسه. ومن جنوبى آسيا، ينبع واحد من أشد مصادر التهديد للأمن العربى، وهو السعى الهندى لتوطين عمالتها فى دول مجلس التعاون الخليجى، بما يعنى تحويل تلك الدول إلى ولايات هندية، وهو أمر ينبغى أن تصاغ استراتيجيات متكاملة للتعامل معه، خاصة أن الهند قد جعلت نواياها واضحة.
وكانت الهند قد أعادت لليابان فى نوفمبر سنة 1999 سفينة شحن يابانية مختطفة فى المضايق. وقد زار وزير الدفاع الهندى فرنانديز اليابان، واتفق أثناء زيارته مع وزير الدفاع اليابانى كاواوا على التعاون العسكرى فى مجال تكنولوجيا المعلومات. وكانت اليابان قد حاولت قبل ذلك أن تتوسط بين الهند وباكستان فى قضية كشمير باستضافة مؤتمر حول هذه القضية، ولكنها تخلت عن هذه الوساطة بعد اعتراض الهند. وتعد اليابان أكبر مانح للمساعدات الإنمائية الرسمية للهند منذ سنة 1986، وثانى أكبر مستورد للصادرات الهندية. وتشكل التجارة الهندية - اليابانية (4.5 مليار دولار) نحو 4.5 % من إجمالى التجارة الخارجية الهندية. جاء التطور الأكبر فى 22 أكتوبر سنة 2008، حينما وقع رئيس الوزراء الهندى، سينج، مع رئيس الوزراء اليابانى، تارو آسو، "الإعلان اليابانى - الهندى حول التعاون الأمنى،" وهو ثانى اتفاق أمنى توقعه اليابان منذ المعاهدة الأمنية الأمريكية - اليابانية سنة 1951. وقد أتى الإعلان على "الإدراك المتماثل بين الدولتين للبيئة الإقليمية الأمنية الناشئة"(11). ولما كانت اليابان قد وقعت إعلانا مماثلا مع استراليا فى سنة 2007، فقد عد ذلك كله بمثابة تكوين كتلة استراتيجية بين اليابان والهند واستراليا برعاية أمريكية فى مواجهة الصين. فيما يتعلق بدول جنوب شرقى آسيا، فإن تلك الدول تتخوف من اتجاه الهند للتوسع البحرى فى المنطقة، وزادت مخاوفها بعد التفجيرات النووية الهندية. ورغم ذلك، نجحت الهند فى تحقيق عدة إنجازات، أهمها دخول رابطة جنوب شرقى آسيا (الآسيان) كشريك حوار Dialogue Partner، وهو إنجاز لم تنجح باكستان فى تحقيقه. ويعطى هذا الشكل من العضوية للهند مزايا فيما يتعلق بالاستفادة من إجراءات التعاون الاقتصادى فى الآسيان. كذلك، دخلت الهند "منتدى الآسيان الإقليمى" ASEAN Regional Forum، وحضرت أول اجتماع فى سنة 1998، بعد التفجيرات النووية. وتسعى الهند حاليا إلى دخول عضوية المجلس الاقتصادى لآسيا المحيط الهادى (الآبك)، ويبلغ حجم تجارة الهند مع دول الآسيان نحو 7 مليارات دولار(12).
(ج) تجميد الخلاف مع الصين الشعبية:
هناك قضايا حدودية خلافية بين الهند والصين الشعبية مند الحرب التى اندلعت بينهما سنة 1962، وأسفرت عن استيلاء الصين على إقليم اكساى شن بالكامل، وعن اتجاه باكستان إلى التحالف مع الصين، باعتبارها القوة الآسيوية الصاعدة. ففى مارس سنة 1963، وقعت الصين وباكستان اتفاقا لحل مشكلة الحدود غرب ممر كاراكورام Karakoram Pass، تنازلت بموجبه باكستان عن بعض الأراضى التابعة لها فى كشمير للصين، ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الصين تشكل الحليف الأساسى لباكستان فى آسيا. كما تطالب الهند بالأراضى التى تنازلت عنها باكستان للصين. وفى الوقت الحالى، فإن الحدود الهندية - الصينية يحددها "خط السيطرة الفعلية" Line of Actual Control (LAC)، وهو مقسم إلى ثلاثة قطاعات، القطاع الغربى وطوله 2176 كم فى منطقة أكساى شنلاداخ، والقطاع الأوسط وطوله 554 كم فى منطقة أوتارانشال وهيماشال براديش، والقطاع الشرقى وطوله 1346 كم فى منطقة سيكيم وأروانشال براديش. ولا تعترف الصين بتبعية الأخيرة للهند.
أدت تطورات عالم ما بعد الحرب الباردة إلى سعى الدولتين إلى "تجميد" الخلاف الحدودى. وقد كان ذلك من مصلحة الهند لعزل الصين عن باكستان، كما أنه لمصلحة الصين لتأجيل التفاهم الأمريكى - الهندى المتنامى ضدها. هذا مع السعى إلى تسوية بعض القضايا التى تحقق مصلحة مشتركة للطرفين. ففى سنة 1993، وقعت الصين والهند "الاتفاقيات الثنائية للسلام والهدوء". وقد أتت الاتفاقات على تهدئة الأوضاع عند "خط السيطرة الفعلية". وفى سنة 1996، زار الرئيس الصينى آنذاك، جيانج زيمن، الهند، واتفق مع نظيره الهندى على تطبيق عدد من إجراءات الثقة، كخفض عدد الجنود والأسلحة قرب خط السيطرة الفعلية. وفى سنة 2004، اعترفت الصين بتبعية ولاية سيكيم للهند، مقابل اعتراف الهند بتبعية التبت للصين، فيما يشبه الوفاق الودى البريطانى - الفرنسى سنة 1904. لكن يمكن القول أن نقاط التنافس الهندى - الصينى ربما تكون قد زادت اعتبارا من سنة 2000، نتيجة توسع الأسطول الهندى فى بحر الصين الجنوبى، وفى بحر آندمان Andaman Sea ففى أكتوبر- نوفمبر سنة 2000، قام الأسطول الهندى بمناورات فى بحر الصين الجنوبى بالاشتراك مع الأسطول الفيتنامى. وتمثل تلك المناورات تحديا للوجود البحرى الصينى فى بحر الصين الجنوبى. من ناحية أخرى، تتنافس الدولتان للسيطرة على بحر آندمان على الساحل الغربى لدولة ميانمار، والمؤدى إلى مضيق ملقا الاستراتيجى. وتسعى الصين للسيطرة على هذا البحر بالتفاهم مع ميانمار وسيريلانكا لتأمين ملاحة سفنها فى مضايق ملقا، والتمهيد لصعودها كقوة بحرية عالمية. وكجزء من تلك الاستراتيجية، تقوم الصين حاليا ببناء طريق رانجون سيتوى الممتد من العاصمة رانجون وميناء سيتوى، وهو ما يفتح لها طريقا للوصول إلى بحر آندمان، خاصة أن دولة ميانمار لها سواحل على بحر آندمان تبلغ 1930 كيلومترا. كما تقوم ببناء ميناء وقاعدة بحرية فى سيريلانكا تسمى قاعدة هامبانتونا فى جنوبى البلاد(13).
وكانت الهند قد أعادت لليابان فى نوفمبر سنة 1999 سفينة شحن يابانية مختطفة فى المضايق. وقد زار وزير الدفاع الهندى فرنانديز اليابان، واتفق أثناء زيارته مع وزير الدفاع اليابانى كاواوا على التعاون العسكرى فى مجال تكنولوجيا المعلومات. وكانت اليابان قد حاولت قبل ذلك أن تتوسط بين الهند وباكستان فى قضية كشمير باستضافة مؤتمر حول هذه القضية، ولكنها تخلت عن هذه الوساطة بعد اعتراض الهند. وتعد اليابان أكبر مانح للمساعدات الإنمائية الرسمية للهند منذ سنة 1986، وثانى أكبر مستورد للصادرات الهندية. وتشكل التجارة الهندية - اليابانية (4.5 مليار دولار) نحو 4.5 % من إجمالى التجارة الخارجية الهندية. جاء التطور الأكبر فى 22 أكتوبر سنة 2008، حينما وقع رئيس الوزراء الهندى، سينج، مع رئيس الوزراء اليابانى، تارو آسو، "الإعلان اليابانى - الهندى حول التعاون الأمنى،" وهو ثانى اتفاق أمنى توقعه اليابان منذ المعاهدة الأمنية الأمريكية - اليابانية سنة 1951. وقد أتى الإعلان على "الإدراك المتماثل بين الدولتين للبيئة الإقليمية الأمنية الناشئة"(11). ولما كانت اليابان قد وقعت إعلانا مماثلا مع استراليا فى سنة 2007، فقد عد ذلك كله بمثابة تكوين كتلة استراتيجية بين اليابان والهند واستراليا برعاية أمريكية فى مواجهة الصين. فيما يتعلق بدول جنوب شرقى آسيا، فإن تلك الدول تتخوف من اتجاه الهند للتوسع البحرى فى المنطقة، وزادت مخاوفها بعد التفجيرات النووية الهندية. ورغم ذلك، نجحت الهند فى تحقيق عدة إنجازات، أهمها دخول رابطة جنوب شرقى آسيا (الآسيان) كشريك حوار Dialogue Partner، وهو إنجاز لم تنجح باكستان فى تحقيقه. ويعطى هذا الشكل من العضوية للهند مزايا فيما يتعلق بالاستفادة من إجراءات التعاون الاقتصادى فى الآسيان. كذلك، دخلت الهند "منتدى الآسيان الإقليمى" ASEAN Regional Forum، وحضرت أول اجتماع فى سنة 1998، بعد التفجيرات النووية. وتسعى الهند حاليا إلى دخول عضوية المجلس الاقتصادى لآسيا المحيط الهادى (الآبك)، ويبلغ حجم تجارة الهند مع دول الآسيان نحو 7 مليارات دولار(12).
(ج) تجميد الخلاف مع الصين الشعبية:
هناك قضايا حدودية خلافية بين الهند والصين الشعبية مند الحرب التى اندلعت بينهما سنة 1962، وأسفرت عن استيلاء الصين على إقليم اكساى شن بالكامل، وعن اتجاه باكستان إلى التحالف مع الصين، باعتبارها القوة الآسيوية الصاعدة. ففى مارس سنة 1963، وقعت الصين وباكستان اتفاقا لحل مشكلة الحدود غرب ممر كاراكورام Karakoram Pass، تنازلت بموجبه باكستان عن بعض الأراضى التابعة لها فى كشمير للصين، ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الصين تشكل الحليف الأساسى لباكستان فى آسيا. كما تطالب الهند بالأراضى التى تنازلت عنها باكستان للصين. وفى الوقت الحالى، فإن الحدود الهندية - الصينية يحددها "خط السيطرة الفعلية" Line of Actual Control (LAC)، وهو مقسم إلى ثلاثة قطاعات، القطاع الغربى وطوله 2176 كم فى منطقة أكساى شنلاداخ، والقطاع الأوسط وطوله 554 كم فى منطقة أوتارانشال وهيماشال براديش، والقطاع الشرقى وطوله 1346 كم فى منطقة سيكيم وأروانشال براديش. ولا تعترف الصين بتبعية الأخيرة للهند.
أدت تطورات عالم ما بعد الحرب الباردة إلى سعى الدولتين إلى "تجميد" الخلاف الحدودى. وقد كان ذلك من مصلحة الهند لعزل الصين عن باكستان، كما أنه لمصلحة الصين لتأجيل التفاهم الأمريكى - الهندى المتنامى ضدها. هذا مع السعى إلى تسوية بعض القضايا التى تحقق مصلحة مشتركة للطرفين. ففى سنة 1993، وقعت الصين والهند "الاتفاقيات الثنائية للسلام والهدوء". وقد أتت الاتفاقات على تهدئة الأوضاع عند "خط السيطرة الفعلية". وفى سنة 1996، زار الرئيس الصينى آنذاك، جيانج زيمن، الهند، واتفق مع نظيره الهندى على تطبيق عدد من إجراءات الثقة، كخفض عدد الجنود والأسلحة قرب خط السيطرة الفعلية. وفى سنة 2004، اعترفت الصين بتبعية ولاية سيكيم للهند، مقابل اعتراف الهند بتبعية التبت للصين، فيما يشبه الوفاق الودى البريطانى - الفرنسى سنة 1904. لكن يمكن القول أن نقاط التنافس الهندى - الصينى ربما تكون قد زادت اعتبارا من سنة 2000، نتيجة توسع الأسطول الهندى فى بحر الصين الجنوبى، وفى بحر آندمان Andaman Sea ففى أكتوبر- نوفمبر سنة 2000، قام الأسطول الهندى بمناورات فى بحر الصين الجنوبى بالاشتراك مع الأسطول الفيتنامى. وتمثل تلك المناورات تحديا للوجود البحرى الصينى فى بحر الصين الجنوبى. من ناحية أخرى، تتنافس الدولتان للسيطرة على بحر آندمان على الساحل الغربى لدولة ميانمار، والمؤدى إلى مضيق ملقا الاستراتيجى. وتسعى الصين للسيطرة على هذا البحر بالتفاهم مع ميانمار وسيريلانكا لتأمين ملاحة سفنها فى مضايق ملقا، والتمهيد لصعودها كقوة بحرية عالمية. وكجزء من تلك الاستراتيجية، تقوم الصين حاليا ببناء طريق رانجون سيتوى الممتد من العاصمة رانجون وميناء سيتوى، وهو ما يفتح لها طريقا للوصول إلى بحر آندمان، خاصة أن دولة ميانمار لها سواحل على بحر آندمان تبلغ 1930 كيلومترا. كما تقوم ببناء ميناء وقاعدة بحرية فى سيريلانكا تسمى قاعدة هامبانتونا فى جنوبى البلاد(13).
الهوامش:
(1) Abdussabur, A.M. and M. Humayun Kabir, Conflict Management and Sub regional Cooperation in ASEAN: Relevance for SAARC, (Academic Press Ltd., 2000), pp. 51-52.
(2) المرجع السابق.
(3) Ramtanu Maita, "India bids to rule the waves: From the Bay of Bengal to the Malacca Straits," Japan Focus, March, 2007.
(4) The Indian Express, 4 July, 2000.
(5) The Hindu, 19 April, 2000.
(6) نص خطابى كلينتون وفاجباى فى:
India Perspectives, (Delhi), June, 2000.
(7) Mavara Inayat, "US- Indian strategic partnership: Implications for South Asia and beyond," Strategic Analysis, (Islamabad), 24. (2), Spring 2006, pp. 3-64.
- Cynthia Stephens, "The United States of India", www.countercurrents.org
(8) The Hindu, 15 February 2002.
(9) G.V.C. Naidu, "Wither Look East Policy: India and South East Asia", Strategic Analysis, 28 (2)، April-June 2004>pp. 331-346.
(10) India Looks East", South Asian Monitor, No. 23، 6 July, 2000.
(11) Sourabh Gupta, "Japan-India Joint Security Declaration: Towards an Asia-Pacific security architecture", Japan Focus, November, 2008.
(12) Naidu, G.V.C., "India and South East Asia", Strategic Analysis, (Delhi), 15 (7), October 1992, pp. 657-668.
(13) B. Rahman, "Hambantota and Gwadar: An Update", South Asia Analysis Group, Paper no. 3148.
www.southasiaanalysis.org
(14) B. Rahman, "China and the 123 Agreement: An Update", South Asia Analysis Group, Paper No. 2330.
www.southasiaanalysis.org
(15) فى تفاصيل المصالح والعلاقات الهندية - الإسرائيلية:
- P.R. Kumaraswamy, "India and Israel: Evolving Strategic Partnership", (Tel Aviv: Begin-Sadat Center for Strategic Studies, Sep. 1998).
- Institute of Regional Studies, The Indo-Israeli Nexus, (Islamabad: Institute of Regional Studies, Spotlight on Regional Affairs Series, 13 (4&5), April 1994).
(16) "Denials only bolsters the idea that Israel aided Indian nuclear program", Stratfor. Com.
(17) شحاتة ناصر، العلاقات العسكرية الإسرائيلية - الهندية.. ضوء أخضر أمريكى وغياب عربى"، شئون خليجية، سبتمبر سنة 2000، ص 49-35.
(18) Israel arms transfers to India", Stratfor. Com.
(19) The Hindu 5 February, 2001.
(20) اعتمدنا فى هذا القسم على بحثنا "القدرات النووية الهندية والباكستانية وآثارها الإقليمية، "فى مصطفى علوى، محرر، مخاطر وتداعيات الانتشار النووى (القاهرة: مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، 2007)، ص 175-200.
(21) Mohammad Selim, "The Military Aspects of the Middle East Peace Process: Some South Asian Parallels and Lessons," in Moonis Ahmar, ed., The Arab-Israeli Peace Process: Lessons for India and Pakistan, (Oxford: Oxford University Press, 2000), p. 228.
تابع الهوامش:
(22) S. Chaudhury & S. Fiaz, eds., Ten Week War in Kargil, From the News Files, (Kathmandu: South Asia Forum for Human Rights, SAFHR series No. 7, Feb. 2000).
- Vinod Anand, "Politico-military Dimensions of Operation Vijay," Himalayan and Central Asian Studies, (Delhi), 3 (3-4), July-December 1999, pp. 3-27.
(23) اعتمدنا فى هذا الجزء على بحثنا "تطور العلاقات الهندية - الباكستانية"، السياسة الدولية، يوليو 2005، 41 (161)، ص 252-259.
(24) نجلاء الرفاعى، رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمى (السارك)، (القاهرة: مركز الدراسات الآسيوية، جامعة القاهرة، العدد 23 من سلسلة أوراق آسيوية، ديسمبر 1996).

- F. Ashraf, South Asian Association of Regional Cooperation, (Islamabad: The Institute of Strategic Studies, 1988).
(25) Kartha, Tara, "Proliferation of light weapons in South Asia", AAKROSH, (New Delhi), 3 (8), July 2000, p. 214.
(26) Malik, Salma, "Domestic Production, Illegal manufacture and leakage of small arms, a case study of Pakistan", in Dipankar Banerjee, ed., South Asia at Gun Point, Small Arms and Light Weapons Proliferation, (Colombia: Regional Center for Strategic Studies, 2000).
(27) D. Banerjee, ed., South Asia at Gunpoint: Small and Light Weapons Proliferation، (Colombo: Regional Center for Strategic Studies, 2000).
(28) Chandran, D. Suba, "Drug Trafficking and the security of the state: A Case Study of Pakistan", Strategic Analysis, (Delhi), September 1998، pp. 903-922.
(29) الحياة، (لندن)، 9 نوفمبر 2000.
(30) ن. نيشيميرو، ترجمة: زايد مختار، الآسيويون أمامهم فرصة ذهبية لمكافحة الإيدز قبل فوات الأوان، هيرالد تريبيون، نقلا عن جريدة الجرائد العالمية، (القاهرة)، 16 نوفمبر 1999.
(31) Farish Noor, "From Pluralism to Exclusivism: How the RSS's politics of purity is destroying India's multi-cultural heritage", Received from the author via the internet via korawa@hotmail.com.
(32) Mahmoud Khalid, "Thackery's Shiv Sena", Regional Studies, 17.(3), Summer, 1999, pp. 89-108.
(33) وفى صعود الأصولية الهندوسية عموما:
V.D. Chopra, "Genesis of Hindus revivalism in India", in V.D. Chopra, ed., Religious Fundamentalism in Asia, (Delhi: Gyan Publishing, 1994), pp. 62-84.
وفى أيديولوجية حزب بهاراتيا جاناتا، راجع:
- Gurdas Ahuja, BJP and Indian Politics: Policies and Programmes of the Bharatiya Janata Party, (New Delhi, Ram G., 1994).
- Luke Harding, "Islamic heritage under attack," The Guardian (UK) (33) 10, June, 2002.
- "Murder in India", The New York Times Review Books, 15 August, 2002.
- Human Rights Watch, India, "We have no orders to save you: State participation and complicity, Communal violence in Gujarat," 14 (3), April, 2002.
- Saurabh Shukle, "Riots were planned, UK mission," Hindustan Times, April 14 2002.
تابع الهوامش:
(34) V.D. Chopra, "Sikh religious revivalism in India", in V.D. Chopra، ed., op. cit., pp. 136-149.
(35) Rakesh Gupta, "India: Towards a political economy of intra-state conflict", Faultlines, Writings on Conflict and Resolution, 5, May 2000, pp. 105-124.
- Dai, Mamang, "Arunachal Pracdesh: The myth of tranquility", Faultlines, Writings on Conflict and Resolution, 9, May 2000, pp. 59-78.
- S. P. Sinha, "Insurgencies in Northeast India: An appraisal, AAKROSH, (Delhi), 3 (7), April 2000, pp. 40-61.
(36) Reetz, Dietrich, "Islamic radicalism in Pakistani Religious concept and political implementation", Paper submitted at the Third Conference of the European Association for Middle Eastern Studies, EURAMES، Ghent, Belgium, Sep. 27-29, 1999.
- وكذلك علا أبو زيد، الحركة الإسلامية فى باكستان، فى علا أبو زيد، محرر، الحركات الإسلامية فى آسيا، (القاهرة: مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة، 1998)، ص 87-140.
(37) Times of India, 19/9/2000.
(38) Ved Marwah, India Internal Security Challenges", Strategic Analysis, 27 (4) Oct.-Dec 2003, pp. 503-515.
(39) U1 Haq, Mahbub, "Human Development in South Asia", Encounter, (Delhi), March-April 1998, p. 124.
(40) Sadiq Ahmad, "Explaining Pakistan's high growth performance over the past two decades: can it be sustained"? The Bangladesh Development Studies, (Dhaka), 21 (4), December 1993, pp. 1-36.
(41) Pant Girijesh, "Indian economic reforms: Issues, the current debate, in Mohammad El-Sayed Selim, ed., Egypt and India in the Post Old World: Comparative Paradigm, (Cairo: Center for Asian Studies, Cairo University, 1996), pp. 17-56.
(42) South Asia: Development and Cooperation Report, 2002/2001, op. cit, p. 59.
- البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة، تقرير التنمية البشرية 2007-2008، (نيويورك، البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة، 2008).
(43) البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة، تقرير التنمية البشرية 2007-2008، المرجع السابق.