Share |
يوليو 2009
1
التنافس الدولى فى القرن الإفريقى
المصدر: السياسة الدولية

يمكن القول إن طبيعة التفاعلات الداخلية والخارجية المرتبطة بالتطور الجيواستراتيجى لمنطقة القرن الإفريقى قد أسهمت فى إعادة صياغتها وتركيبها أكثر من مرة واحدة. فالحروب الأهلية، والصراعات العنيفة على السلطة، وانهيار مشروع الدولة الوطنية، والكوارث الطبيعية، والتنافس الدولى على الثروة والنفوذ الذى لم ينقطع يوما واحدا، كلها عوامل أسهمت فى صياغة وتشكيل هذا الإقليم المضطرب.
ومن الملاحظ أنه بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، أعيدت صياغة خريطة منطقة القرن الإفريقى مرة أخرى لتعكس حقيقة سياسات الهيمنة والنفوذ للقوى الأجنبية الفاعلة فى المنطقة. وقد تم فى هذا السياق صك مفهوم القرن الإفريقى الكبير ليعبر عن المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية والاستراتيجية للدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية فى شمال شرق إفريقيا، بالإضافة إلى منطقة البحيرات العظمى. وعقب هجمات الحادى عشر من سبتمبر، دفعت الاعتبارات الأمنية ببعض أدبيات التفكير الاستراتيجى الغربية إلى التوسع فى استخدام مفهوم القرن الإفريقى ليشمل اليمن، وربما بعض بلدان الخليج العربية(1).
وبهدف بلورة بعض القضايا الأساسية المرتبطة بالجوانب الدولية للصراعات الممتدة فى منطقة القرن الإفريقى، يجب طرح تساؤلات ثلاثة تشكل محاور أساسية للتحليل، يرتبط أولها بتحديد جملة المتغيرات والعوامل التى تفسر لنا عملية التدافع الدولى المستمر على القرن الإفريقى. أما التساؤل الثانى، فإنه يشير إلى طبيعة التفاعلات الدولية الكبرى وتأثيراتها على بؤر التوتر والصراع فى المنطقة. ويتعلق التساؤل الثالث بديناميات الحركة الدولية ومستقبل المنطقة من الناحية الجيوبوليتيكية، فكا وتركيبا.
أولا - محددات التكالب الدولى على القرن الإفريقى:
ثمة مجموعة من العوامل والمتغيرات كانت سببا فى استمرار اهتمام القوى الكبرى فى النظام الدولى بالقرن الإفريقى. فالمنطقة كانت، ولا تزال، محط أنظار هذه القوى التى تحاول تحقيق مصالحها من خلال العمل الدءوب على أن يكون لها موطئ قدم فى هذه المنطقة الاستراتيجية المهمة.
1- الموقع الجغرافى وأثره على التطور السياسى والاقتصادى والاجتماعى للمنطقة. إذ لا يخفى أن القرن الإفريقى يمثل ممرا وبوابة للبحر الأحمر وخليج عدن، بالإضافة إلى الخليج العربى والمحيط الهندى، وهو الأمر الذى جعله لقرون طويلة، ولا يزال، محط اهتمام القوى الدولية المسيطرة. وعلى هذا، فإن التدخلات الدولية من أجل السيطرة والنفوذ هى التى حددت بشكل كبير تطور الأحداث ومآلاتها فى المنطقة. بيد أن درجة ومستوى هذه التدخلات تباينا من فترة زمنية لأخرى. ولا أدل على ذلك من أن القرن الإفريقى ارتبط ارتباطا وثيقا بالصراع العربى - الإسرائيلى، حتى إن بعض المحللين اعتبره جزءا من منظومة الإقليم الإفريقى الشرق أوسطى(2). Afro middle Eastern Sub region.
لقد حاولت كل من الدول العربية وإسرائيل الدفاع عن مصالحهما الأمنية والاستراتيجية فى المنطقة من خلال تقديم العون والمساعدة للقوى والتنظيمات السياسية الموالية لها.
وإذا كانت إسرائيل قد حاولت أن يكون لها منذ البداية منفذ على البحر الأحمر، فإن ميناء إيلات يعد بوابتها التجارية مع آسيا. وربما يفسر لنا ذلك محاولاتها المستميتة للحيلولة دون أن يكون البحر الأحمر بحيرة عربية، فضلا عن توجهها الخارجى، ودعم علاقاتها مع كل من إثيوبيا وإريتريا.
2- قرب القرن الإفريقى من مصادر النفط فى الخليج العربى، وهو ما دفع بالولايات المتحدة والدول الغربية إلى محاولة الدفاع عن هذه المصادر وتأمين الوصول إليها. ولعل من أبرز الأدوات التى استخدمت فى ذلك إقامة القواعد العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتيه مع دول المنطقة. ويمكن أن نشير هنا إلى القواعد التى أقيمت فى جزر دهلك وحالب وكاجينو الإريترية.
3- الأهمية الاقتصادية للقرن الإفريقى، حيث إن اكتشاف النفط والذهب والغاز الطبيعى فى المنطقة قد أضاف بعدا جديدا للتنافس الدولى، بحيث جاءت إلى جانب القوى الاستعمارية السابقة قوى أخرى جديدة فاعلة، مثل الولايات المتحدة، والصين، والهند، وحتى البرازيل. ولا يخفى أن دول القرن تمتلك احتياطيات كبيرة من المعادن التى تستخدم فى الصناعات الثقيلة والنووية، مثل الكوبالت واليورانيوم. كما أنها تمتلك ثروة مائية هائلة تكفى لسد حاجات الدول الإفريقية من المياه.
4- انتشار المجاعة والكوارث الطبيعية. ويبدو أن الصور الذهنية التى تروج لها وسائل الإعلام الغربية والدولية أضحت تقارب بين الإقليم والمجاعة، حتى إنه بات يعرف باسم قرن المجاعة. ولعل أخطر موجة ضربت الإقليم كانت عامى 1984 و1985. وقد أفضت هذه الكوارث إلى حالة من عدم الاستقرار السياسى الذى أسهم بدوره مع الحروب الأهلية فى زيادة مأساة ومعاناة المواطنين. ويبدو أن الدول الغربية والقوى المانحة التى تهرع لتقديم العون والمساعدة للإقليم ما فتئت تستخدم هذا الغطاء الإنسانى لتخفى وراءه أجندة التنافس من أجل السيطرة والنفوذ، وهو ما يشكل أحد أبرز أبعاد الصياغة الجيواستراتيجية للمنطقة.
5- تأثيرات الحرب الباردة وما بعدها. فقد شكل التنافس بين القوى الدولية الكبرى على القرن الإفريقى طبيعة النظم الأمنية والسياسية السائدة فى الإقليم. فالتأثيرات الأيديولوجية للحرب الباردة أدت إلى تأسيس نظم سياسية متباينة، بما فى ذلك نظم الاستبداد العسكرية، كما تمت إقامة قواعد عسكرية أجنبية وشبكات اتصال استخباراتية فى المنطقة.
وخلال سنوات الحرب الباردة، شهد القرن الإفريقى انتشارا غير مسبوق لتجارة الأسلحة الصغيرة والخفيفة، والتى أضحت بعد نهاية الحرب الباردة تشكل أكبر مصدر لتهديد الأمن والاستقرار فى الإقليم برمته. وعلى أية حال، فقد تزامن مع نهاية الحرب الباردة تغير معالم خريطة الصراعات السياسية فى القرن الإفريقى، حيث استقلت إريتريا ودخلت فى نزاع إقليمى مع إثيوبيا، كما أن الصومال تفككت أوصاله ليفقد السلطة المركزية ويدخل فى حالة من الفوضى العارمة.
6- تأثيرات الدولة الفاشلة والقول بوجود بعض أعضاء تنظيم القاعدة والخلايا النائمة. فالدول الغربية ترى أن الأمن العالمى أصبح مهددا بالفعل من قبل أفراد وتنظيمات أصولية، وهو ما دفعها إلى محاولة احتواء هذه الدول الهشة والضعيفة، والتى تعد مسرحا ملائما للفكر الراديكالى والممارسات السياسية العنيفة. وربما تطرح خبرة القرن الإفريقى نموذجا واضحا لمخاطر غياب الدولة وانعكاساتها على الأمن الدولى.
ثانيا - المواقف والسياسات الدولية:
إن التغيرات المتسارعة، التى شهدها النظام الدولى عقب أحداث سبتمبر، قد أفضت إلى إعادة ترتيب أولويات وقضايا الأمن فى القرن الإفريقى. وقد أظهرت كثير من الدراسات أن الحملة التى قادتها الولايات المتحدة تحت شعار "الحرب على الإرهاب" قد أثرت سلبا على الجهود الدولية والإقليمية لمواجهة مشكلات الأمن والتنمية فى مناطق التوتر والحروب الأهلية(3). كما أنها أهملت أهداف التنمية المستدامة، مثل تعزيز الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتحقيق مبادئ المساءلة والشفافية.
1- موقف الولايات المتحدة:
يقول مايكل رايتس: "إن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة لا تشمل فقط الحصول على واردات النفط الرخيصة والموثوق بها، ولكن أيضا محاصرة كل من الصين (على سبيل المثال فى السودان)، وكوريا الجنوبية (على سبيل المثال فى نيجيريا).. والإرهاب الإسلامى. وتشكل إفريقيا، بحسب أجهزة الاستخبارات، "جبهة جديدة" فى الحرب ضد الإسلام الثورى"(4).
وقد دفعت أحداث 11 سبتمبر والخوف من تنظيم القاعدة بالصومال لتحتل مكانة بارزة فى التفكير الاستراتيجى الأمريكى الجديد، ولكن هذه المرة بالاستفادة من دروس الماضى القريب، بعد أن انتهى تدخلها لإعادة الأمل نهاية مأساوية فى مقديشو عام 1993. لقد نظرت الولايات المتحدة إلى المعارضة الإسلامية، التى أفرزت قوات اتحاد المحاكم الإسلامية بعد ذلك، على أنها امتداد لتأثير أسامة بن لادن وفكر القاعدة، حينما كان متواجدا فى السودان. دفعت تلك المخاوف إلى أن تساند الولايات المتحدة تحالف أمراء الحرب فى الصومال لمواجهة تيار الإسلام السياسى هناك. وحينما سنحت الفرصة لعودة الاستقرار فى الصومال بعد صعود نجم المحاكم الإسلامية فى النصف الثانى من 2006، وسيطرتها على معظم أرجاء البلاد مع محاصرة الحكومة الانتقالية فى مدينة بيدوا الحدودية، تم تفويت هذه الفرصة، وكان القرار الأمريكى بغزو الصومال عن طريق القوات الإثيوبية لدحر الإسلاميين وبسط سيطرة الحكومة الشرعية. بيد أن الولايات المتحدة وحلفاءها تورطت مرة أخرى فى دائرة مفرغة تغمرها حسابات خاطئة لأطراف الصراع الأساسية، سواء من الداخل أو الخارج، وليصبح الصومال تكرارا - ولو من زاوية معينة - للمشهد العراقى. وعلى صعيد أزمة دارفور، اعتبرت الإدارة الأمريكية أن ما يحدث فى دارفور هو "تطهير عرقى" تتحمل مسئوليته الحكومة السودانية ومن شايعها من القبائل العربية الدارفورية(5). واتساقا مع هذا المنحى المتشدد فى انتقاد السودان وتحميله مسئولية ما يحدث فى دارفور، ساندت الإدارة الأمريكية فى يناير 2005 تقرير لجنة التحقيق الدولية بشأن دارفور والتى خلصت إلى اتهام النظام القضائى السودانى بالعجز وغياب الشفافية، وعدم القدرة على التعامل مع الجرائم التى ارتكبت فى دارفور، وأيدت الولايات المتحدة إحالة ملف قضية دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية(6)، بل وطالبت بتسليم البشير نفسه للعدالة الدولية بعد صدور قرار إدانته.
ويرى البعض أن السودان، بعمقه الاستراتيجى ومكنونه الثقافى والحضارى، يمثل نقطة ارتكاز للمشروع الإمبراطورى الأمريكى الجديد. وربما يفسر ذلك سر عدم تغير الموقف الأمريكى من المسألة السودانية، اتساقا مع ساكنى البيت الأبيض. فقد تفاءل البعض بمقدم الرئيس باراك أوباما باعتبار جذوره الإفريقية القريبة من السودان. بيد أن ذلك لم يدم طويلا بعد إعلان تشكيلة إدارته، والإفصاح عن مواقفها الخاصة بأزمة دارفور.
وقد استخدمت الولايات المتحدة ذراعا عسكرية لتحقيق أهدافها فى المنطقة، حيث ظهرت القوة الخاصة المشتركة للقرن الإفريقى إلى حيز الوجود فى أكتوبر 2002 بإشراف القيادة العسكرية الوسطى. وهى تهدف إلى تنفيذ مهام المراقبة الجوية والبحرية فى البحر الأحمر وخليج عدن، بالإضافة إلى السواحل الشمالية للمحيط الهندى. وتتركز هذه القوات فى معسكر لامونيه بجيبوتى، حيث تتألف من نحو "2000" عسكرى. ويعمل هؤلاء الجنود بالتعاون مع قوات بحرية أخرى من دول حلف الأطلنطى، مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا. وفى يناير 2007، قامت هذه القوات بتوفير المساعدات الاستخباراتية واللوجيستية لإثيوبيا أثناء غزوها للصومال. كما أنها قامت باستخدام التسهيلات العسكرية الموجودة فى كل من جيبوتى وإثيوبيا وكينيا لشن ضربات ضد أفراد تنظيم القاعدة فى المنطقة. وقد تحولت تبعية هذه القوات إلى القيادة العسكرية الإفريقية "أفريكوم".
2- فرنسا والاتحاد الأوروبى:
على الرغم من تغير العالم وتغير فرنسا نفسها، وهو ما جعل البعض يشكك فى مقدرتها على ممارسة دور "الشرطى" فى إفريقيا، فإن الحكومات الفرنسية المتعاقبة انتهجت سياسة انتقائية لدعم مجموعة من الحكام الفاسدين والذين يعملون وفقا لقواعد اللعبة الفرنسية، بغض النظر عن اعتبارات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وإذا كانت فرنسا قد زعمت منذ البداية أنها القادرة على احتواء النفوذ السوفيتى فى إفريقيا، فإنها حاولت جاهدة عدم الاستسلام أمام النفوذ الأمريكى المتصاعد فى القارة الإفريقية. ولا يزال الساسة الفرنسيون يعلنون عن عدم موافقتهم على السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا، والتى أدت إلى سقوط بعض الأنظمة الموالية لفرنسا، مثلما حدث فى زائير ورواندا.
ويحاول الفرنسيون فى السنوات الأخيرة طرح أنفسهم كبديل عن الصين التى تسير بخطى ثابتة لكسب أراض جديدة فى إفريقيا، بما فى ذلك حصولها على حق التعدين فى منطقة النيجر الغنية باليورانيوم. كما تطرح فرنسا مفهوم الرابطة الأورو - إفريقية بدلا من الرابطة الفرنسية - الإفريقية، وهو ما يعنى محاولة إضفاء الطابع الأوروبى على السياسة الإفريقية لفرنسا، بما يؤمنه ذلك من مشاركة فى الأعباء، وتأييد دولى لجهود حفظ السلام فى القارة. بل والأكثر من ذلك، تسعى فرنسا لتقليل مظاهر عسكرة سياستها الإفريقية بما يعنيه ذلك من تخفيض أعداد قواتها فى إفريقيا، وإغلاق بعض قواعدها العسكرية هناك.
ويرجع الوجود الفرنسى فى منطقة القرن الإفريقى إلى النصف الثانى من القرن التاسع عشر. وقد تزايد اهتمام فرنسا بالمنطقة بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، واتساع محمياتها عبر سواحل خليج تاجورا وشمال الصومال، حيث أضحت جيبوتى العاصمة الإدارية، نظرا لموقعها الجغرافى وسهولة تحكمها فى الأراضى الأثيوبية من جهة البحر.
وعندما استقلت جيبوتى عام 1977، كانت فرنسا قد ضمنت وجودها العسكرى هناك من خلال اتفاقية الدفاع التى أبرمتها عام 1967 مع حكومة جيبوتى. وقد تم التصديق على هذه الاتفاقية من خلال البرلمان الجيبوتى عام 1979. ولا شك فى أن هذا الوجود الفرنسى يضمن تحقيق مكانة استراتيجية لفرنسا فى منطقة شرق إفريقيا والمحيط الهندى والشرق الأوسط، كما يضمن لفرنسا كذلك تأمين خطوط الملاحة الدولية عبر باب المندب والبحر الأحمر(7).
وتمثل الحامية الفرنسية فى جيبوتى ثالث أكبر قوة فرنسية خارج فرنسا (حيث تحتل منطقة الكاريبى المرتبة الأولى تليها غرب إفريقيا). كما أن الأموال التى دفعتها الحكومة الفرنسية للحكومة الجيبوتية مثلت نحو (60 %) من ميزانية جيبوتى أو (25%) من جملة إنتاجها القومى عام 2001. على أن الرابطة الفرنسية مع إفريقيا عموما، بما فى ذلك منطقة القرن الإفريقى، قد عانت كثيرا خلال العقد الماضى بفعل عدة عوامل، لعل من أبرزها توجه الرئيس الفرنسى جاك شيراك صوب شخصنة علاقات فرنسا الخارجية، وتفضيله التعامل مع بعض الرؤساء الفاسدين فى إطار الرابطة الفرانكفونية. ومع مجىء الرئيس ساركوزى، فإنه دفع باتجاه أن تمارس فرنسا دورها من خلال الغطاء الأوروبى(8). وعلى صعيد آخر، فقد طرحت الولايات المتحدة تحديا مهما للوجود الفرنسى فى المنطقة، ابتداء من أزمة رواندا منتصف التسعينيات. بل إن قاعدة لومونبه أضحت تشكل أكبر وجود عسكرى للولايات المتحدة داخل إفريقيا.
ولعل أحد الخيارات المتاحة أمام فرنسا يتمثل فى العمل من أجل حماية مصالحها من خلال الاتحاد الأوروبى والاتحاد الإفريقى. وفى هذه الحالة، يمكن لبرنامج تعزيز قدرات حفظ السلام الإفريقية أن يمارس دورا مهما فى عمليات حفظ السلام فى مناطق التوتر التى يشهدها القرن الإفريقى. ويصبح دور فرنسا مع باقى دول الاتحاد الأوروبى هو توفير الدعم المادى واللوجيستى لهذه العمليات. ووفقا لهذا التصور، تستطيع دول، مثل جيبوتى وإثيوبيا وكينيا، أن تكون أساس تشكيل القوات الإفريقية. ويصبح الدور الفرنسى والأوروبى فى هذه الحالة مقصورا على توفير الإبرار العسكرى والدعم الفنى. وربما يكون هذا الخيار قابلا للتطبيق فى دارفور وشرق الكونغو. وإذا كانت سواحل القرن الإفريقى تعج اليوم بالأساطيل الأوروبية القادمة من ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا والنرويج والدنمرك، والتى تعمل بتفويض من المنظمة الدولية لمراقبة حركة الملاحة فى هذه المنطقة المضطربة، فإنه يصبح من الأفضل لفرنسا أن تضع قواتها العسكرية فى جيبوتى تحت المظلة الأوروبية، وهو ما يخفف عبء المال عن كاهل وزارة الدفاع الفرنسية.
ومن المعلوم أن الاتحاد الأوروبى يعد أحد الفاعلين الرئيسيين فى منطقة القرن الإفريقى. فإذا كان بعض أعضائه، مثل بريطانيا وفرنسا، يتمتعون بنفوذ تقليدى فى هذا الإقليم، فإن مصالح الاتحاد الأوروبى تتجاوز مصلحة هؤلاء الأعضاء بشكل منفرد. وهو ينظر إلى قرن إفريقيا بمنظور الجغرافيا والاستراتيجية والاقتصاد. فدول المنطقة تشكل سوقا اقتصادية واعدة، كما أنها تمثل فى حالة تزايد أعداد المهاجرين غير الشرعيين مصدر تهديد لأوروبا.
وعليه، فقد طرحت المفوضية الأوروبية عام 2006 استراتيجية للسلم والأمن والتنمية فى القرن الإفريقى، وذلك من خلال التعاون مع منظمة الإيجاد لتحقيق السلم والأمن، والأمن الغذائى، والتطوير المؤسسى. كما تهدف هذه الاستراتيجية الأوروبية إلى التدخل فى المنطقة بهدف دعم وبناء قدرات دول المنطقة فى مجال منع الصراع وحفظ السلام. ويساند الاتحاد الأوروبى جهود الاتحاد الإفريقى والإيجاد لحفظ السلام فى السودان والصومال، كما أنه شارك فى جهود الوساطة بين إثيوبيا وإريتريا لاحتواء النزاعات الحدودية بينهما.
وبعد تزايد الضغوط الشعبية المطالبة بالتصدى لظاهرة القرصنة فى خليج عدن، أرسل الاتحاد الأوروبى أسطولا فى إطار "عملية أتلانتا" لمراقبة السواحل الصومالية. بيد أن التحدى الرئيسى لهذه العملية الأوروبية يتمثل فى فشلها فى التعامل مع جذور مشكلة القرصنة والأسباب المؤدية لها.
3- الموقف الصينى:
أحسب أن القراءة الواعية لأبعاد الموقف الصينى من القرن الإفريقى ينبغى أن تأخذ بعين الاعتبار الرؤية الكونية الجديدة للصين، والتى تسعى من خلالها إلى إعادة صياغة وبناء النظام الدولى الراهن وفقا لأسس جديدة. فثمة اعتبارات ومصالح استراتيجية مهمة تحكم علاقة الصين ليس فقط بدول قرن إفريقيا، وإنما بالقوى الدولية الكبرى. ونستطيع فى هذا السياق أن نشير إلى أمرين مهمين، أولهما: محاولة الصين مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة، ولاسيما أن مراكز الأبحاث وكثيرا من المنظمات الحقوقية والمدنية الغربية تبدى انزعاجا شديدا من تنامى الدور الصينى فى السودان وإفريقيا، والذى تحكمه بالأساس اعتبارات المصلحة والهيمنة، على حد قولهم، وبغض الطرف عن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان(9).
أما الأمر الثانى، الذى يفسر الموقف الصينى، فإنه يرتبط بأهمية دول القرن الإفريقى والسودان تحديدا فى الشراكة الاستراتيجية مع الصين. فالسودان دولة نفطية واعدة، وهى تصدر أكثر من 60% من إجمالى صادراتها النفطية إلى الصين. وقد استفادت الصين من الفراغ الذى تركته الشركات الغربية برحيلها من السودان فى أوائل التسعينيات من القرن الماضى، عندما أعلنت الولايات المتحدة أن السودان دولة عاصية وخارجة عن المفهوم الأمريكى للنظام الدولى.
واقع الأمر أن الصين أدهشت الجميع بعودتها القوية إلى القارة الإفريقية فى عام 2006، حتى إنها أصبحت أكثر قدرة من أية دولة أخرى على إنفاق الأموال والاستثمار فى الدول الإفريقية. وتشير بعض التقديرات إلى وجود نحو ثمانمائة ألف صينى يعيشون ويعملون ويديرون بعض الشركات فى إفريقيا. كما أن هناك ما يربو على 800 شركة صينية تعمل فى مجال التصنيع والإنشاءات، ولاسيما الموانئ، والسكك الحديدية، والمستشفيات، والمبانى الحكومية، وغيرها من مشروعات البنية الأساسية. ومن الملاحظ أن العروض الصينية لا تقبل المنافسة من قبل الشركات الغربية واليابانية، نظرا لرخص الأيدى العاملة الصينية، وامتلاك الدولة لمعظم الشركات العاملة فى إفريقيا، فضلا عن أن الخبراء الصينيين يقبلون بأجور وظروف معيشية إفريقية قد لا يتحملها نظراؤهم من الغربيين.
أدى ذلك كله إلى إثارة مخاوف أصحاب المصالح والأعمال من الدول الغربية من الخطر الصينى الداهم. ولعل ما يقلق دوائر صنع القرار ومراكز الفكر الاستراتيجى الغربية هو أن الصين تأتى إلى إفريقيا بنموذج للتنمية السياسية والاقتصادية أكثر قدرة على محاربة الفقر، وعلى تمكين الدول الإفريقية من إدارة مواردها الاقتصادية بفعالية كبيرة. وربما يكون العامل النفسى أيضا مسئولا عن جاذبية النموذج الصينى فى إفريقيا التى يتبنى معظم قادتها شعار التوجه شرقا. فالصين تعد دولة نامية، وليس لها تاريخ استعمارى فى إفريقيا، كما أنها فى علاقاتها الخارجية لا تحكمها قضايا ومصطلحات من قبيل: الدول المارقة، أو محاور الشر والتطرف فى النظام الدولى. وعليه، يصبح من المهم سياسيا واستراتيجيا لدول معينة، مثل السودان وزيمبابوى وأنجولا، أن تطور علاقاتها مع الصين للتخفيف من غلواء المشروطية الغربية المفروضة عليها(10).
4- موقف الأمم المتحدة(11):
لقد اتسم الفعل الدولى فى الأمم المتحدة بالوقوع تحت تأثير القوى الغربية الضاغطة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهو ما جعل التدخل الإنسانى هدفا بحد ذاته، وليس التوصل إلى تسوية سلمية لأزمات القرن الإفريقى. أفضى ذلك إلى أمرين أساسيين، أولهما: تشويه رؤى جماعات وأطراف الصراع وتشجيعها على رفع سقف مطالبها السياسية بشكل مبالغ فيه ويفوق قوتها الحقيقية على الأرض. وعلى سبيل المثال، فإن عبد الواحد نور طالب بتدخل حلف شمال الأطلنطى كما فعل فى الحالة البوسنية، وذلك قبل توقيعه أى اتفاق سلام مع الحكومة السودانية. وثانيا، فإن الجماعات والتنظيمات الحقوقية الدولية جعلت نشر قوات دولية لحفظ السلام فى دارفور على قائمة أولويات الولايات المتحدة ودول أخرى، دون أدنى اعتبار لما يحدث فى مناطق القرن الإفريقى الأخرى مثل الصومال(12).
ويلاحظ أن الأمم المتحدة، وبالتنسيق مع بعض المنظمات الأخرى، تشرف على ثلاث بعثات لحفظ السلام فى المنطقة: أولاها: بعثة الأمم المتحدة فى السودان والتى تراقب تنفيذ اتفاق السلام الشامل الذى تم التوصل إليه عام 2005 بين الحكومة السودانية والجبهة الشعبية لتحرير السودان. ثانيتها: بعثة الأمم المتحدة فى دارفور التى حلت محل قوات الاتحاد الإفريقى فى ديسمبر 2007. إذ بعد سلسلة من المفاوضات بين الأمم المتحدة والسودان، تم التوصل إلى إقرار نشر قوة هجين إفريقية ودولية، وذلك طبقا لقرار مجلس الأمن 1769. وفى حالة تنفيذ هذا القرار، يتم نشر نحو 26.100 من قوات حفظ السلام فى دارفور، وهو ما يجعلها أكبر قوة حفظ سلام فى العالم. ثالثا: أقرت الأمم المتحدة بعثة لمراقبة والسيطرة على الأوضاع الإنسانية المضطربة على طول الحدود الشرقية لتشاد والشمال الشرقى لإفريقيا الوسطى. وهى تضم جانبين، أحدهما مدنى تابع للأمم المتحدة، والآخر عسكرى (اليوفور) تابع للاتحاد الأوروبى.
5- موقف محكمة الجنايات الدولية:
يمكن القول إن إحالة النزاع الدارفورى إلى محكمة الجنايات الدولية، طبقا لقرار مجلس الأمن الدولى عام 2005، ثم إصدار قرار بتوقيف الرئيس البشير، يمثل تطورا مهما وبالغ التأثير على تطور الأحداث فى دارفور ومنطقة القرن الإفريقى(13). ويعكس هذا القرار مدى تدخل الفعل الدولى فى المسألة السودانية لتحقيق مآرب ومصالح قوى بعينها. فقد جاء توقيت القرار فى وقت استطاع فيه أهل السودان تحقيق نوع من التوافق السياسى وتجاوز عقبة قانون الانتخابات. كما أن شريكى الحكم تمكنا من تجاوز عقبة مسألة أبيى عن طريق اللجوء إلى التحكيم الدولى. وهنا، يمكن للمتابع المحايد أن يقول إن توقيت القرار لم يكن بأى حال لمصلحة السلم والأمن فى الدولة السودانية، وإنما - وبعيدا عن التفكير التآمرى - يأتى فى سياق سلسلة متصلة الحلقات لمحاولة تفكيك السودان والنيل من سيادته.
ويبدو أن معيار العدالة الدولية انتقائى، ولا ينطبق إلا على الأفارقة، وهو ما دفع البعض إلى القول إن القارة الإفريقية أضحت بمثابة "حقل تجارب" للنظام الدولى (الأمريكى) الجديد. فالحالات الأربع التى تنظرها المحكمة الجنائية الدولية ترتبط بالحدود الواسعة لقرن إفريقيا الكبير، وهى: أوغندا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ودارفور، وجمهورية إفريقيا الوسطى.
وعلى الرغم من وجود مئات من الحالات الخاصة بجرائم محتملة فى أكثر من 139 دولة قدمت للمحكمة، إلا أنها رفضت غالبا تحت زعم أنها تخرج عن ولاية المحكمة. ولعل من أبرز القضايا التى رفضتها المحكمة قضية انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب التى ارتكبتها القوات الأمريكية فى العراق.
ثالثا - ديناميات التفاعل الدولى فى القرن الإفريقى:
من المعلوم أن الأهداف الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الدولية الفاعلة هى التى توجه عمليات العسكرة فى القرن الإفريقى، كما أنها تفسر تزايد الحديث عن "الحرب على الإرهاب" فى أنحاء القارة. وربما يعيد ذلك خبرة استخدام مسألة تعزيز الديمقراطية كذريعة للتدخل العسكرى فى الشرق الأوسط.
وتعد منطقة القرن الإفريقى واحدة من أكثر مناطق العالم الواعدة بإمكانياتها النفطية. وتخشى الولايات المتحدة والدول الغربية من أن يؤدى عدم الاستقرار الذى تشهده المنطقة إلى عرقلة إمكانية الوصول إلى مصادر النفط والمعادن(14). ولعل القضيتين الدارفورية والصومالية توضحان ما نقول.
إن ثمة خطابا دوليا مثيرا ومتنوعا فى توجهاته وانحيازاته الفكرية والأيديولوجية بشأن طبيعة الصراع فى دارفور ومسارات تسويته وإدارته. إذ لا يخفى أن كثيرا من تنظيمات المجتمع المدنى والجمعيات الحقوقية والنشطاء فى أمريكا الشمالية والدول الغربية عموما تطرح الأزمة باعتبارها تعبيرا عن عمليات تطهير عرقى منظمة تقودها الحكومة السودانية فى مواجهة السكان الأفارقة. وعليه، فإن عبارات "أسوأ أزمة إنسانية"، وأخطر جرائم التطهير العرقى فى القرن الحادى والعشرين، والتراجيديا الإنسانية(15)، هى مفردات أساسية تميز هذا التدخل الدولى المكثف فى الأزمة الدارفورية، والذى افتقد الرؤية الواضحة والتنسيق على حد تعبير الكس دى والـ Alex De Waal أحد أبرز الكتاب المدافعين عن ضرورة التدخل الدولى فى دارفور.
يدفع ذلك إلى تأكيد أن لأزمة دارفور وجها آخر غير إنسانى. إنه يعكس حقيقة الأطماع الاستعمارية والتنافس الدولى فى المنطقة بعد انتهاء سنوات الحرب الباردة. بل إنه فى أحد أبعاده يشير إلى الصدام الموروث بين الإسلام والغرب وعملية إعادة تشكيل الوعى الغربى تجاه قضايانا بعد أحداث 11 سبتمبر. ويمكن أن نشير فى هذا السياق إلى عدد من الوقائع والأحداث لتأكيد ما نقول:
* تأسيس منظمة "التحالف من أجل إنقاذ دارفور" فى الولايات المتحدة، باعتبارها جهة غير حكومية معنية بالضغط على الإدارة الأمريكية للتدخل المباشر فى الأزمة الدارفورية. واللافت للنظر أن أكثر من 80% من مؤسسى هذه المنظمة من الجمعيات المسيحية والصهيونية المرتبطة بإسرائيل، وهو ما يثير الشكوك حول النوايا الحقيقية التى تقف وراء أهداف وأنشطة هذه المنظمة. ولعل الصورة التى تحاول ترسيخها فى أذهان الأمريكيين، خاصة المتدينين والمنحدرين من أصول إفريقية منهم، هى ممارسة العرب سياسة الاسترقاق والتمييز ضد الأفارقة فى السودان. ولا شك فى أن مثل هذه الدعاوى تجد آذانا صاغية لدى هؤلاء المستهدفين. وعادة، ما تسعى منظمة إنقاذ دارفور إلى تزويد صناديق بريد أعضاء الكونجرس بالخطابات والمطالب والقيام بالتظاهر أمام الكونجرس. كما أنها تمد القنوات التليفزيونية والمحطات الإذاعية بإعلانات تدعو للتعاطف مع قضية دارفور من خلال نشر صور مكررة لسودانيين يتضورون جوعا، وعادة ما يكتب تحتها تساؤل بارز: "كيف سيحكم علينا التاريخ؟".
* قيام الحكومة الإسرائيلية بمنح حق اللجوء السياسى لنحو خمسمائة من لاجئ دارفور، والعمل على توطينهم فى فلسطين المحتلة. وعلى الرغم من الجدل الذى ثار داخل الأوساط الإسرائيلية حول رشادة هذا الإجراء بالنسبة للدولة العبرية، فإن الحكومة الإسرائيلية لها أياد خفية تهدف إلى شد أطراف النظام الإقليمى العربى(16). وأحيانا ما تفعل ذلك لإظهار الوجه الإنسانى لسياستها الخارجية، أو محاولة تجميل صورتها لدى الرأى العام الدولى. وقد افتتحت حركة تحرير السودان - جناح عبد الواحد نور - مكتب اتصال لها فى إسرائيل.
* قيام منظمة فرنسية بمحاولة اختطاف نحو مائة طفل دارفورى من ملجئهم بتشاد لتسليمهم لأسر فرنسية وبلجيكية نظير مبالغ مالية ضخمة. وقد أظهرت التحقيقات التشادية فى تلك الواقعة أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عام واحد وثمانية أعوام ليسوا يتامى ولا مرضى. يطرح ذلك المسعى من قبل المنظمة الفرنسية أكثر من تساؤل حول الغرض من اختطاف هؤلاء الأطفال. هل الأمر يرتبط بعمليات التبشير والتنصير وسط هذه المجتمعات المسلمة؟ لقد أضحت المنظمات الإنسانية والمدنية العاملة فى دارفور على المحك. إن محاولة تجاوز حقائق التاريخ واستبعاد مكونات الصراع الحقيقية فى أزمة دارفور تعكس حقيقة التدخل الدولى "اللاإنسانى"، وتكشف عن الوجه الآخر للمنظمات الغربية التى تحاول إيهامنا بأنها تسعى لإنقاذ دارفور.
وعلى صعيد الأزمة الصومالية، يمكن القول إن أبرز جوانبها المسكوت عنها يتمثل فى نهب وتدمير شواطئ الصومال. إذ ما فتئت أساطيل الصيد الكبرى تصول وتجول فى المياه الإقليمية الصومالية، بحثا عن الأسماك التى تشتهر بها المنطقة. وقد استفادت تلك الأساطيل من غياب سلطة الدولة المركزية، وعدم القدرة على حماية الثروة السمكية الخاصة بالصوماليين، فاستأجرت بعض أفراد الميليشيات القبلية الصومالية لتوفر الحماية لها أثناء عمليات الصيد غير القانونية. أدى ذلك إلى فقدان آلاف الأسر الصومالية التى كانت تعيش على الصيد لأهم مصادر أرزاقهم وأقواتهم، وهو ما أضاف إلى معاناة أهل الصومال بعدا جديدا.
وعلى صعيد آخر، أظهرت كثير من التقارير أن شركات الشحن الكبرى فى العالم، مثل "شركاء أتشير" السويسرية وشركة "بروجريسو" الإيطالية، قد وقعت عددا من الصفقات فى أوائل التسعينيات من القرن الماضى مع كبار السياسيين وزعماء الحرب فى الصومال. وبمقتضى هذه الاتفاقيات، قامت هذه الشركات بالتخلص من النفايات السامة المشعة ودفنها قبالة السواحل الصومالية. وتؤكد تحقيقات الأمم المتحدة أن هناك عملا منظما أقرب إلى سلوك "المافيا" لتسهيل استمرار تدمير الشواطئ الصومالية.
وتوجد اليوم سفن حربية من نحو 17 دولة أجنبية قبالة السواحل الصومالية بحجة محاربة القرصنة. وتعمل هذه السفن وفقا لتفويض من مجلس الأمن، حيث يخولها حق تتبع القراصنة فى المياه الإقليمية للصومال وحتى دخول أراضيه، إن اقتضى الأمر ذلك(17). ولا شك فى أن عسكرة خليج عدن تهدد فى أحد جوانبها نظم الأمن الإقليمية، ومنها أمن البحر الأحمر.
ومن الملاحظ أن عملية تشكيل التحالفات الإقليمية فى القرن الإفريقى تعكس فى أحد جوانبها طبيعة التنافس الدولى هناك. فمحور أوغندا - إثيوبيا - كينيا - جيبوتى يحظى بدعم أمريكى لاحتواء السودان بمشروعها الحضارى الإسلامى من ناحية، وعزل إريتريا من ناحية أخرى. كما أن "الإيجاد" ومجموعة الاتصال الدولية بشأن الصومال تقومان بدور مهم فى صياغة نظم الأمن والاستقرار فى الإقليم.
خاتمة:
يمكن القول إن المخاطر الأساسية التى تهدد أمن القرن الإفريقى تتمثل فى استمرار تدهور الأوضاع فى الصومال، بما يعنى المزيد من العنف وانهيار سلطة الدولة المركزية، وإمكانية التخلى عن اتفاق السلام الشامل فى السودان، والصراع فى دارفور، واحتمال تجدد الصراع بين كل من إثيوبيا وإريتريا. على أن بعض القضايا الأخرى تؤثر على استقرار النظام الإقليمى للمنطقة على المدى المنظور أيضا، ومن ذلك توتر الأوضاع فى إقليم الأوجادين، وتصاعد حدة المعارضة للحكومة الإثيوبية من قبل جبهة تحرير الأورومو، واستمرار العنف فى إقليم أوغندا الشمالى من قبل جيش الرب، وأخيرا إمكانية تجدد الصراع فى شرق السودان.
على أن استشراف معالم المستقبل، والحديث عن مستقبل الخريطة الجيواستراتيجية للمنطقة، يعتمدان على جملة من العوامل المؤثرة فى بيئة الصراعات التى يموج بها القرن الإفريقى، نذكر منها - إلى جانب المتغيرات الداخلية والإقليمية - أمرين:
- ديناميات التدخل الدولى فى المنطقة. ويبدو أن تاريخ الحرب الباردة، حينما وقع القرن الإفريقى ضحية المواجهة بين القوتين العظميين، يعيد نفسه، وإن كان هذه المرة تحت شعار محاربة الإرهاب وليس محاربة الشيوعية. فقد أضحى الهم الأكبر للولايات المتحدة هو المحافظة على أمنها القومى بأى ثمن. يتضح ذلك من خلال إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية فى جيبوتى، بل وتأسيس قيادة مركزية خاصة بإفريقيا. بيد أن ساحة القرن الإفريقى اجتذبت إليها قوى دولية أخرى، على رأسها الصين والهند، بالإضافة إلى قوى أوروبية ذات مصالح تقليدية. يعنى ذلك أن التنافس الدولى على الثروة والنفوذ فى القرن قد أسهم بشكل مباشر أو غير مباشر فى إضفاء مزيد من التعقيد والتشابك على مجمل الصراعات التى تشهدها المنطقة.
- انعكاسات ظهور النفط فى كثير من الدول، مثل تشاد والسودان والصومال، وهو ما يعنى إضافة بعد جديد لطبيعة التوترات القائمة. وإذا كان النفط يؤدى إلى إعادة حسابات أطراف الصراع الداخلية، فإنه يجذب أطرافا خارجية طامحة لكسب السيطرة والحصول على هذه الثروة. ويمكن أن نشير إلى أن أحد أهداف الأفريكوم، كما حددتها الإدارة الأمريكية، يتمثل فى محاربة النفوذ الصينى المتنامى فى المنطقة، وتأمين الوصول إلى منابع النفط.
وعلى أى الأحوال، فإن المشهدين الصومالى والسودانى سوف يؤديان إلى إعادة رسم خريطة القرن الإفريقى الكبير، فكا وتركيبا، وذلك من خلال السيناريوهات الثلاثة الآتية:
" السيناريو الأول" وهو يشير إلى بقاء الأحوال على ما هى عليه. فالصومال على الرغم من عملية سلام جيبوتى الأخيرة، والتى جاءت بزعيم المحاكم الإسلامية السابق شيخ شريف أحمد إلى سدة السلطة فى يناير 2008، فإنه لم ينعم بالأمن قط، بل وأضحت المعارضة الإسلامية بزعامة شباب المجاهدين تسيطر على معظم أجزاء الصومال. وإذا كانت السياسة الأمريكية لا ترى مصالحها الحقيقية إلا من زاوية الحرب على الإرهاب، فإنها سقطت فى متاهة الصومال، ولم تستطع أن تتخلص من عقدة إسقاط البلاك هوك فى مقديشو فى أوائل التسعينيات.
السيناريو الثانى "سيناريو التفكيك"، حيث يمكن للسودان أن يفرز أكثر من كيان إقليمى مستقل، وهو ما يعنى أن استفتاء عام 2011 قد يفضل فيه الجنوبيون خيار الانفصال. وقد يعزز من ذلك المواجهة العنيفة التى حدثت على أرض أبيى الغنية بالنفط، ثم اتفاق شريكى الحكم فى الخرطوم على إحالة النزاع للمحكمة الدولية، إن تعذر عليهما الاتفاق على ترسيم الحدود بإرادتهما المنفردة. ويبدو أن هذا القرار يستبطن فى معانيه ودلالاته التعامل مع الإقليم الجنوبى كما لو كان دولة ذات سيادة.
وقد يتم تعزيز ذلك السيناريو من خلال إضفاء المشروعية الواقعية على الكيانات الصومالية المستقلة من جانب واحد، ونعنى جمهورية أرض الصومال وإقليم بونت. وإذا لم تحسن القيادة الإثيوبية قراءة مخاطر تعاملها مع الملف الصومالى، فإن وحدة إثيوبيا نفسها قد تصبح على المحك.
السيناريو الثالث،" سيناريو التركيب"، وهو قد يعنى إعادة رسم الخريطة الاستراتيجية للقرن الإفريقى فى حالة اشتعال كافة مراكز بؤر التوتر التى تشهدها المنطقة. يعنى ذلك إمكانية انفصال الأوجادين وانضمامه للصومال، وتوجه الجنوب السودانى صوب أوغندا أو كينيا.
وربما يتوقف الأمر فى السيناريوهين الثانى والثالث على إمكانية حدوث صراع مفتوح بين الجارتين إثيوبيا وإريتريا، وإن كان أمرا غير محتمل الوقوع. وعليه، فإن استمرار الأوضاع الفوضوية على حالها فى القرن الإفريقى، وإن ازدادت سوءا، هو الأقرب إلى التصديق على الأمد المنظور.
الهوامش:
1- Robert I. Rotberg, Battling Terrorism in the Horn of Africa. Cambridge, Mass: World Peace Foundation, 2005, p.1.
2- Peter Woodward, The Horn of Africa: politics and international relations, London: I.B. Tauris, 2003, p.151.
3- M. Tadesse, New Conceptions and Frontiers of Security in the Horn of Africa. Bonn: FES International Publication, 2004.
4- Michael Watts, "Empire of oil: Capitalist Dispossession and the Scramble for Africa," Monthly Review, September, 2006.
5- Ibid.
6- Report of the International Commission of Inquiry on Darfur to the United Nations Secretary General, 25 January. 2005. http://www.ohchr.org/English/docs/darfurreport.doc. and Elsea, Jennifer K.U.S. Policy Regarding the International Criminal Court. CRS report. for Congress, RL.31495 (Washington, D.C.) Congressional Research Service, Library of Congress, 2006.>http://www.fas.org/sgp/crs/misc/RL.31495pdf.
7- Vernie Liebl, Military Policy Option to Revise French Military Presence in the Horn of Africa, Comparative Strategy, 27, 2008, p.79.
8- Ibid, p. 81.
9- Chin-Hao. Huang, "U.S.-China Relations and Darfur." Fordham International Law Journal.31-4 (2008): 827.
10- د. حمدى عبد الرحمن حسن، العلاقات الصينية - الإفريقية.. شراكة أم هيمنة؟ كراسات استراتيجية، العدد، 172، مج 17، فبراير 2007.
11- حول دور الأمم المتحدة، انظر: هانئ رسلان، أزمة دارفور والقرار 1706.. الأبعاد والتداعيات، السياسة الدولية، العدد 166، أكتو بر 2006.
12- Quoted in de Waal, A., "I Will Not Sign" in London Review of Book, 30 November. 2006 Available from http://www.lrb.co.uk/v28/n23/waal01_.html
De Waal, A., "Dilemmas of Multiple Priorities and Multiple Instruments: the Darfur Crisis" in Accord, Issue 19,. 2008 Available from
http://www.c-r.org/our-work/accord/incentives/darfur_.1php
13- Natsios, A., "Beyond Darfur: Sudan's Slide Toward Civil War", in Foreign Aff airs,. 2008 Available from http://www.foreignaff airs.org/20080501faessay87306/andrew-s-natsios/beyond-darfur.html and Natsios, A., "A Disaster in the Making", 12 July. 2008 Available from http://www.ssrc.org/blogs/darfur/12/07/2008/a-disaster-inthe-making/
14- "African Oil: A priority for U.S. national security and African development," Institute for Advanced Strategic and Political Studies, Washington, D.C., May, 2002.
15- Deans, N.A. "Tragedy of Humanity: The Issue of Intervention in the Darfur Crisis". EMORY INTERNATIONAL LAW REVIEW. 19-3 (2005): 1653-1696 and Totten, Samuel, and Eric Markusen. Genocide in Darfur: Investigating the Atrocities in the Sudan. New York: Routledge, 2006.
16- Mualem, Mazal, Israel to Grant Citizenship to Hundreds of Darfur Refugees, from:
http://www.haaretz.com/hasen/spages/.901138html
17- Roger Middleton, Pirates and How to Deal With Them, London: Chatham house, April, 2009. P.2.