Share |
نوفمبر 2009
1
عودة الحديث عن الضربة الإسرائيلية، وخيارات أمريكية جديدة (2/2)
المصدر: مختارات إيرانية
بقلم:   حسام سويلم

الملف النووى الإيرانى بين أوباما ونتنياهو:
ليس خافياً على أحد أن القضية النووية الإيرانية كانت من الأسباب الرئيسية وراء إصرار القوى اليمينية المتشددة فى إسرائيل على تولى بنيامين نتنياهو برئاسة الوزارة رغم عدم فوز حزبه (الليكود) بالأغلبية، وفوز حزب (كاديما) بأغلبية ضئيلة، إلا أن قوى اليمين المتشدد اعتبرت أن نتنياهو هو الأقدر على مواجهة ضغوط الإدارة الأمريكية فى عهد أوباما، سواء فيما يتعلق بعملية السلام أو البرنامج النووى الإيرانى. لذلك حمل نتنياهو معه خلال أول زيارة له لواشنطن فى النصف الثانى من مايو 2009 لائحة مشتريات سياسية تقوم على ثلاث ركائز: ضرورة تصدى الولايات المتحدة بقوة للبرنامج النووى الإيرانى وإعطائه أولوية مطلقة فى التعامل مع مشاكل الشرق الأوسط، وتحقيق تقارب بين إسرائيل ودول عربية معتدلة، ومعالجة القضية الفلسطينية عبر عدة قنوات. كما أكد نتنياهو للرئيس الأمريكى على أن وجود إسرائيل هو الضمانة الوحيدة لوجود الشعب اليهودى، وعليه يجب منع وصول سلاح نووى إلى أيدى تنفى حق إسرائيل فى الوجود (يقصد إيران). هذا من جانب، ومن جانب آخر أبدى نتنياهو توقعه بأنه فى حالة حيازة إيران سلاح نووى فإن العالم العربى سيغرق فى موجة من التطرف والتعصب، وعندها لن تصمد أية تسوية، ومن هنا تبرز ضرورة أن تتصدى الولايات المتحدة بجدية للخطر النووى وتحيطه، كما أكد نتنياهو أيضاً على حقيقة مهمة من وجهة نظره، وهى أنه إذا لم تقض إسرائيل على التهديد الإيرانى، فلن تتمكن أية دولة أخرى من القيام بهذه المهمة، وأن إسرائيل على استعداد لتفكيك نقاط استيطانية فى الضفة الغربية مقابل الحصول على دعم واشنطن للموقف الإسرائيلى حيال إيران. كما أشار نتنياهو إلى أن هذا الخطر الإيرانى يوفر فرصاً سياسية غير مسبوقة لتطبيع علاقات إسرائيل مع الدول العربية المعتدلة - مثل دول الخليج والمغرب - تشارك إسرائيل نظرتها للخطر الإيرانى، وهو ما ينبغى استغلاله لتوسيع "الكعكة" فى عملية السلام لتشمل هذه الدول العربية.
وفى رده على ما أثاره نتنياهو من قضايا، أوضح الرئيس الأمريكى أوباما عدة مبادئ لسياسته أبرزها أنه يؤكد على الموقف الأمريكى المبدئى من ضمان أمن إسرائيل والحرص على استمرار الصداقة والشراكة الاستراتيجية القائمة معها وتدعيمها، ولكنه يختلف معه فيما يتصوره من أن التصدى للحظر الإيرانى سيساعد على حل القضية الفلسطينية، وأن الحقيقة عكس ذلك تماماً، لأن حلاً عادلاً ودائماً للقضية الفلسطينية سيضمن انحسار التشدد وتقويض النفوذ الإيرانى فى الشرق الأوسط، وإضعاف التنظيمات الإرهابية والتنظيمات العربية المؤيدة لإيران. كما أعرب الرئيس الأمريكى عن تحفظاته على قيام إسرائيل بشن عملية عسكرية ضد إيران لأن ذلك سيشعل المنطقة كلها، وستكون إسرائيل أول المتضررين، إلى جانب تعرض القوات الأمريكية فى المنطقة لعمليات انتقامية من جانب إيران، ولذلك تفضل الولايات المتحدة فتح باب التفاوض المباشر فى إيران للضغط عليها من خلال عقد صفقة متكاملة يحقق لها بعض مطالبها بشأن عدم التعرض لنظامها السياسى الدينى القائم، والاعتراف بهذا النظام مقابل أن توقف نهائياً برنامجها النووى وتخضعه لرقابة مشددة من جانب الوكالة الدولية للطاقة النووية، على أن يوضع حد زمنى لإنهاء هذه المفاوضات بنهاية عام 2009، فإذا ما فشلت هذه المفاوضات فإن هناك المزيد من العقوبات الاقتصادية والسياسية التى لا تتحملها إيران وتدفع نظامها الحاكم إلى التراجع عن موقفه، ويمكن بعد ذلك مناقشة الخيارات العسكرية. وقد تم الاتفاق بين الجانبين الأمريكى والإسرائيلى على تشكيل لجنتين مشتركتين تبحثان فى لندن القضايا الخلافية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، على أن تعالج اللجنة الأولى الموضوع الإيرانى بشكل منفصل، والثانية لموضوع السلام، وذلك على المستويين المهنى والسياسى. وفى الموضوع الإيرانى طلب الإسرائيليون أن تكون إسرائيل شريكة كاملة فى المعلومات حول كل ما يجرى فى إيران، وما تخطط له واشنطن، والخطوات التى تقوم بها إيران فى إطار الجهود الدبلوماسية، وموضوع الخيار العسكرى. كما طلبت إسرائيل أيضاً أن تبقى الولايات المتحدة الخيار العسكرى ماثلاً للعيان كتهديد واضح ومباشر، خصوصاً بعدما قامت كوريا الشمالية بتجاربها النووية والصاروخية الأخيرة، حيث ترى إسرائيل أن تصرف الكوريين يؤكد أن سياسة الخيار الدبلوماسى كخيار وحيد قد فشلت، وقبل أن تسير إيران على طريق كوريا الشمالية ينبغى أن تخاف. كذلك طلبت إسرائيل أن توافق واشنطن على بروز الدور الإسرائيلى كشريك للولايات المتحدة فى هذه المعركة، وألا تكون هناك علاقة بين معالجة الموضوع الإيرانى والمشكلة الفلسطينية.
على صعيد آخر قام الرئيس الإسرائيلى بدور سياسى غير مسبوق من رئيس إسرائيلى سابق، فقد كان أكثر وضوحاً فى الكشف عن الموقف النهائى لإسرائيل، وذلك أمام أعضاء لجنة الشرق الأوسط المنبثقة عن لجنة الخارجية فى مجلس الشيوخ الأمريكى، حيث أكد رفض إسرائيل قبول إيران نووية فى منطقة الشرق الأوسط، لما يشكله ذلك من تهديد للكيان الإسرائيلى، وليس فقط الأمن الإسرائيلى، وأن سوريا ينبغى ألا تتوقع أن تقدم إسرائيل لها هضبة الجولان على صينية من فضة دون أن تفك ارتباطاتها الاستراتيجية مع كل من إيران وحزب الله وحماس. كما قام بيريز بزيارة دولة كازاخستان وحصل على تعهد من رئيسها نور سلطان نزار بابيف بالامتناع التام عن إمداد إيران باليورانيوم، مؤكداً للرئيس الكازاخى أن إيران تستخدم اليورانيوم لتطوير أسلحة الدمار الشامل، كما أن إسرائيل لا يمكنها أن تتغاضى عن تهديد أحمدى نجاد "بمحو إسرائيل من الخريطة". ويرجع ما تبديه إسرائيل من اهتمام خاص لكازاخستان كونها أكبر جمهوريات آسيا الوسطى، وتمتلك قدرات علمية وتقنية هائلة ورثتها عن الاتحاد السوفيتى السابق، حيث توجد فيها قاعدة إطلاق الصواريخ والمنصات الفضائية فى مركز بايكونور الفضائى الشهير، كما أنها تمتلك ما يقرب من ربع احتياطى اليورانيوم فى العالم. ولذلك قامت شركة (سابيتون ليمتد) الإسرائيلية بشراء أكبر مجمع لمعالجة اليورانيوم الخام فى العالم فى كازاخستان عام 1999، كمقدمة لأن تصبح إسرائيل لاعباً مهماً فى سوق اليورانيوم العالمى.
الموساد يطارد سفناً تحمل أسلحة روسية وكورية شمالية لإيران:
وفى مقابل هذا النجاح فى كازاخستان أخفقت إسرائيل فى الحصول على وعد واضح من موسكو بالامتناع عن تسليم أسلحة دفاع جوى وصاروخى متطورة لإيران، أبرزها نظام 300-S المضاد للطائرات.
ورغم أن هذا الموضوع كان محوراً للمحادثات العديدة التى جرت بين مسئولين أمريكيين وإسرائيليين مع القادة الروس، وكانت أخرها الزيارة السرية السريعة التى قام بها رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو إلى موسكو فى 2009/9/8 بشكل مفاجئ، حين اختفى من إسرائيل لمدة عشر ساعات كثرت فيها التساؤلات عن مكان وجود رئيس الوزراء، إلا أن صحيفة يديعوت أحرونوت كشفت عن أنه كان فى موسكو، حيث التقى فيها بشخصيات كبيرة ومؤثرة فى صنع القرار الروسى - ليس بينها بوتين ولاميدفيديف - لحث المسئولين الروس عن إيقاف أى إمدادات لأسلحة دفاع جوى لإيران وسوريا، وذلك إثر تلقى المخابرات الإسرائيلية معلومات عن صفقات أسلحة عقدتها موسكو مع كل من إيران وسوريا من شأنها أن تحدث خللاً فى التوازن العسكرى فى المنطقة لغير صالح إسرائيل، وترى الأخيرة فيها مساساً مباشراً بأمنها، وأن من بين هذه الأسلحة صواريخ طويلة المدى من شأنها أن تصل إلى كل من حزب الله وحماس وتستخدم فى الحرب ضد إسرائيل. وكان شيمون بيريز قد سبق له أن قام أيضاً بزيارة غير مقررة لموسكو فى أغسطس الماضى والتقى بكل من الرئيسين ميدفيديف وبوتين، ولكنها لم تكن سرية، ونشر فيما بعد أن الهدف منها كان التفاوض حول السفينة الروسية التى اختطفت فى عرض البحر وتبين أنها تحمل أسلحة موجهة إلى إيران وسوريا، وقيل أن خاطفيها مرتبطون بجهاز الموساد الإسرائيلى. ويسعى الإسرائيليون إلى استغلال رغبة القيادة الروسية فى تحسين العلاقات معهم للتأثير عليها باتجاه وقف صفقات الأسلحة مع إيران وسوريا، وفى بعض الأحيان تحقق الضغوط الإسرائيلية هدفها، فقد أصبح الإسرائيليون مقتنعون بأن روسيا لم تزود سوريا وإيران بعد بالصاروخ المضاد للطائرات والصواريخ S-300، ولا تزال إسرائيل على جهودها لمنع بيعه إلى هاتين الدولتين، وإن كانت روسيا قد باعت لإيران 29 نظاماً آخر للدفاع الجوى هو Tor -M1 ذو مدى ودقة أقل بكثير من نظام S-300. كما تحاول إسرائيل إقناع موسكو بالانضمام إلى العقوبات الدولية على إيران الرامية إلى وقف برنامجها النووى، فى مقابل إيقاف الدعم الإسرائيلى لجورجيا وابخازيا.
وفيما يتعلق بالسفينة الروسية المخطوفة، فقد رفضت إسرائيل التعقيب على تقرير نشرته مجلة "تايم" الأمريكية ذكرت فيه أن عملاء الموساد هم الذين خطفوا السفينة الروسية (آرتيك - سى) وأنهم وجدوا على متنها مجموعة صواريخ متطورة مضادة للطائرات، وأنها كانت متوجهة إلى ميناء الجزائر فى طريقها إلى إيران أو سوريا، وكانت هذه السفينة قد انطلقت من فنلندا يوم 2009/7/22، وحسب الرواية الروسية كانت تحمل أخشاباً بقيمة 2 مليون دولار فى طريقها إلى الشرق الأوسط عبر نهر المانش ما بين فرنسا وانجلترا، وسيطر عليها ثمانية أشخاص، وتابعوا إبحارها فى المسار المقرر لها باتجاه الجزائر، ثم انقطع الاتصال بها تماماً بعد يومين. وفى 8/12 أعلن الأسطول الروسى عن بدء التفتيش على السفينة، وبعد خمسة أيام أعلن أن قواته تمكنت من تحرير السفينة واعتقال خاطفيها بعد العثور عليها على مقربة من شواطئ جزر الرأس الأخضر، إلا أن الصحيفة الروسية (كومسومو لسكايا برافدا) ذكرت حقيقة حمل السفينة صواريخ S-300 أو صواريخ بحرية X-55، وأن استعادة السفينة وخاطفيها على وجه السرعة إلى روسيا أنقذ البلاد من فضيحة سياسية كبرى. أما مجلة (التايم) فاعتمدت على أقوال الأدميرال تارموكوتس - قائد سابق كبير فى سلاح بحرية استونيا ويعمل حالياً مسئولاً فى الاتحاد الأوروبى عن متابعة القرصنة البحرية، الذى أفاد بأن روسيا أرسلت إلى هذه السفينة عدة طائرات نقل على متنها مئات الجنود واعتقلت الخاطفين وربان السفينة ومساعديه، وربطت بين موعد الاعتقال على السفينة 8/17 وبين الرحلة المفاجئة إلى روسيا للرئيس الإسرائيلى شيمون بيريز فى اليوم التالى واجتماعه مع ميدفيديف وبوتين أربعة ساعات، حيث أثبت بيريز للرئيسين الروسيين أن إسرائيل لديها أدلة قاطعة على أن أسلحة روسية متطورة تصل إلى دول معادية وتتسرب إلى حزب الله وحماس. ثم علم بعد ذلك أن السفينة توجهت بعد خروجها من المياه الفنلندية إلى مقاطعة كاليننجراد الروسية على ضفاف بحر البلطيق، حيث تم تحميلها بمنظومات الدفاع الجوى الصاروخية تحت ستار إصلاح عطب تقنى مما استدعى لاحقاً تدخل الموساد الإسرائيلى، وتبين بعد ذلك أن الموساد هى التى ساعدت روسيا فى العثور على السفينة حفظاً لماء وجه روسيا عالمياً، فى مقابل تعهد جديد بعدم بيع أسلحة متطورة لإيران وسوريا.
وفى حادث آخر مشابه يؤكد تتبع الموساد لصفقات الأسلحة التى تعقدها إيران مع دول أخرى منتجة للصواريخ وتعمل فى المجال النووى، قامت سلطات دولة الإمارات فى منتصف أغسطس الماضى بإيقاف سفينة تحمل شحنة من الأسلحة مصنوعة فى كوريا الشمالية، ومتوجهة إلى إيران، باعتبار ذلك خرقاً للعقوبات الدولية المفروضة على كوريا الشمالية. حيث تبين أن السفينة الاسترالية (إيه . إن . إل استراليا) وتمتلكها شركة استرالية كانت تحمل منصات إطلاق صواريخ وأجهزة تفجير وذخيرة وقذائف صاروخية، وقد أبلغت الولايات المتحدة الإمارات حول شحنة الأسلحة التى صادرتها السلطات الإماراتية.
وفى إطار هذا النشاط الاستخباراتى القوى الذى تمارسه الموساد، لم يكن غريباً أن يمدد نتنياهو لسنة إضافية لمهام رئيس الموساد (مائير داجان) المكلف خصوصاً بإدارة الملف النووى الإيرانى، تحسباً لمهام استخباراتية أخطر وأهم من المتوقع أن يقوم بها الموساد فى المرحلة القادمة، خاصة عندما يبدأ العد العكسى لساعة الصفر لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، وما يتطلبه ذلك من تدقيق للمعلومات عنها وما حولها من أهداف عسكرية أخرى يتحتم ضربها لإنجاح الضربة الجوية، وأيضاً للقيام بعمليات استخباراتية تحتية بقوات خاصة ضد النظام الإيرانى، خاصة وأن تقييم داجان للأحداث الأخيرة فى إيران كان صائباً عندما أكد أمام مجلس الوزراء الإسرائيلى المصغر أن التظاهرات التى نشبت فى إيران ستنتهى إلى لا شئ بسبب شدة بطش الحرس الثورى بالإصلاحيين.
المخابرات الأمريكية والإسرائيلية يعيدان تقييم البرنامج النووى لإيران:
توصلت كل من هيئات الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية خلال الشهر الماضى (أغسطس 2009) إلى تقييم جديد لبرنامج إيران النووى يفيد بأنها تمكنت من إنتاج وقود نووى كاف للتسريع من عملية صنع سلاح نووى، وإن كانت إيران تعوزها خطوات أخرى مهمة من أجل صنع القنبلة.
وكان جلين ديفيز المبعوث الأمريكى الجديد للوكالة الدولية قد صرح أمام اجتماع لمجلس محافظى الوكالة بأن "لدينا مخاوف جادة من أن إيران تحاول عمداً وكحد أدنى الاحتفاظ بخيار السلاح النووى. وأنها اقتربت جداً أو تمتلك بالفعل يورانيوم منخفض التخصيب يقدر بـ 1508 كجم، وهو قدر كاف لإنتاج سلاح نووى واحد إذا اتخذ القرار باستكمال تخصيبه أكثر للمستوى المستخدم فى الأسلحة (90% فأكثر). وهو ما يقرب إيران من امتلاك قدرات خطيرة قادرة على زعزعة الاستقرار". وفى وقت سابق من هذا العام قال مدير الاستخبارات القومية الأمريكية أن إيران على الأرجح لن تكون قادرة من الناحية الفنية على رفع مستوى التخصيب إلى المستوى المطلوب فى الأسلحة قبل عام 2013، وهو ما اعترضت عليه إسرائيل، حيث اعتبرت أن هناك برنامجاً سرياً لتخصيب اليورانيوم تخفيه إيران عن مفتشى الوكالة يمكنها من إنتاج كمية مخصبة بنسبة عالية من اليورانيوم تكفى لصنع سلاح نووى خلال عام واحد.
كما اتفقت التقديرات الإسرائيلية مع الأمريكية فى أن إيران تمتلك فعلاً تصميمات لصنع رأس حربى نووى لصاروخ باليستى طراز (شهاب) الذى تملك فيه إيران عدة مئات تهدد يهم إسرائيل ودول المنطقة.
ثم جاء التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة النووية الصادرة فى 2009/9/6، والذى عبر فيه عن أسفه لأن طهران تتمادى فى انتهاكات قرارات المجلس الأمنى، واعترف بعدم إقناع إيران فى الدخول بمباحثات من أجل تسوية جميع المسائل العالقة فى برنامجها النووى منذ العام الماضى، وأن إيران رفعت عدد أجهزة الطرد المركزى التى تعمل فى مجال تخصيب اليورانيوم إلى 8308 أجهزة وأنها غذت نحو 7942 جهازاً بغاز سداس فلورايد اليورانيوم UF-6 وهو ما يعكس عدم تعاونها مع الوكالة فى القضايا المثيرة للقلق، إضافة إلى عدم تنفيذها البروتوكول الإضافى، هذا رغم أن ليس كل أجهزة الطرد المركزى تعمل بسبب أعطال فيها، وهو ما سيسمح لإيران باستئناف توسيع كبير فى التخصيب إلا إذا حدثت مشاكل فنية، وكان الرئيس الإيرانى نجاد قد سبق أن صرح بأن إيران زادت من عدد أجهزة الطرد المركزى، كما تستخدم نوعيات جديدة من هذه الأجهزة (P-2) بالإضافة لوسائل أخرى (التخصيب بالليزر) مما يزيد من حجم الكميات المطلوب تخصيبها من اليورانيوم، وسرعة وزيادة نسبة التخصيب، ونقاوة اليورانيوم المخصب.
كما أوضح تقرير الوكالة أن إيران تعاونت معها بشكل جزئى فى تدعيم إجراءات الضمانات المطبقة فى منشأة ناتانز لإنتاج الوقود النووى، كما سمحت للوكالة بإجراء تحقق وتفتيش فى مفاعل أراك، وإن كانت إمكانات مفتشى الوكالة محدودة بحيث لا تسمح لهم بتفتيش وتغطية كافة جوانب هاتين المنشأتين، ولكن فى المحصلة النهائية أن إيران أنتجت مزيداً من اليورانيوم المخصب وذلك فى الفترة ما بين 2008/11/28 وحتى 2009/7/31، ولا تزال تواصل التخصيب، وأن المخزون الحالى منه (1508 كجم) يزيد بمقدار 200 كجم عما كان موجوداً فى مايو الماضى. كما أفاد التقرير بأن إيران سمحت للمفتشين بأن يزوروا مرة أخرى منشأة أراك لفصل البلوتونيوم الذى يعمل بالماء الثقيل لمرة واحدة، وأنه تم استكمال 63% من حجم إنشاءاته، وسيتم تركيب جسم المفاعل فى عام 2011، وإذا ما تم تركيب سقف المفاعل، فإنه سيصعب على الأقمار الصناعية مراقبة أنشطته. وقد أرجح مراقبون غربيون تراجع معدل تخصيب اليورانيوم رغم استمراره إلى احتمال وجود نقص فى مادة (أوكسيد اليورانيوم) وهى المادة الخام المستخدمة فى إنتاج اليورانيوم المخصب، وهو ما يعنى فعالية الحصار والعقوبات الدولية المفروضة على إيران، وهو ما يفسر أن عدد أجهزة الطرد المركزى التى تم تركيبها ولم يجد تشغيلها قد ارتفع نحو 2100 جهاز فى مايو الماضى يمكن إضافتهم لخطوط الإنتاج فى غضون أسابيع إذا ما توافرت المادة الخام.
وقال مسئول فى الوكالة الدولية للطاقة "أنه يوجد محطة تخصيب قيد الإنشاء، ولكنها تعمل فى الوقت نفسه، وهذا وضع غير مألوف للغاية بالنسبة للمراقبين. لذا، يجب على الوكالة لتكون لديها صورة كاملة لنقاط التغذية والناتج، أن تقوم بتعديل وضع إضافة كاميرات مراقبة، ذلك لأنه كى يتم تحويل التخصيب إلى أغراض التسلح سيكون على إيران إعادة مغايرة أجهزة الطرد المركزى لتنتج يورانيوم عالى التخصيب، وتحول هذا اليورانيوم إلى فلتر، ثم تعمل على تصغير حجمه ليركب فى رأس حربى لصاروخ. ومن غير المرجح بشدة أن تقوم إيران بذلك فى منشأة ناتانز، لأن من المؤكد أن وكالة الطاقة ستلاحظه وتدق جرس الإنذار".
ولكن من المعروف أنه لا يحق لمفتش الوكالة التجول فى أى مواقع غير المواقع المدنية المعلنة من جانب إيران، وهذا ما يجعلهم غير قادرين على التحقق من أن إيران ليس لديها مشروع نووى عسكرى مواز فى مكان ما بهذه الدولة الشاسعة، الخاضعة لسيطرة أمنية محكمة. وتتراوح تقديرات الغرب للمدة التى يمكن أن تستغرقها إيران لتصبح دولة نووية بين ستة أشهر وخمسة أعوام، ويرجع هذا التباين إلى الغموض السياسى الذى تتسم به إيران، ومقاومتها للاختراق المخابراتى. وقد زاد د. محمد البرادعى رئيس الوكالة من المخاوف فى يونيو الماضى حين تخلى عن المحاذير الدبلوماسية المعتادة، وقال أنه الآن واثق من أن هدف إيران هو إظهار أنها قادرة على إنتاج سلاح نووى فى فترة زمنية قصيرة بعد صدور الأمر بذلك لردع الأعداء - مثل إسرائيل والولايات المتحدة، وأن إيران تحجم عن الكشف عما بحوزتها من معلومات ودراسات عسكرية بخصوص رؤوس نووية لصواريخها، وترفض إطلاع الوكالة عما لديها من تصميمات فى هذا الشأن، وتعمد للاكتفاء بتقديم أقل القليل من المعلومات التى تطلبها الوكالة، فى ذات الوقت الذى تواصل فيه عمليات التخصيب.
وطبقاً لتقرير الوكالة الأخير، فقد خسر الذين راهنوا على إمكانية أن تؤدى التوترات السياسية الداخلية التى أعقبت إعلان نتائج انتخابات الرئاسة فى إيران إلى إبطاء أو وتجميد برنامجها لتخصيب اليورانيوم، بل العكس هو الصحيح، فالتقرير يشير بوضوح إلى أن قدرة طهران على بناء مزيد من أجهزة الطرد المركزى لم تتأثر مطلقاً خلال الشهور الأخيرة، وربما يكون أحمدى نجاد أحوج ما يكون الآن للاستمرار فى برنامجه النووى، بل وتسريعه من أجل استعادة التأييد الشعبى الذى فقده فى الأشهر الثلاثة الأخيرة.
ورغم وضوح تقرير الوكالة الدولية للطاقة، إلا أن مسئولين إسرائيليين دبلوماسيين غربيين اتهموا الوكالة بإخفاء أدلة حول البرنامج النووى الإيرانى تثبت سعى إيران لامتلاك أسلحة نووية، حيث ذكرت صحيفة هاآرتس فى 2009/8/19 أن إيران تمتنع عن نشر معلومات تم الحصول عليها فى الأشهر الأخيرة تدل على ذلك، واتهمت البرادعى بالتساهل حيال إيران. وطالب المدير العام للوكالة النووية الإسرائيلية شاؤول حوريف بنشر هذه المعلومات والتى بقيت سرية بحيازة رئاسة الوكالة. وأشارت الصحيفة إلى أن الأدلة المشار إليها ضمن وثيقة ملحقة بتقرير لمفتشين زاروا إيران ووقعها رئيس فريق التفتيش، غير أنها لم تدرج فى التقرير الأخير الصادر عن الوكالة. أما فرنسا فقد عبرت على لسان وزير خارجيتها برنار كوشير عن استيائها من تصريحات د. البرادعى وطريقة تعاطيه مع أعضاء الوكالة بخصوص الملف النووى الإيرانى، بل ذهب كوشير إلى حد اتهام البرادعى بإخفاء معلومات عن الوكالة وعن الدول الخمس دائمى العضوية فى مجلس الأمن وألمانيا حول الأنشطة النووية الإيرانية، وعن طبيعة البرنامج النووى الإيرانى، والشق التسليحى من هذا البرنامج، وحول الرؤوس النووية ووسائل إطلاقها، وتمنى أن تصل الدول الكبرى إجابات من الوكالة على هذه الأسئلة، وهو الاتهام الذى رفضه د. البرادعى بشدة ورد عليه بعنف، واصفاً إياها بأنها "ادعاءات خبيثة ولا أساس لها من الصحة" وتثير انزعاجاً عميقاً، مشدداً على أن الوكالة التابعة للأمم المتحدة تعتمد على "إجراءات بحث وتحقق مستقلة ومحايدة وشاملة"، وكان البرادعى قبل تنحيه عن رئاسة الوكالة الدولية للطاقة النووية فى الخريف القادم، قد ضغط على إيران كى تجيب على أسئلة حول "أبعاد عسكرية محتملة" لبرنامجها النووى، مبدياً قلق الوكالة حول دور مزعوم لشخص أجنبى مجهول (روسى الجنسية) خبير فى التفجيرات، وأن إيران تركز على الأسلوب والشكل وتقدم إجابات محدودة وإنكارات بسيطة".
ومما أدى إلى تزايد قلق الدول الغربية وإسرائيل، ما أوضحه رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة النووية غلام رضا زاده من أن عدد أجهزة الطرد المركزى فى ناتانز سيبلغ 50.000 جهاز ومن نوعين جديدين خلال الخمس سنوات القادمة، وأن الأجهزة الجديدة ستضاعف قدرة تخصيب اليورانيوم الجارية حالياً، وأن القدرة الإنتاجية لمصنع تحويل اليورانيوم فى أصفهان تبلغ عشرة أطنان من الوقود النووى المخصص لمفاعل أراك الذى يعمل بالماء الثقيل والذى لا يزال قيد البناء، إضافة إلى ثلاثين طناً من الوقود النووى للمفاعلات الجديدة التى ستعمل بالماء الخفيف، وأوضح رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة النووية أن بلاده حصلت على تكنولوجيا تصنيع أجهزة طرد مركزى أكثر دقة وأقل أعطالاً، تستخدم فى تخصيب اليورانيوم، وهو الأمر الذى أدى بأجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية إلى إعادة تقييم الموقف النووى الإيرانى من جديد فى ضوء هذه المعلومات، وبالتالى التوقيت المتوقع أن تمتلك فيه كمية اليورانيوم المخصب بنسبة كافية لإنتاج أسلحة نووية، وقدراتها وعددها، ووسائل إطلاقها التى ستكون متاحة خلال الخمس سنوات القادمة، لاسيما بعد أن أكدت الموساد أن لديها أدلة على أن السعى من أجل صنع تصميمات لرؤوس نووية للصواريخ شهاب تم استئنافه سراً فى عام 2005 بناء على تعليمات من المرشد الأعلى للثورة على خامنئى.
ويضيف الإسرائيليون أنه قد يكون هناك وقت تحذير ضئيل، أو قد لا يكون هناك وقت إطلاقاً، لاسيما إذا كان لدى إيران منشآت سرية، ويشتكى الإسرائيليون من أنه فى أعقاب ما حدث فى العراق أصبحت أجهزة الاستخبارات الأمريكية تلتزم بحذر شديد فى تقييمها للقدرات النووية والعسكرية الإيرانية، هذا رغم حصولها فى عام 2007 على أدلة لوجود تصميمات لرؤوس صاروخية نووية تعمل عليها إيران. كما يناقش المسئولون فى أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية مدى تأثير الأحداث الأخيرة فى إيران على برنامجها النووى، وحول ما إذا كانت القيادة الإيرانية التى واجهت احتجاجات عنيفة، تعانى حالة من الشلل فيما يتعلق بالتفاوض مع الغرب، ومن ثم البت فى موضوع استمرارها فى البرنامج النووى، إلا أن الرد الإيرانى الأخير على مقترحات مجموعة دول 5+1، قطع الطريق على أية شكوك فى أن إيران تكون قد عدلت عن موقفها السابق، بل يؤكد هذا الرد على أن إيران أصبحت أكثر إصراراً وتصميماً على استكمال برنامجها النووى، باعتباره مشروعاً قومياً يمكن أن تتوحد الأمة الإيرانية حوله.
الاستعدادات الإسرائيلية لتوجيه ضربة عسكرية لإيران:
لم تكن المناورات الضخمة التى أجرتها إسرائيل كلها (قيادات، وجيشاً، وشعباً) فى الفترة ما بين 31 مايو إلى 4 يونيو الماضى لمواجهة حرب صواريخ ضدها قادمة من إيران وحزب الله وسوريا وحماس، لم تكن هى المظهر الأخير لتدريب الإسرائيليين تحسباً لمثل هذه المواجهة، والمتوقع أن تقع فى النصف الأول من عام 2010، خاصة بعد أن هدد قادة إيران برد واقعى وحاسم إذا تعرضت منشآتها النووية لهجوم إسرائيلى أو أمريكى أو مشترك، بل إن قائد الحرس الثورى الجنرال على جعفرى لم يتردد فى التصريح بأن "إيران ستوجه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإسرائيلية إذا هاجمت تل أبيب إيران، وذلك بما تملكه إيران من قدرات صاروخية كبيرة". وذلك فى إشارة منه لاستهداف مفاعل ديمونة الإسرائيلى، وذلك بعد أن تعدى مدى الصواريخ (شهاب-3) 2000 كم وبما يجعلها قادرة على الوصول إلى أى هدف فى إسرائيل، وأيضا بعد أن ربطت إيران ملفها النووى بالسلاح النووى الإسرائيلى وضرورة إزالته قبل الحديث عن البرنامج النووى الإيرانى. كما جاء تعيين أحمد وحيدى وزير الدفاع فى إيران بمثابة تحدى بالغ للجانب الإسرائيلى الذى عارض تعيينه بشدة لتورطه فى تفجير مركز ثقافى يهودى فى بيونس أيرس بالأرجنتين عام 1994، حيث أكد وحيدى أن تعيينه فى هذا المنصب يبطل الدعاية والحرب النفسية الإسرائيلية ضده. كما أعلنت إيران أنها طورت نظام أسلحة لاعتراض الصواريخ المهاجمة، وبناء عشرات من بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات والنظم الصاروخية، بالإضافة لنظام رادار متطور، هذا بالإضافة للمعلومات التى تفيد بشراء إيران نظام دفاع جوى صينى مماثل للنظام الروسى S-300، وكذلك أجرت تدريبات على الحروب الإلكترونية.
لذلك أجرت إسرائيل تدريباً مشابهاً على مستوى مراكز القيادة فى الفترة الأخيرة، استعداداً لمناورات حية ضخمة تشمل جميع المستويات السياسية والعسكرية والدفاع الإقليمى والشعبية، ستجرى فى يناير القادم يشمل أيضاً التصدى لهجمات صاروخية كيماوية وبيولوجية تتعرض لها المدن الكبرى فى إسرائيل، وكيفية التعامل مع الأمر فى حالة تعرض مناطق الكثافة السكانية وإصابة الأجهزة الحساسة فى الجيش والشرطة بأمراض خطيرة كالجمرة الخبيثة والجدرى المائى وغاز الأعصاب VX، كما يدرس المسئولون الإسرائيليون احتمالية تحصين البلاد بالكامل ضد هذه الأمراض، وهو ما ستتولى وزارة الدفاع تنفيذه.
كما أجرت إسرائيل تدريباً فى الولايات المتحدة على كيفية اعتراض الصاروخ المضاد للصواريخ (حيتس -3) للصواريخ الإيرانية شهاب بعد الإنذار بذلك عقب إطلاقه من إيران بخمسة دقائق ونصف الدقيقة، أى خارج الأراضى الإسرائيلية، وذلك بالتنسيق مع بطاريات الصواريخ الأمريكية باتريوت باك -3 ووسائل الإنذار الأمريكية. هذا إلى جانب تطوير الصاروخ الباليستى (أريحا -3) ليتعدى مداه 2750 كم ليشارك مع القاذفات والمقاتلات الإسرائيلية فى توجيه الضربة المخططة ضد المنشآت النووية الإيرانية.
وكانت إسرائيل قد اتفقت مع الولايات المتحدة على رفع مستوى التنسيق الاستراتيجى بينهما، وذلك بدعوى "تعاظم التحديات التى يواجهها الطرفان معاً، وبحيث يشمل التنسيق لقاءات دورية بين وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أجهزة المخابرات فى البلدين. وكان التنسيق الاستراتيجى الرسمى بين الدولتين فى زمن حكومة ايهود أولمرت السابقة، يتم بجلسات نصف سنوية يديرها وزير المواصلات الإسرائيلى شاؤول موفاز، وهو رئيس أركان سابق فى الجيش الإسرائيلى، مقابل موظفين كبار فى وزارة الدفاع الأمريكية، وتقرر أن يقود الوفد الإسرائيلى إلى المحادثات وزير الخارجية الإسرائيلى افيجدور ليبرمان مقابل وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون، ويتوقع أن تعقد أولى هذه الجلسات فى أكتوبر القادم فى القدس.
وفى إطار هذا التنسيق تعطى الولايات المتحدة معلومات لإسرائيل حول إيران، وتشركها فى الكثير من القضايا التى تهم البلدين، كما يتم بحث الطلبات الإسرائيلية المتواصلة حول الأسلحة المتطورة والمزيد من المعلومات. ويشار إلى أن إسرائيل تشكو باستمرار مما تصفه بالبخل الأمريكى فى التجاوب مع طلباتها، بينما تشكو الولايات المتحدة من زيادة الطلبات الإسرائيلية. وساد هذه العلاقات الخلل فى عدة مناسبات عندما اكتشفت واشنطن أن إسرائيل لا تنفك عن محاولات البحث عن جواسيس لها فى الولايات المتحدة لمعرفة المزيد من المعلومات حول الأسلحة المتطورة وحول قضايا التسلح فى الدول العربية وإيران.
وفى إطار الاستعداد والتدريب على توجيه ضربة لإيران ومواجهة ردود أفعالها المتوقعة، عبرت غواصة إسرائيل طراز دولفين قناة السويس فى شهر يونيو الماضى قادمة من قاعدتها فى حيفا (يوجد 3 غواصات من هذا الطراز فى إسرائيل)، وتوجهت إلى البحر الأحمر، حيث قاعدة إيلات البحرية، وذلك فى مناورة غير معتادة وصفت بأنها استعراض لقوة إسرائيل الاستراتيجية فى مواجهة إيران. ويعتقد بشكل واسع أن هذه الغواصات من المحتمل أن تكون مسلحة بصواريخ كروز ذات رؤوس نووية، وحيث سبق أن هددت إسرائيل بنشر هذه الغواصات فى خليج عمان لتوجيه ضربة نووية لإيران فى حالة إقدامها على قصف إسرائيل بصواريخ شهاب. وقد شاركت هذه الغواصة فى تدريب للقوات البحرية الإسرائيلية فى البحر الأحمر انطلاقاً من قاعدة إيلات، والتى لم تكن ترابط فيها غواصات من قبل. وذكر مصدر إسرائيلى أن هذه المناورة البحرية أظهرت أنه "بإمكان البحرية الإسرائيلية أن تصل بشكل أسهل كثيراً إلى المحيط الهندى والخليج عما مضى"، ثم أضاف "وفى حالة الضرورة فإن غواصاتنا قادرة على أن تفعل بإيران ما يعتقد أنها قادرة على فعله، ومن المؤكد أن هذه القدرة يمكن تفعيلها من البحر المتوسط". وكل غواصة دولفين ألمانية الصنع مزودة بعشر فتحات لإطلاق طوربيد تم زيادة اتساع أربع منها بناء على طلب إسرائيل لتسع - على حد قول محللين مستقلين - صواريخ كروز مزودة برؤوس نووية، لكن التساؤلات تدور حول ما إذا كانت هذه الصواريخ يصل مداها إلى 1500 كم اللازمة لقصف إيران من البحر المتوسط، أم من الضرورى المناورة بها حتى خليج عمان ليمكنها قصف أهداف إيرانية, ومن المنتظر أن ينضم لأسطول الغواصات الإسرائيلية، 2 غواصة دولفين أخريين تم التعاقد عليهما فعلاً مع ألمانيا ليصير إجمالى ما تملكه إسرائيل منها خمس غواصات، وهو ما سيسمح لإسرائيل بتنظيم جولات تجوب فيها بعض الغواصات مياها بعيدة، فيما يبقى البعض الآخر لتأمين الساحل الإسرائيلى أو يرسو لإجراء أعمال الصيانة.
وفى إطار المناورات البحرية الإسرائيلية أيضاً قامت فرقاطتان إسرائيليتان من طراز (سعر - 5) فى النصف الأول من يوليو الماضى بعبور قناة السويس، فيما اعتبر أنه جزء من الاستعدادات الإسرائيلية لتوجيه ضربة إلى القدرة النووية الإيرانية. وقد اعتبرت صحيفة التايمز البريطانية فى عددها بتاريخ 2009/7/16 أن انتشار هاتين السفينتين الحربيتين بعد أيام من عبور غواصة دولفين، يعتبر مؤشراً واضحاً على قدرة إسرائيل على تحريك قوتها البحرية الضاربة إلى مسافة قريبة من إيران فى غضون وقت قصير. وجاء هذا التحرك قبل أسابيع قليلة من مناورات أجراها سلاح الجو الإسرائيلى للتحليق على مسافات طويلة فى الولايات المتحدة فى نهاية يوليو الماضى شاركت فيها عدد من المقاتلات الإسرائيلية F - 16، وذلك فى قاعدة (نيلليسى) الجوية الأمريكية، وبمشاركة طائرات النقل الإسرائيلية طراز (هيركيوليز C130) فى سباق روديو 2009 الذى جرى فى قاعدة (ماكورد) الجوية فى واشنطن، وكذلك من تجربة الصواريخ (حيتس/ السهم) المضادة للصواريخ على السواحل الأمريكية الغربية.
ويشار فى هذا الصدد إلى أن إسرائيل أجرت فى السابق مناورات علنية وسرية على عمليات ذات مدى بعيد، منها تحليق أكثر من 100 مقاتلة F - 16، F - 15 وصواريخ إمداد بالوقود فى الجو فى العام الماضى لمسافات بعيدة وصلت إلى السواحل اليونانية وحتى مضيق جبل طارق، كما اعتبر الهجوم الجوى والبحرى الذى قامت به طائرات وسفن إسرائيلية فى المياه الإقليمية السودانية ضد قافلة سلاح كانت متجهة إلى حماس عبر الصحراء الشرقية المصرية فى يناير الماضى (2009)، تأتى أيضاً فى إطار الاستعدادات الإسرائيلية لضرب أهداف متحركة. وثمة اعتقاد لدى محللين عسكريين بأن الغواصات الإسرائيلية بإمكانها بالاشتراك مع المقاتلات المتقدمة أن تشارك فى الضربة التى ستوجه ضد 12 موقعاً نووياً إيرانياً تبعد عن إسرائيل نحو 1300كم.
وفى مواجهة احتمال مشاركة كل من حزب الله فى لبنان وحركة حماس فى غزة مع إيران فى ضرب إسرائيل بصواريخ قصيرة المدى، وجهت إسرائيل إنذارات وتحذيرات كثيرة لقادة هذين الحركتين التابعتين لإيران من مغبة ذلك، بل حذر الجنرال عاموس جلعاد رئيس الدائرة السياسية والأمنية فى وزارة الدفاع حماس من أن إسرائيل ستقدم على تدميرها فى حالة سعيها لامتلاك صواريخ يزيد مداها عن 60كم. وقال جلعاد: "نحن لا نستطيع إبادة حماس بأكملها، ولكننا نستطيع ضرب جميع مؤسساتها السياسية والأمنية والدفاعية والخدماتية وكافة مراكزها فى حال امتلكت هذه الصواريخ واستطاعت استعمالها". وفى كلمته أمام مؤتمر مكافحة الإرهاب فى هرتزليا فى 2009/9/8 قال جلعاد "عزمت إسرائيل على تدمير قوة الردع لدى كل من حزب الله وحماس فى حالة امتلكت هاتان المنظمتان صواريخ ذات مدى طويل يهدد حياة الإسرائيليين". واعتبر أن حماس غير قادرة حاليا على مهاجمة الجيش الإسرائيلى مدللاً على ذلك "بعجزها" عن أسر جنود خلال الحرب على غزة، واتهم جلعاد إيران بلعب دور أساسى فى تشجيع العمل المقام ضد إسرائيل مدعيا أن الكثير من الفصائل الفلسطينية تستعين بإيران ماليا وعسكريا من أجل تعزيز قدراتها الدفاعية، محذراً من أن إيران ستدعم فى حالة تطويرها سلاحاً نووياً، المقاومة الفلسطينية بشكل أكبر. أما الجنرال عاموس يادلين رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية فقد أكد مؤخراً أن حماس "تمتلك اليوم أسلحة وصواريخ أكثر دقة وتطوراً من ذى قبل، بإمكانها أن تصل إلى مدينة تل أبيب".
إسرائيل ليست فى حاجة لضوء أخضر من الولايات المتحدة لشن ضربة ضد إيران:
كشف دبلوماسى أمريكى النقاب عن أن إسرائيل كانت تعتزم توجيه ضربة عسكرية لإيران خلال الاضطرابات التى أعقبت انتخابات الرئاسة الإيرانية، وأن الحكومة الإسرائيلية قدمت طلباً للإدارة الأمريكية عليه توقيع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والرئيس الإسرائيلى شيمون بيريز، يشير إلى رغبة إسرائيل فى توجيه ضربة ضد المنشآت النووية الإيرانية، وأن إدارة الرئيس باراك أوباما تجاهلت الطلب، مما أحبط الحكومة الإسرائيلية.
وفى محاولة لتخفيف حدة الحرب الكلامية المشتعلة بين إيران وإسرائيل، نفت الإدارة الأمريكية التفسيرات الإيرانية لتصريحات جوبايدن نائب الرئيس الأمريكى بأن واشنطن أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لمهاجمة إيران أو أنها تعيد النظر فى مشاريعها لفتح حوار مع طهران. وكان رئيس مجلس الشورى الإيرانى على لاريجانى قد حذر من أن طهران ستحمل واشنطن مسئولية أى ضربة عسكرية تستهدف منشآتها النووية، ولكن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أيان كيلى خفف من شأن التفسيرات الإيرانية لتصريحات بايدن قائلاً: "لا أريد بالتأكيد أن أعطى ضوءاً أخضر لأى عمل عسكرى"، إلا أنه كرر ما قاله بايدن الذى شدد على أن إسرائيل "دولة ذات سيادة ولها الحق فى اتخاذ قراراتها العسكرية". كان بايدن قد سئل ثلاث مرات خلال لقاء مع قناة أى بى سى عما إذا كانت الولايات المتحدة ستقف حجر عثرة فى طريق إسرائيل؟ ورد نائب الرئيس فى كل مرة قائلاً: "أن إسرائيل بصفتها دولة ذات سيادة مؤهلة لاتخاذ القرار الذى تراه صواباً"، وأضاف أيضاً أن خيار الحوار مع إيران والذى عرضه الرئيس أوباما لا يزال قائماً، ولكن على إيران أن تبادر بالاستجابة". ويأتى ذلك فى الوقت الذى ذكرت فيه صحيفة "واشنطن تايمز" الأمريكية أن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلى أكد أن بلاده لم تطلب إذن واشنطن لقصف إيران، خوفاً من عدم موافقة البيت الأبيض على هذه الخطوة.
وإذا كان الرئيس أوباما قد سارع بنفسه إلى توضيح عدم منح الولايات المتحدة الضوء الأخضر لإسرائيل، قائلاً: "إننا لا نملى على الآخرين ما يجب عليهم فعله من أجل حماية أنفسهم" هنا برز السؤال فى إسرائيل: إذا كان الحال كذلك، إذن: أين تقف الولايات المتحدة من توجه إيران لتصبح دولة ذات قدرات نووية؟ كما تتضح حقيقة أخرى مهمة وهى أنه إذا كانت إسرائيل لا تملك الضوء الأخضر لمهاجمة إيران، فإنها أيضاً لا تملك الضوء الأحمر الذى يمنعها من ذلك. فالقرار بيد إسرائيل، والولايات المتحدة لن تساعدها، ولكنها أيضاً لن توقفها، والحكومة الإسرائيلية تتحمل المسئولية كاملة، هذا ما قاله وما لم يقله الرئيس الأمريكى ونائبه.
ومن ناحية أخرى، تشير السوابق التاريخية إلى أن إسرائيل لا تحتاج أصلاً إلى استئذان البيت الأبيض إذا قررت القيام بمثل هذه الخطوة، فعلى سبيل المثال، وفى 7 يونيو 1981 وبعد يوم واحد من إجماع رئيس وزراء إسرائيل مناحم بيجين مع الرئيس الراحل أنور السادات، قامت الطائرات الإسرائيلية بالاغارة على المفاعل النووى العراقى (أوزيراك)، وخرج بعدها الرئيس الأمريكى رونالد ريجان ليدين الحادث مكتفياً بالقول إن هناك بعض خيارات أخرى كان ينبغى على إسرائيل أن تضعها فى الحسبان، لكن بيجين بعد نجاح العملية الإسرائيلية قال للصحفيين وهو فى حالة زهو أنه "وضع نموذجاً لأى رئيس وزراء إسرائيلى قادم، حيث لن يكون بإمكانه غير القيام بنفس الخطوة لو تشابهت الظروف". وأيضاً فى شهر سبتمبر عام 2007 أغارت الطائرات الإسرائيلية على موقع سورى يشتبه فى أنه مفاعل نووى تحت الإنشاء لتخصيب اليورانيوم، واكتفت دمشق بالقول أنها تحتفظ بحق الرد. ولكن ما يعنينا هنا أنه فى الحالتين لم تستأذن إسرئيل واشنطن، كما أن هجولها على كل من العراق وسوريا لم يترك أى أثر سلبى على أواصر الصداقة التى تجمعهما بواشنطن.
وفى تصعيد جديد من جانب إسرائيل ضد إيران، أكد مصدر أمنى إسرائيل فى 2009/8/12 لصحيفة معاريف الإسرائيلية أن بلاده تملك ما وصفه بـ "خيار عسكرى حقيقى" ضد البرنامج النووى الإيرانى، وأوضح أن إسرائيل قادرة على شن هجوم على إيران بمفردها، وبالتالى تأجيل عملية إنتاج أول قنبلة نووية إيرانية لعدة سنوات، إلا أنه أبدى تشاؤمه حيال عامل الوقت، واستبعد أن يكون ذلك فى المستقبل القريب، أو على الأقل قبل حوار بين إيران والولايات المتحدة، وثبوت فشله فى منع إيران من استكمال تاريخها النووى. وتحت صورة لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وهو يجلس فى مقعد قيادة مقاتلة F - 15I نقلت الصحيفة عن هذا المصدر الأمنى قوله "إن إسرائيل يمكن أن تشن هجوماً من هذا النوع دون موافقة الولايات المتحدة لكن الوقت بدأ ينفد لتصبح الغارة فعالة.
وعلى صعيد متصل نفت السعودية ما تردد حول موافقتها على السماح للطائرات الحربية الإسرائيلية بالتحليق فى أجوائها لضرب المواقع النووية الإيرانية ووصفتها بأنها كاذبة. وقال المتحدث باسم وزراء الخارجية السعودية أسامة نوقالى "إن المملكة لا تقيم أية علاقات دبلوماسية أو تجارية أو من أى نوع آخر مع إسرائيل، وبالتالى لم تجر أى محادثات معها". كانت صحيفة صانداى تايمز البريطانية قد نقلت عن رئيس الموساد تأكيده لنيتنياهو أن "السعودية ستكون طرفاً عند تحليق طائرات إسرائيلية فوق أجوائها فى أى غارة تشنها تل أبيب فى المستقبل على مواقع نووية إيرانية". وزعمت الصحيفة أن مائيرداجان مدير الموساد أجرى مطلع العام الحالى محادثات سرية مع مسئولين سعوديين لبحث تلك الإمكانية.
رؤية تحليلية:
لا يشك أحد فى أن لإسرائيل هدفاً استراتيجياً قديماً وحديثاً فى آن واحد يتمثل فى استمرار احتفاظها بالاحتكار النووى دون أن يشاركها فيه أحد من دول المنطقة. ومن ثم علينا أن نتخذ كل ما يصدر عنها من تصريحات ويقع على أرضها وحولها من مناورات وتدريبات وعمليات استخباراتية تدور حول هذا الشأن والاستعداد له على محمل الجد، وهو ما يجب أن تضعه إيران فى اعتبارها جيداً، لأن افتراض أن إسرائيل لم تأخذ الضوء الأخضر من واشنطن لشن عملية عسكرية ضد إيران، إنما يعنى ضمنياً أنها لم يوجه لها أيضاً أى ضوء أحمر من واشنطن للامتناع عن تنفيذ هذه العملية، وأن الموعد التقريبى لتنفيذ مثل هذه العملية سيكون بعد إعلان مجموعة دول 5 + 1 عن فشل مفاوضاتها مع إيران المتوقع أن تجرى خلال الفترة المتبقية من عام 2009 وبداية 2010. ولقد جاء الرد الإيرانى على مقترحات هذه الدول يعلن مقدماً فشل المفاوضات التى ستجرى، وبالتالى يعلى من ترجيحات شن الضربة الإسرائيلية فى الربع الأول من عام 2010 وقبل أن يصل البرنامج النووى الإيرانى إلى مدى أبعد فى امتلاك السلاح النووى.
وخطورة هذا الأمر لا تتمثل فقط فيما سينتج عن العملية العسكرية من آثار سلبية على كل المنطقة، بل فى طبيعة الإجابات التى بعثت بها إيران على مطالب المجتمع الدولى. فبعد أن أغلقت الباب تماماً حول بحث أى موضوع يتعلق بملفها النووى، وهو جوهر مطالب المجتمع الدولى، قدمت طهران حزمة مقترحات وأفكار لحل قضايا ومشاكل عالمية، وكذلك حل مشاكل المنطقة الحالية، حيث أبدت استعدادها للمشاركة فى حل قضايا الإرهاب، والقضية الفلسطينية، والعراق، وكذلك أفغانستان، أى أن طهران قدمت نفسها كزعيمة للمنطقة بأسرها، والدليل أنها تريد حل كل مشاكلها، وبما يعنى ضمنياً أن خيوط الحل فى يدها، وأنها قادرة من خلال أذرعها الممتدة فى كل هذه الأنحاء والبلدان على أن تشعل المنطقة أو تهدئها، وهو ما نرى ملامحه واضحة فى تدخلاتها فى لبنان وغزة وأفغانستان واليمن والعراق ودول الخليج العربية، وحتى اريتريا وجزر القمر والصومال، بل وأن لها اتصالات أيضاً مع تنظيم القاعدة الإرهابى، وهو ما يفسر وجود ثلاثة من أبناء أسامة بن لادن فى إيران ومعهم الرجل الثالث فى القاعدة (سيف العدل)، والذى يؤكد ذلك أن الإرهابى السعودى (العتيبى) الذى سلم نفسه لسلطات بلاده اعترف بأنه قادم من إيران، كما أن استعدادها للمساعدة فى أفغانستان يفسره الكشف عن مخزن لأسلحة إيرانية يشمل صواريخ وصواعق وأحزمة ناسفة.. وخلافة تابع لمقاتلى طالبان، والأمر نفسه فى العراق من حيث الموالين لإيران، وحماس فى غزة، وحزب الله فى لبنان، حيث تصل إليهم الصواريخ الإيرانية بحراً وجواً وبراً.
من هنا يمكننا أن نفسر توجه بيريز وكذلك نتنياهو فى زيارات علنية وسرية لموسكو للضغط عليها لمنع بيع صواريخ 300 - S لإيران، لأنها سلاح فعال قد يكبد المقاتلات الإسرائيلية خسائر جسيمة عند قيامها بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية إذا ما دخل هذا السلاح الروسى فى خطة الدفاع الجوى عن هذه الأهداف الإيرانية. ونفسر أيضاً التدريبات والمناورات الإسرائيلية المكثفة على شن هجمات جوية بعيدة المدى، وأيضاً على الدفاع عن الأراضى الإسرائيلية لمواجهة رد فعلى انتقامى صاروخى من جانب إيران. كما يمكننا أيضاً أن نفسر مناورات الغواصات والتحركات البحرية الإسرائيلية إلى البحر الأحمر باعتبارها ستكون من أدوات الرد الانتقامى لإسرائيل إذا ما تعرضت أراضيها لقصفات من صواريخ شهاب الإيرانية، وكل ذلك فى المحصلة النهائية يؤكد أن شبح الضربة العسكرية الإسرائيلية ضد إيران قد عاد من جديد يحوم فوق أجواء المنطقة، وإذا ما حدث ذلك فإن تغيرات دراماتيكية عديدة وحادة ستشهدها المنطقة ليس فقط على الأصعدة العسكرية والأمنية، بل وعلى الأصعدة السياسية والاستراتيجية ستترك آثارها لعقود طويلة. كما لن يكون الوضع الداخلى المضطرب فى إيران بعيداً عن هذه التأثيرات، بل سيكون فاعلاً، حيث أن الشعب الإيرانى - على غير ما يظهر الإعلام الإيرانى الرسمى - فاض به الكيل من ظلم وفشل وفساد وديكتاتورية حكام المؤسستين الدينية والحرس الثورى فى إيران، وستكون ضربة إسرائيل ضد إيران ذريعة لقيام انتفاضة شعبية كاسحة ضد هذا النظام، مستغلة ما سيعانيه من ضعف نتيجة هذه الضربة، وليس توحيد الشعب الإيرانى مع النظام الذى يحكمه كما يشيع البعض، واضعين فى الاعتبار دروس التاريخ منذ حكم الأكاسرة فى إيران إبان العصور الوسطى وحتى اليوم، وهى أن هزيمة وانكسار الأنظمة الحاكمة فى إيران تأتى دائما من الداخل وليس من الخارج، مهما كانت دولة فارس / إيران تمد لها أذرع تابعة لها فى دول المنطقة.