Share |
اكتوبر 2009
1
مستقبل كردستان العراق بعد الانسحاب الأمريكى
المصدر: ملف الأهرام الإستراتيجى


مرحلة جديدة من العلاقات الأمريكية العراقية بدأت تتشكل ملامحها منذ إعلان الإدارة الأمريكية الجديدة عن رغبتها فى الإسراع بوتيرة الانسحاب العسكرى من العراق بمقتضى الاتفاقية الأمنية الموقعة بين الطرفين، والتى حددت عام 2011 ليكون موعدا نهائيا لانسحاب عسكرى أمريكى كامل من مجمل المدن العراقية، وهى مرحلة تحمل تحديات عدة للجانب العراقى.
خاصة فيما يتعلق بالتوتر بين الحكومة العراقية وإقليم كردستان العراق شبه المستقل الذى يعد أكثر التحديات الداخلية أهمية فى حال إنجاز الانسحاب الأمريكى دون التوصل إلى حلول واقعية للقضايا والملفات محل الخلاف بين بغداد وأربيل وفى مقدمتها قضية كركوك والمناطق المتنازع عليها، وأزمة عقود النفط والغاز التى وقعها مسئولو الإقليم مع شركات أجنبية دون الرجوع للحكومة المركزية فى بغداد، ودستور كردستان الذى أقره البرلمان الكردى فى "أربيل" فى الرابع والعشرين من يونيو 2009 وعمق من حدة الأزمة السياسية بين الطرفين، ناهيك عن ملف قوات "البشمركة"وتحديد صلاحيتها ومناطق انتشارها، كل هذه التحديات من شأنها أن تلقى بظلال قاتمة على مستقبل العراق وتعاطى حكومته مع القضايا الخاصة بالإقليم فى مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكى.
إذن يشكل إقليم كردستان العراق بملفاته السابقة أزمة تتحسب لها الولايات المتحدة لأنها قد تغذى الصراع بين حكومة بغداد الشيعية وحكومة الإقليم الكردية مستقبلا، الأمر الذى ينعكس سلبا على مسيرة الاستقرار السياسى بالعراق، ومن ثم ترغب واشنطن فى حسم تلك الأزمة قبل سحب قواتها، أو على أقل تقدير وضع أسس فعلية متفق عليها بين الطرفين للتوصل إلى حلول نهائية لتلك القضايا قبل الانتخابات البرلمانية فى يناير 2010.
والسؤال الذى يطرح نفسه هنا هو إلى أى مدى قد يؤدى الخلاف بين بغداد وأربيل حول تلك القضايا وبالتحديد قضيتى كركوك والدستور الكردى إلى تداعيات قد تؤثر سلبا على استقرار النظام السياسى فى العراق مستقبلا؟ وهل يمكن أن يؤدى الانسحاب الأمريكى من العراق إلى انفصال فعلى لإقليم كردستان عن الحكومة المركزية فى بغداد أم لا؟ فى الواقع لابد أولا من الوقوف على حجم ونوعية الملفات والقضايا الثنائية وأهميتها النسبية فى العلاقات بين الطرفين من ناحية، وفى الأهداف الأمريكية والإقليمية التى قد ترتبط بصورة أو بأخرى بهذه الملفات من ناحية ثانية.
محورية قضية كركوك
بالنسبة للخلاف حول مدينة كركوك ذات الأهمية الاستراتيجية ووفرتها النفطية يرغب الأكراد فى ضمها إلى الإقليم لتكون هى المدينة الرابعة بعد أربيل ودهوك والسليمانية مستندين إلى المادة 140 من الدستور العراقى والتى أفردت تعاملا خاصا مع تلك المدينة يتم على ثلاث مراحل: الأولى تقضى بتطبيع العلاقات فيها بين الأكراد والعرب والتركمان، والثانية تستهدف إجراء إحصاء سكانى بها، والثالثة تتضمن إجراء استفتاء بين سكانها على مصير المدينة ما بين الانضواء تحت مظلة الإقليم الكردستانى شمال العراق أو البقاء تحت سيطرة الحكومة المركزية فى بغداد، وقد تبع ذلك تشكيل مجلس محافظة كركوك بمقتضى المادة 23 من قانون انتخابات مجالس المحافظات والمتعلقة بتوزيع المناصب الإدارية والسياسية داخل المدينة، وهو الأمر الذى ينظر إليه الأكراد باعتباره بادرة على حسن نواياهم تجاه المكونات السكانية الأخرى من العرب والتركمان بما يخدم آليات تقاسم السلطة فى كركوك، وبغض النظر عن طبيعة حسن النوايا الكردية، فمن الواضح أن ثمة تمسك كردى فعلى بمدينة كركوك النفطية كخطوة نحو تحقيق انفصال كردى عن بغداد مستقبلا، حيث ينظر الأكراد إليها باعتبارها حقا كرديا مشروعا- تاريخيا وجغرافيا- لا يمكن التوصل بشأنه إلى "حلول وسط "على حد تعبير مسعود بارزانى، أضف إلى ذلك السياسات التى اتبعتها حكومة الإقليم بشأن إحداث تغييرات فى البنية السكانية للمدينة من خلال حمل الأكراد فى جميع أنحاء العراق والدول المجاورة على التوطن فيها بهدف تكوين أكبر قاعدة من الأصوات الكردية التى يمكنها التصويت لصالح انضمام المدينة للإقليم ثم فى مرحلة لاحقة الانفصال عن الحكومة المركزية.
البحث عن حل
ومن ثم فإن من أهم الحلول البديلة فى الوقت الراهن للخلاف العراقى الكردى حول ضم كركوك لإقليم كردستان باعتبارها أهم المناطق المتنازع عليها بين الطرفين هو إضافة مادة جديدة إلى الفصل الثانى من الدستور الاتحادى الخاص بتلك المناطق مؤداها أن ترتبط محافظات "كركوك،والموصل،وصلاح الدين،وديالى" بالسلطة الاتحادية، وهو ما قد يُخرج هذه المناطق من الصراع المحتمل بين بغداد وأربيل مستقبلا. وبالتالى يقنع القادة الأكراد بالمكتسبات التى حققوها فى ظل الوجود الأمريكى وأهمها المحافظات الثلاث "أربيل، السليمانية، دهوك" المكونة لإقليم كردستان العراق كأحد أوجه الفيدرالية الجديدة التى لن تثير اعتراض العراقيين بمختلف توجهاتهم لكون تلك المدن تتمتع بحكم ذاتى مارسته فعليا منذ خروجها عن سيطرة السلطة المركزية أواخر عام1991بمقتضى ما يسمى المنطقة الآمنة للأكراد؛ فالقناعة الكردية بهذه الأوضاع من شأنها خدمة القضية الكردية العراقية ليس داخل العراق فقط، بل أيضا على المستويين الإقليمى والدولى خاصة وأن مخاطر وتداعيات الانفصال عن المركز ستؤثر سلبا على العراق نفسه وعلى دول الجوار، وبالأخص تركيا التى تعانى من ضربات "حزب العمال الكردستانى" المعارض وبالتالى فإن الفيدرالية الكردية في العراق ستؤجج مطالب أكراد تركيا بتحقيق خطوات مماثلة وهو أمر أكثر تعقيدا وحساسية بالنسبة للحكومة التركية منه للحكومة العراقية، كما أن إيران بدورها لا تتوانى عن ضرب القرى العراقية المتاخمة لحدودها بذريعة ملاحقة حزب "الحياة الحرة "الذى يرغب فى إقامة وطن كردى غرب إيران.
أما الدستور الكردى فقد جاء ليعمق بدوره حدة الخلافات السياسية بين الحكومة المركزية فى بغداد وبين إقليم كردستان العراق، حيث تضمن تحديد الكيان الجغرافى للإقليم بحدوده الإدارية والذى ينص على أحقية الأكراد فى مدينة كركوك بالإضافة إلى أجزاء من محافظات ديالى والموصل وصلاح الدين باعتبار أن أغلبية السكان بهذه المناطق من الأكراد، وهو ما يعنى أن الأكراد يضربون بالنظام الفيدرالى العراقى الجديد عُرض الحائط لأن الفيدرالية لا تعترف بوجود دساتير خاصة لأقاليم الدولة وإنما يحكمها دستور واحد عام، ويشير ذلك إلى نزعة انفصالية واضحة تسير بخطى قد تبدو بطيئة ولكنها راسخة سرعان ما تتحول- فى ظل توازنات ومصالح طائفية داخلية وإقليمية خارجية محددة- إلى سياسة واقعية؛ فكردستان العراق لديه حاليا برلمان ودستور وعلم وقوات خاصة ووزارات ومؤسسات ، ولا يتبقى على إعلان الدولة سوى تقدير لحسابات المكاسب والخسارة التى قد تنجم عن خطوة إعلان الدولة الكردية التى مازالت محل الدراسة من جانب الحزبين الكردستانيين المسيطرين على الإقليم، خاصة بعد أن رفضت بعض الفئات الكردية وجود دستور مستقل للإقليم باعتباره يتناقض مع الدستور العراقى الاتحادى ويهدد كذلك وحدة العراق ويوفر البيئة الخصبة لمزيد من الطائفية بين مكونات المجتمع العراقى، فنصوص عديدة يتضمنها الدستور الكردى تكرس النزعة الاستقلالية خاصة فيما يتعلق بالثروات الطبيعية والمياه والمعادن ويعتبرها ثروة قومية خاصة بالإقليم.
الموقف الأمريكى
فى هذا الإطار تأتى المواقف الأمريكية والإقليمية المرتبطة ارتباطا مباشرا بقضايا إقليم كردستان العراق لتكمل أبعاد العلاقة القائمة والمحتملة بين الإقليم والحكومة العراقية، فبالنسبة للولايات المتحدة فإن إدارة أوباما أعطت أولوية واضحة لوحدة العراق وحقوق حكومته المركزية مع الإبقاء على المكاسب التى حصل عليها الأكراد خلال سنوات الاحتلال والتى منحت إقليم كردستان العراق حكما شبه ذاتى مع وضع خاص لكركوك بصورة لا تخرج الإقليم عن دائرة العلاقة المركزية مع بغداد، ورغم أن إدارة أوباما قد خيبت بذلك آمال دعاة الانفصال الكردى عن العراق إلا أن ذلك لا يمنع إمكانية أن تصل تطورات الأوضاع فى ظل علاقة الفتور السائدة بين الحكومة المركزية فى بغداد وبين أربيل إلى حافة المواجهة العسكرية بين الطرفين حال الانسحاب الأمريكى، إما لتحقيق انفصال حقيقى على أرض الواقع أو لإثبات قوة التوجه الكردى أمام بغداد ومن ثم الحصول على المزيد من المكاسب الدستورية والإقليمية التى تعلى من شأن الإقليم على حساب المركز، أو أن يتحول الموقف الأمريكى فى إطار حسابات مصلحية محددة إلى تدعيم النزعة الكردية الانفصالية واستخدامها كورقة ضغط على كل من سوريا وإيران لحملهما على إبداء مرونة فى ملفات إقليمية بعينها.
القوى الإقليمية
أما بالنسبة للأوضاع الإقليمية فتعد تركيا هى القوة الإقليمية القادرة حاليا على لعب دور فى ملء الفراغ الذى قد ينتج عن الانسحاب الأمريكى من كردستان العراق بصورة لا تؤجج النزعة الانفصالية للإقليم وقد يخدمها فى ذلك أن الانسحاب الأمريكى من العراق سيخلف بالضرورة قاعدة عسكرية أمريكية فى كردستان العراق لاعتبارات أمنية وعسكرية وإقليمية بالدرجة الأولى، وهو ما سيعيق المساندة التى يبديها رئيس الإقليم "مسعود بارزانى " لحزب العمال الكردستانى المعارض للحكومة التركية، يساعدها فى ذلك الانكفاء الإيرانى على الأوضاع الداخلية نتيجة الأزمة السياسية التى أعقبت الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وتخوف سوريا من الانخراط مجددا فى الملف العراقى مما قد يضر بسياسة الانفتاح الأمريكى تجاهها، ووفقا لتلك المعطيات تصبح أنقرة هى القوة الإقليمية الأكثر قدرة والأكثر قبولا من جانب الإدارة الأمريكية الجديدة للعب دور فى هذا الشأن بالنظر إلى ركائز الأمن القومى التركى التى تعتبر أن مصالح "تركمان العراق" وضم "كركوك" لإقليم كردستان خطوط حمراء لا يجب تخطيها، مع الأخذ فى الاعتبار أن الدول الثلاث تركيا وإيران وسوريا تتفق جميعها على منع قيام دولة كردية فى شمال العراق من شأنها تأليب مشاعر القوميات الكردية الممتدة داخل أراضيها مما يدفعها إلى المطالبة بمزايا استقلالية مشابهة للمزايا التى حصل عليها كردستان العراق، ومن هنا تصبح أنقرة قريبة من منطقة التماس الساخنة المليئة بالثورة النفطية والمصالح الاستراتيجية التى قد تتهدد فعليا فى حال قيام دولة كردية مستقلة فى شمال العراق.
وخلاصة القول أن ثمة توازنات إقليمية وأخرى دولية واستحقاقات داخلية قد تشكل جميعها كوابح للآمال الانفصالية الكردية فى شمال العراق فى مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكى، لما تمثله من مخاطر عدة لا تقتصر فقط على مجرد وجود دولة جديدة ذات مقومات اقتصادية وسياسية على جزء أصيل وهام من الأراضى العراقية قد تجتذب إليها طموحات أمريكية وإسرائيلية وإيرانية مستقبلية، وإنما تتعدى مخاطرها لتصل إلى حد تقسيم العراق بأكمله الأمر الذى يؤدى إلى تغيير الخريطة السياسية للمنطقة والدخول فى حلقة مفرغة من العنف الذى لا نهاية له.