Share |
يوليو 2012
1
«النفط». والتدافع الأمريكي نحو القارة الأفريقية
المصدر: ملف الأهرام الإستراتيجى
بقلم:   نجلاء مرعي


أصبح تأمين الإمدادات من الطاقة واحداً من الاعتبارات الرئيسية التي تصوغ بها الدول سياساتها وعلاقاتها الخارجية، وإن كان ذلك يتم بأساليب تختلف عن الأبعاد الإستراتيجية والجوانب الجغرافية للموضوع في حد ذاته، فمن ناحية غدت الطاقة تقود لتحالفات ونماذج جديدة للتعاون بين الأطراف الرئيسية لسوقها، وصارت الاحتياجات من الطاقة من ناحية أخرى مصدراً وسبباً مهماً للتوترات وللصراعات الدولية متعددة المستويات.
وتواجه الدول المتقدمة موقف الاعتماد على الواردات البترولية لتوفير الاحتياجات من الطاقة، وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يصل إجمالي الاستهلاك الأمريكي من البترول إلى 36% في عام 2035. حيث تستهلك حاليا ما يتراوح ما بين 22 إلى 25 مليون برميل يوميا من النفط أي ما يوازي 25% من الإنتاج العالمي، في حين لا يزيد إنتاجها عن 8- 10 ملايين برميل يوميا أي ما نسبته 10% من الإنتاج العالمي.
وتتجلى أهمية ذلك في تسابق الدول الكبرى وتنافسها على نسج علاقات قوية مع البلدان المنتجة للبترول، وتعمل الولايات المتحدة ومازالت جاهدة على إقصاء منافسيها عن المناطق المنتجة للبترول، أو استيعابهم ضمن مخططاتها بحيث تكون هي وشركاتها العملاقة ما فوق القومية الجهة المسيطرة، والتي لها النصيب الأكبر من الغنائم. وهو ما أكدته أيضا إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي في مايو عام 2010 التي ركزت علي التنمية الاقتصادية وكيفية تحقيق نمو اقتصادي متوازن ومستدام، والذي يعتمد بدوره علي البترول باعتباره ركيزة الأمن القومي الأمريكي، ويتوقف على السيطرة عليه والتحكم فيه مستقبل القطب الأوحد في العالم حالياً، فبهذه السيطرة وبهذا التحكم لا تنفرد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم فقط، بل تحول دون بزوغ أية أقطاب أخرى، وإن حدث فستكون هذه الأقطاب تابعة لاقتصاديات القطب الأوحد.
وفيما يتعلق بأفريقيا، أصبحت أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 عنصراً أساسياً وحاسماً فيها بعد اكتشاف ثرواتها البترولية، حيث تحتل القارة الأفريقية موقعاً مهماً في خريطة النفط العالمية، إذ بلغ معدل تزايد إنتاج القارة من النفط 36% مقابل 16% لبقية القارات، وبلغ احتياطاتها 114 مليار برميل أي بنسبة 8% إلى الاحتياطي العالمي، وبالتالي تحولت أفريقيا إلى قاعدة إستراتيجية خلفية مهمتها تأمين الإمدادات البترولية للولايات المتحدة.
- "النفط وآليات تنفيذ السياسة الأمريكية إزاء أفريقيا"
استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية من أجل تأمين النفط الأفريقي، وتتمثل في:
- "الآليات الدبلوماسية والسياسية":
عملت الولايات المتحدة الأمريكية على تدعيم العلاقات الدبلوماسية مع الدول النفطية الأفريقية، وذلك من أجل الحفاظ على مصالحها النفطية من خلال سلسلة من الزيارات لعدد من هذه الدول، كما قامت بإجراء المشاورات، وعقد الاجتماعات رفيعة المستوى مع المسئولين بها، بهدف تعزيز وجودها العسكري، والتي ركزت على بحث القضايا الأمنية وقضية تأمين الطاقة، ومنها زيارة الرئيس باراك أوباما لغانا في يوليو 2009، ووجّه لإفريقيا خطاباً شاملاً من منبر البرلمان الغاني، كما قامت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون بجولة في إفريقيا، وخلال هذه الزيارات كان تأمين النفط، والسيطرة على منابعه بندين أساسيين على موائد الحوار بين المسؤولين الأمريكيين والأفارقه، وكانت نيجيريا واحدة من أهم المحطات الأساسية في معظم هذه الزيارات، نظراً لأنها تعد أهم مصدر أفريقي لواردات البترول للولايات المتحدة.
كما عملت الولايات المتحدة على إنهاء بعض النزاعات القائمة بسبب قربها من مناطق حقول النفط الإستراتيجية، فتقوم في نيجيريا بعدة تحركات لمواجهة عدم الاستقرار السياسي في الدلتا والذي من شأنه تهديد أمن الطاقة الأمريكية منها تكثيف وجودها العسكري في المنطقة، عبر القيام بالتدريبات والمناورات البحرية المشتركة، وحماية خطوط الملاحة الدولية. ومكّنت نيجيريا من تحقيق تقدم واضح بالنسبة لخلافات ترسيم حدودها الدولية مع كل من ساوتومي وغينيا الاستوائية. فقد وقعت مع ساوتومي اتفاقاً يحدد المنطقة التي تتقاطع فيها دعاوى السيادة المتنازعة، وعقب ذلك تقدمت الشركات النفطية الأمريكية للاستثمار في تلك المنطقة. واستجابت واشنطن لفكرة معهد "الدراسات الإستراتيجية والسياسية المتقدم، بإقامة القاعدة العسكرية في ساوتومي لتأمين حركة الناقلات البترولية في خليج غينيا، وذلك تحت مظلة "برنامج الأمن للساحل الأفريقي"، الذي يعد برنامجاً شاملاً متعدد الأغراض، حيث يتضمن أنشطة تقديم التسهيلات الضرورية للقوات البحرية والجوية الأمريكية، وخطط تعزيز قدرات القوات البحرية في دول الإقليم.
وفيما يتعلق بغينيا الاستوائية، فقد توصل الطرفان بتعاون أمريكي لاتفاق حول ترسيم الخط الحدودي، وتمثل حالة غينيا الاستوائية بوضوح غلبة المصالح الأمريكية على أية اعتبارات أخرى تتعلق باحترام حقوق الإنسان، حيث إنه في ضوء ضرورات الاحتياج الأمريكي للبترول الأفريقي، ارتفعت الولايات المتحدة بمستوى علاقاتها الدبلوماسية مع تلك الدولة، وأصبحت أهم رابع مقصد للاستثمار الأمريكي في أفريقيا، وذلك بالرغم من عدم تحقيق أي تحسن بحالة حقوق الإنسان.
- "الآليات الاقتصادية":
شهدت المساعدات الأمريكية لأفريقيا زيادة كبيرة في السنوات الأخيرة، لاسيما تلك التي تتعلق بالبرامج الصحية، وقد حددت الولايات المتحدة عدداً من الأهداف الإستراتيجية التي تشكل مجال عمل هذه المساعدات، وهي: تعزيز الشراكات الإستراتيجية، ومكافحة الإرهاب، وترسيخ عمليات التحول الديمقراطي، وتعزيز الأمن الإقليمي، فضلاً عن تحفيز التنمية الاقتصادية والنمو، والتركيز على البرامج الإنسانية والمساعدات الإنمائية، وتعزيز المنظمات الإقليمية.
كما قدمت دعماً اقتصادياً مهماً لدول القارة في صناعة البترول، حيث تلقت صناعة الجابون النفطية دعماً من شركة "أميراداهيس الأمريكية، وضخت 18 مليار دولار بهدف الوصول بالإنتاج الأنجولي من النفط إلى 3.2 مليون برميل يومياً. كما قدمت منحة قدرها 368 ألف دولار لتوليد الطاقة في بوتسوانا، و695 ألف دولار لتنمية الغاز الطبيعي في الكاميرون، و623 ألف دولار كمساعدة تقنية تهدف إلى تشجيع الاستثمار الخاص في قطاع الطاقة في تنزانيا، وأيضاً 527 ألف دولار كمساعدة تقنية لدعم وزارة الطاقة الأوغندية في إعداد إستراتيجية لتطوير صناعة الوقود الحيوي.
- "الآليات العسكرية والأمنية":
تتيح الولايات المتحدة مجموعة من المبادرات متعددة الأطراف والإقليمية، والتي تهدف إلى تعزيز القدرات الأمنية للدول الأفريقية خصوصاً النفطية، والتي يمكن إيجازها فيما يأتى:
- أولاً: المهام التدريبية والمناورات المشتركة في القارة:
تمارس الولايات المتحدة أساليب المهام التدريبية لتأمين التدفق الحر للبترول من خلال المناورات المشتركة مع القوات الأفريقية، ففي عام 2005 تم إجراء ثلاث مناورات في نطاق تطوير التدريب المنتظم، وشاركت فيها عناصر من القوات البحرية من غانا والجابون وساوتومى وبنين، وهدفت لدعم التعاون الأمني بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
- ثانيا: البرامج التدريبية العسكرية للدول الأفريقية:
تتيح الولايات المتحدة مجموعة متنوعة من البرامج التدريبية للدول الأفريقية يتم تقديمها إما في صورة ثنائية أو جماعية، ومن أهمها:
(‌أ) القوة الأفريقية للتفاعل مع الأزمات: وتهدف إلى بناء القدرات على حفظ السلام، وتوفير المساعدات الإنسانية في أفريقيا، والتدريب اللازم على تلك المهام لقوة من نحو 12 ألف جندي يجرى حشدها تلبية لاحتياج أي من المنظمات الدولية للمشاركة في عمليات حفظ السلام في أفريقيا.
(‌ب) مبادرة التفاعل مع الأزمات الأفريقية: وقد تبنى البرنامج مفهوم التدريب باستخدام أسلوب الجمع بين الدراسات النظرية والميدانية، والتدريب على مختلف مهام عمليات حفظ السلام، وتوفير الإغاثة الإنسانية.
(‌ج) البرنامج الأفريقي لعمليات التدريب والمعونة: يتضمن التدريب على العمليات العسكرية الهجومية بغرض دعم قدرات القوات الأفريقية على النهوض بعمليات حفظ السلام في الظروف العدائية.
(‌د) برنامج التدريب والتعليم العسكري الدولي: بإشراف البنتاجون، ويستخدم لتوفير تدريب مهني متطور في الكليات العسكرية وغيرها من المؤسسات الأمريكية ذات الصلة.
- ثالثاً: المساعدات العسكرية الأمريكية للدول الأفريقية:
اعتمدت اللجنة الفرعية لأفريقيا بالكونجرس البرنامج الأفريقي لعمليات التدريب والمعونة بميزانية بلغت 660 مليون دولار موزعة على مدة خمس سنوات، ويندرج في نطاق الشراكة الأمريكية مع العسكريات الأفريقية بغرض تدعيم مهارات المؤسسات العسكرية على مهام حفظ السلام.
كما أنشأت الولايات المتحدة برنامج حفظ السلام الإقليمي الأفريقي ARP، بميزانية سنوية تتراوح ما بين 30- 40 مليون دولار، يستفاد منها في تمويل تجهيز وتدريب ودعم قوات الدول الأفريقية المشاركة في عمليات لحفظ السلام, وتعتبر نيجيريا هي الهدف الرئيسي لبرامج المعونة التدريبية العسكرية الأمريكية.
- رابعا: إقامة القواعد العسكرية الأمريكية في أفريقيا:
عملت الإدارة الأمريكية على إعادة انتشار وتمركز وحداتها العسكرية في الأقاليم المختلفة بالقرب من المناطق الغنية بالبترول في جميع أنحاء العالم، ويجرى في نطاقها استبدال القواعد القديمة بأخرى التي يتم إنشاؤها في كل من أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى؛ وذلك لأغراض مكافحة الإرهاب الدولي، ولحماية المصادر النفطية. أبرزها القيادة العسكرية الأمريكية الموحدة لأفريقيا "أفريكوم": هدفها حماية المصالح الأمريكية الأمنية الإستراتيجية في القارة والبحار المحيطة بها، وترتكز منهجية عمل القيادة العسكرية الجديدة بصورة شبه كاملة على مفهوم الأمن الوقائي القائم على تنفيذ خطوات استباقية في مجالات عديدة؛ إنسانية واقتصادية واجتماعية، جنباً إلى جنب مع الخطوات العسكرية والأمنية.
وعن تداعيات وآثار إنشاء القيادة الجديدة، يتوقع زيادة حجم الوجود العسكري الأمريكي بالقارة، ويتجه ذلك إلى القاعدة الموجودة في جيبوتى، فمن المخطط لها أن تتوسع لتعمل بمثابة القاعدة المتقدمة الدائمة، وأن تتمكن من استيعاب القوة الإضافية التي سوف تستمد قوامها من الأفرع الأربعة للقوات المسلحة الأمريكية، بالإضافة لوكالة الاستخبارات الأمريكية، كما أنه من شأن تكثيف الوجود البحري زيادة مساحة التنسيق بين أفرع القوات المسلحة في محاولة لضمان تدفق النفط للولايات المتحدة، ويتضمن ذلك في الغالب مزيداً من الرعاية الأمريكية للحكومات الصديقة، بغض النظر عن شعبيتها.
ومن ثم، فإن إنشاء هذه القيادة الجديدة يكشف أن السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا بشكل خاص، والعلاقات الأمريكية - الأفريقية عموماً، باتت تسير إجمالاً في إطار مقتضيات الحرب على الإرهاب جنباً إلى جنب مع الحاجة إلى حماية إمدادات النفط الأمريكية من أفريقيا، كما بات تنفيذ هذه السياسة محصوراً في المؤسسة العسكرية الأمريكية التي تتولى تنفيذ مهام إنسانية واقتصادية وثقافية، وليس فقط المهام العسكرية والأمنية التقليدية، فيما يعكس اتجاه الإدارة الأمريكية نحو "عسكرة" سياستها في أفريقيا بدرجة أكبر بكثير من أي فترة مضت.