Share |
اكتوبر 2009
1
الحفاظ علي المياه الجوفية. للتوسع في الاستصلاح
المصدر: مجلة حياة

د. مختار عبدالعزيز

طرح الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء المحاور الرئيسية التي ترتكز عليها الاستيراتيجية الجديدة لتنمية الموارد المائية في مصر. وقد تم بحث ومناقشة هذه المحاور بعد عرض تفصيلي لها في اجتماع وزاري موسع أعرب خلاله الدكتور محمد نصر الدين علام وزير الموارد المائية والري عن رؤيته في مواجهة قضايا تنمية الموارد المائية والحفاظ عليها وتعظيم الاستفادة منها.
وقد طرحنا في عدد سابق سبل تفصيل سياسة ترشيد استهلاك المياه. وها نحن في هذا العدد نقوم بطرح قضية أخري هامة في اطار تنمية الموارد المائية وهي المياه الجوفية والتي تعد أحد أهم محاور استيراتيجية وزارة الري القادمة. ولذا فإن الوزارة تعد حاليا مشروع قانون للموارد المائية الجوفية بهدف زيادة كفاءة استخدامها والحفاظ عليها.
وحول هذا الموضوع قامت المجلة الزراعية باجراء هذا التحقيق مسترشدة بالجهود التي تقوم بها وزارة الري في هذا السياق وبالفكر المستنير لعلمائنا الأجلاء المتخصصين في هذا المجال للاجابة علي مايفرضه هذا التحقيق من تساؤلات. وهي:
أين نحن من موارد المياه الجوفية المتاحة لنا.؟. وماهي مصادرها.؟ وأين توجد.؟. وماهي نوعياتها.؟. وكيف يمكن تطوير منظومة المياه الجوفية لتعظيم الاستفادة منها؟.
- قرار وزاري
فقد أصدر د. علام قرارا وزاريا بتشكيل لجنة من المختصين وخبراء الري للعمل علي حصر كافة الآبار الجوفية علي مستوي الجمهورية. وتم وضع لائحة تنفيذية لتنظيم منح تراخيص حفر الآبار الجوفية التي تخص أغراض الزراعة مع وضع مواصفات للحفر وكذلك تسجيل جميع الآبار القائمة بالفعل المخالفة وغير المخالفة. وتنفيذ حملة اعلامية مكثفة لتعريف المواطنين والمستثمرين بكيفية تسجيل الآبار الجوفية. كما تم تسجيل جميع المقاولين الذين يقومون بالعمل في هذا المجال وتنظيم أعمالهم واتخاذ اجراءات فورية ضد المخالفين منهم. كما تم تحديد مناطق حماية لحقول الآبار الخاصة بامدادات مياه الشرب.
- فلسفة التعامل
ويحدثنا الدكتور محمد سامر المفتي أمين عام مركز بحوث الصحراء السابق. وعضو بالمجلس الأعلي للسياسات بالحزب الوطني عن مصادر المياه الجوفية في مصر وفلسفة التعامل معها. فيقول: إن المياه الجوفية توجد في الوادي والدلتا والمناطق الصحراوية (الصحراء الشرقية والغربية وسيناء) وهي تقدر بحوالي 6.4 مليار م3 فبالنسبة للمياه الجوفية بالوادي والدلتا فهي مياه متجددة مصدرها رشح مياه النيل وهذه المياه تكمل منظومة الري داخل الوادي والدلتا.
أما بالنسبة للمياه الجوفية في المناطق الصحراوية فبعضها متجدد إلا أن معظمها غير متجدد وهي المياه الجوفية العميقة التي أساسها في خزان الحجر الرملي النوبي وهو خزان كبير تشترك فيه مصر وليبيا والسودان وتشاد وهي مياه عذبة يصل عمقها إلي 1000م وتعتبر أهم المناطق التي تعتمد علي المياه الجوفية الصحراء الغربية حيث تقدر كمية المياه الجوفية بها بحوالي 1.1 مليار م3. وتعتبر الأمطار هي المصدر الرئيسي لتغذية الآبار الجوفية بها.
وأضاف. فقد كشفت طبوغرافية الأرض بهذه المنطقة عن تواجد أماكن تتجمع فيها المياه بمتوسط عام 300م3 للحفرة وهي ماتسمي بالآبار الرومانية وهذه الآبار تستخدم في الري التكميلي والشرب ولايصح للزراعات بهذه المنطقة ان تكون متشابكة أو متداخلة لانها زراعات مطرية اذ أن نمط الزراعة الجوفية هو نمط الزراعة الصحراوية.
وشدد د. سامر المفتي علي ضرورة ترك فكر الوادي خارج الصحراء التي تحتاج لطرق ري وتركيب محصولي مختلف تماما فلايصح مثلا زراعة محاصيل استوائية بها كالموز أو المحاصيل الشرهة للمياه مثل الأرز والقصب.
وأوضح أن فلسفة الزراعة الصحراوية التي تعتمد أساسا علي المياه الجوفية تستوجب تحديد مقدار التغذية السنوي للبئر حتي يمكن تحديد المساحة الممكن زراعتها عليه. بافتراض أن هذا البئر يتلقي المياه عن طريق الأمطار. وهذا يتم من خلال تقدير المختصين بالجيوفيزياء لمخزون المياه في الطبقة الحاملة حيث يجب أن تقدر كمية المياه في الخزان بما يكفي علي الأقل لمائة عام بعدها يمكن أن تحدث تغييرات مناخية تغذي هذا الخزان ثانيا.
وأكد علي أن الصحراء لاتعرف المساحات الممتدة حيث يجب أن تبعد المسافة بين كل مزرعة وأخري بقدر البعد بين الطبقات الحاملة للمياه. كما أن المسافة التي يجب تركها بين الآبار التي يتم حفرها مرهونة أيضا ببعد الطبقة الحاملة. اذ أن الحفر العشوائي للآبار أدي إلي حدوث مشاكل جسيمة فهناك آبار ارتوازية نضبت وأصبحت هي الأخري في حاجة إلي استخدام طلمبات أشد عما كانت تسخدم بها وربما لا تأتي بشيء.
ويوصي د. سامر المفتي بالآتي:
اعادة النظر في التركيب المحصولي لتحقيق تركيب محصولي يوفر الاستخدام الأقل للمياه.
- ايجاد وسيلة لترشيد استهلاك الفلاح للمياه.
- تفعيل دور روابط مستخدمي المياه لتقنين استخدام المياه.
- انتاج أصناف تستهلك كميات أقل من المياه.
- مورد محدود
وحول كيفية الحصول علي اكبر عائد لوحدة المياه. أشار الدكتور مصطفي الغزاوي أستاذ المياه الجوفية بمركز بحوث الصحراء إلي أن تعظيم العائد من وحدة المياه يعتبر قضية هامة اذ أن استخراج المياه الجوفية في الأراضي الصحراوية مكلف لانه يتطلب عمليات تنقيب وحفر وتشغيل وصيانة وغير ذلك كما أن الموارد الطبيعية بالمناطق الصحراوية محدودة. وبالتالي فإن استخدام المياه الجوفية في الأراضي الصحراوية يجب أن يري فيه محدودية المورد وترشيد استخدامه في الزراعة وذلك يتطلب زراعة المحاصيل المناسبة ذات العائد الاقتصادي السريع والكبير وذلك بمساحات صغيرة. وبالتالي يجب أن يوظف الانتاج الزراعي بالأراضي الصحراوية بكامله للتصدير مع توفير البنية الاساسية اللازمة لذلك لتشجيع المستثمرين علي استصلاح الأراضي.
- فكر جديد للاستصلاح
ويري د. مصطفي الغزاوي ضرورة تغيير فكر الاستصلاح كلية فانتاج الوادي والدلتا يذهب لابناء مصر أما انتاج المناطق الصحراوية
فيوجه للتصدير نظرا لإرتفاع تكلفة المنتج بهذه المناطق وعلي رأسها تكلفة استخراج المياه.
ويري أن تحقيق ذلك يتطلب الآتي:
استصدار تشريع يجرم ويمنع زراعة المحاصيل الشرهة للمياه بالصحراء وعمل البحيرات الصناعية وحمامات السباحة بالقري السياحية بالمناطق الصحراوية أيضا. لأن ذلك يعد استنزافا لمورد مائي محدود ملك للأجيال القادمة.
تغيير فكر المستثمر بإيجاد محاصيل أخري بديلة لها نفس العائد الاقتصادي وأقل كثيرا في استهلاك المياه وتعويض أصحاب المزارع القائمة فعلا منذ سنوات وتنتج أن تتحمل الدولة مد المستثمرين بالشتلات من المحاصيل البديلة وأن تتولي شراء المحصول وتسويقه.
اعادة النظر في جهاز الإرشاد الزراعي من خلال دعمه لتحفيزه واعطائه القدرة علي متابعة المشروعات الزراعية.
وفي النهاية يؤكد د. الغزاوي علي أهمية أن نحسن استخدام الموارد المائية في الصحراء وألا يكون التوسع في زراعة الصحراء عشوائيا أو بمساحات كبيرة ولابد وأن نحسب كمية الموارد الطبيعية الموجودة بالخزانات الجوفية حتي نستطيع أن نخطط علي ما هو متاح. بحيث يتم استصلاح وزراعة أقل مساحة ممكنة بأقل استخدام كمية مياه بأعلي عائد اقتصادي هذه هي المعادلة التي يجب تنفيذها فورا في المناطق الصحراوية.
- قرار إيجابي وفعال
وبالنسبة لقرار وزارة الري بشأن منح تراخيص حفر الآبار الجوفية وانعكاسات هذا القرار علي وقف العشوائيات في استصلاح الأراضي الصحراوية يقول: الدكتور ضياء الدين القوصي وكيل وزارة الموارد المائية والري ونائب رئيس مركز بحوث المياه السابق أن هذا قرار إيجابي وفعال ذلك لأنه يعني أن الفترة القادمة ستشهد أن يكون السحب من جميع الآبار في مصر تحت سمع وبصر واشراف الوزارة المعنية بالموارد المائية.
وأعرب عن تأييده لهذا القرار الذي سيمكن الحكومة من تقنين حد السحب من الآبار بحيث لا يتجاوز معدلات السحب الآمن حتي لا تنضب هذه الخزانات فجأة. وبالتالي يمكن المحافظة علي المخزون الجوفي للمياه لأنه ليس ملكية خاصة وإنما هو ملك للشعب كله.
- مصادر المياه الجوفية
ويحدثنا الأستاذ الدكتور مختار عبدالعزيز أستاذ الاستكشاف الجيوفيزيائي بمركز بحوث الصحراء عن أصل المياه الجوفية بصفة عامة فيقول: ترتبط المياه الجوفية بصفة مباشرة بما يعرف بالدورة الهيدرولوجية والتي بمقتضاها يتبخر ماء المحيطات ليتحول إلي سحاب يتحرك ليهطل أمطارا صيفا تسمح الظروف المناخية بذلك بسيل جزء من هذه المياه أنهارا تجد طريقها غالبا إلي المحيطات مرة أخري بينما يتسرب جزء آخر خلال مسام التربة ليجد طريقه إلي الخزانات الجوفية، وهذه إما تجد طريقها إلي سطح الأرض مرة أخري من خلال الينابيع والضخ من الآبار أو تضاف إلي المخزون الجوفي من المياه.
وأشار د. مختار إلي أن ما تستخرجه مصر من المياه الجوفية سنويا يبلغ حوالي 3.5 بليون متر مكعب وهي تمثل مصدر المياه الوحيد في المناطق الصحراوية والبعيدة عن العمران حيث أن مصر تعتبر فقيرة في مياه الأمطار فلا يتعدي ما يسقط منها سنويا 150 ملليمترا تتركز في شريط ضيق من الأرض لا يزيد علي عشرة كيلو مترات بإمتداد سواحلنا الشمالية.
ويري فيما يتعلق بمصادر المياه الجوفية في مصر أنه في ظل العجز المائي الحادث في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة وفي مصر بصفة خاصة بعد دخولنا إلي حيز الفقر المائي بعد أن هبط نصيب الفرد من المياه من 1000 متر مكعب في العام إلي أقل من 800 متر مكعب في العام. وفي ظل احتمال قيام نزاعات بل حروب بشأن المياه في المستقبل القريب وفي ظل وجود النيل كمصدر وحيد لكل أنشطتنا مع كونه ينبع من خارج مصر ويمر علي العديد من الدول قبل أن تصل إلينا مياهه وفي ظل التكلفة العالمية للاستفادة من المياه الجوفية. وفي ظل ذلك كله لا يجب التفريط في المياه الجوفية التي لدينا حيث أنها سوف تشكل مصدرا هاما وأساسيا للأجيال القادمة فلا ينبغي بأي حال من الأحوال الاسراف في استخراجها واهدارها هذا إلتزام أخلاقي لابد أن نتبناه ونلتزم به.
- تعظيم الاستفادة
وعن كيفية تطوير منظومة المياه الجوفية أكد الدكتور محمد إبراهيم جاد أستاذ المياه الجوفية بمركز بحوث الصحراء والخبير الاقليمي للمياه بالبنك الدولي علي ضرورة البحث في القيود أولا قبل التطوير. إذ أن منظومة المياه الجوفية تعتبر حلا ثانويا محفوفا بالقيود ذلك لأن جميع الخزانات الجوفية بمصر غير متجددة لاسيما خزان الدلتا ووادي النيل والذي يتجدد من حصة مياه النيل الدولية وبالتالي فإنه لا توجد تغذية فعلية للخزانات الجوفية كمورد اضافي لمصادر المياه وعليه فلابد من التعامل مع الخزانات الجوفية بحذر شديد.
وأضاف فإذا نظرنا إلي المياه الجوفية كمخزون استيراتيجي نجد حتمية تغيير استراتيجية التعامل مع الخزانات الجوفية وذلك بإيقاف استنزافها والاكتفاء بما يتم ضخه حاليا. إذ أن الاستراتيجية الجديدة للموارد المائية تعتمد علي تعظيم الاستفادة من كمية المياه المستخرجة وليس علي زيادة كمية الضخ.
ويري د. جاد أن تعظيم الاستفادة من هذه المياه يجب أن يبني علي مسارين متوازيين الأول: استنباط أنواع جديدة من الحبوب تتحمل ظروف ندرة المياه والجفاف وذلك باستخدام التكنولوجيا الحديثة (الهندسة الوراثية) أما المسار الثاني: فهو استخدام طرق حديثة للري تعتمد علي اعطاء كل نبات ما يحتاجه فقط دون أي فواقد.
- تثبيت كمية المياه المستخرجة
كما يري أن البعد الاستيراتيجي والأمن القومي لمصر في توفير أكبر قدر ممكن من المتطلبات الأساسية للأجيال القادمة علي المدي القريب في الفترة تتراوح ما بين 10 - 15 سنة فقط وذلك من خلال تثبيت كمية المياه المستخرجة من الخزانات الجوفية بمصر كلها لإعطاء هذه الخزانات الفرصة للإنتعاش والتوازن الطبيعي للمياه بها.
وحذر د. جاد من زيادة السحب من الخزان الجوفي عن قيمة السحب الآمن لأن ذلك يؤدي إلي تناقص العمر الافتراضي للخزان إلي النصف. ويري أن عملية التثبيت هذه ستؤدي إلي وقف الحفر العشوائي كما أنها حل أمثل لقفل الآبار وإن كان أحد الحلول التقليدية للإدارة المائية وبالرغم من أنه حل قانوني إلا أنه يصعب تنفيذه في كثير من الأحيان.
- ضوابط مالية
كما يقترح وضع ضوابط مالية لحفر الآبار يحكمها مكان وأهمية البئر المحفور بمعني أن يتم فرض ضرائب يختلف حجمها بإختلاف الغرض من الحفر علي أن تكون مرتفعة في المناطق السياحية وتأتي في المرتبة الأدني مناطق المشروعات القومية العملاقة بتوشكي وترعة السلام وهذا يعد البديل المناسب لقضية تسعير المياه.
وأضاف. كل هذه الأمور من شأنها تعظيم الاستفادة من موارد المياه الطبيعية والحد من اهدارها ذلك إلي جانب:
تبطين الترع والقنوات لتقليل الفاقد من مياه النيل والحفاظ علي نوعية المياه بالخزان.
التخلص من ورد النيل بالترع والمصارف لتقليل البخر من مسطحات النيل المائية إلي النصف حيث يوفر هذا الاجراء حوالي 4 مليارات متر مكعب من المياه سنويا.
تعظيم الاستفادة من مياه الجريان السطحي من مياه السيول علي شواطيء سيناء ونحو البحرين المتوسط والأحمر وهذه الكمية تعادل ما يقرب من 2 مليار متر مكعب.