Share |
يوليو 2009
1
أثر الأزمة الاقتصادية على حركة السياحة فى مصر
المصدر: أحوال مصرية
بقلم:   عادلة رجب

الأزمة الاقتصادية:
عرف التاريخ الحديث العديد من الأزمات سواء الاقتصادية والمالية أو ما نتج عن الكوارث الطبيعية أو الحروب إلى جانب ما أطلق عليه مؤخرا ظاهرة الارهاب.
وقد يختلف أثر هذه الأزمات وانعكاساتها على الدول باختلاف نوعها وحجمها ونطاقها ومداها الزمني. فنجد بعض الأزمات ذات تأثير محدود ولفترة وجيزة وداخل الدولة ذاتها، وبعضاً آخر تمتد آثاره لتشمل دولا على المستوى الإقليمى وقد تستمر أشهراً قليلة، إلا أن أنواع أخرى قد تصيب قطاعاً بعينه ثم تنتشر بصورة سريعة لتمتد تداعياتها إلى عدد كبير من الدول.
- وقد تعرض العالم فى الآونة الأخيرة لأزمة تمويلية ومالية وصفت بأنها الأسوأ منذ أزمة 1929 حيث تنبأ الاقتصاديون منذ منتصف عام 2008 بحدوث كساد فى النشاط الاقتصادى على المستوى العالمى، إذ قفز سعر البترول قفزة كبيرة فبلغ ذروته فى شهر يوليو حيث وصل سعر البرميل إلى 147 دولارا أمريكيا مما انعكس على أسعار السلع الأساسية من ناحية، وعلى حركة الطيران والنقل من ناحية أخرى، مما هدد بحدوث ركود أو "كساد" تضخمى Stagflation.
غير أنه فى النصف الثانى من عام 2008 بدأت أسعار معظم السلع تشهد انخفاضاً سريعاً ‏زاد من أثر الكارثة. فبدأت مؤشرات الانتاج الصناعى الأوروبى تتدهور بمعدل 1.9% وسجل الاقتصاد الأوروبى فى الربع الثانى من العام انخفاضاً قدره 0.2%، وهو الانخفاض الأكثر حدة فى شهر واحد (البنك الدولي، 2008) وفى الخريف من ذات العام بدأت تتوالى سريعا الأزمات الإئتمانية فى الأسواق العالمية والتى توجت بأزمة الرهن العقارى فى الولايات المتحدة، وما استتبعها من إفلاس عدد من البنوك ومؤسسات التقييم الكبرى، ترجمت بحالات من البطالة انتشرت فى كافة أنحاء العالم المتقدم. وقد تجلت الأزمة فى الاقتصاد الأوروبى لتصبح أيرلندا أولى دول الاتحاد الأوروبى دخولاً فى الكساد الإقتصادى، هذا إلى جانب تسريح كثير من العاملين وفقدان وظائفهم، أما أسبانيا فقد أعلنت ارتفاع معدلات البطالة لتبلغ نحو 9.9%. ثم انتقلت الأزمة بدورها إلى دول أخرى مثل بلجيكا والنمسا والمانيا والسويد والدانمرك وغيرهم مما أدى إلى انهيار كثير من الأنشطة الاقتصادية، وخروج كثير من الشركات من السوق من بينها شركات طيران وسياحة مرموقة.
وقد رأى الاقتصاديون أن سبب تفشى الأزمة المالية أو التمويلية يرجع فى الأساس إلى الدور الذى لعبته التكنولوجيا الحديثة فى سرعة انتشار المعرفة وانعكاسه على شعور الأفراد والمؤسسات بالأزمة، من جهة، وإلى تداعيات ردود أفعال المساهمين فى المشروعات باختلاف أنواعها، وكيفية مواجهتهم لها لما يتصف به اقتصاد معظم دول العالم اليوم من الارتباط والاعتماد المتبادل، من جهة ثانية.
إلا أن هؤلاء الاقتصاديين يختلفون حول ما إذا كان حدوث أزمة فى أكثر من دولة فى ذات الوقت هو نتيجة لانتشار غير مبرر لما يسمى بأثر العدوى "Contagion Effect" أى انتقال الأزمات المالية - مثل تلك الخاصة بأسعار العملة أو انهيار أسواق الأسهم - فى دول أخرى، أم أنه بسبب مشكلات حقيقية تعانى منها بعض القطاعات فى الاقتصادات التى انتقلت إليها الأزمة، سواء اختلفت تلك الأسباب فيما بينها أم تشابهت. وفى هذا الشأن يسعى كل فريق إلى إثبات نظريته بالحجج والبراهين. إلا أنه من المتفق عليه أنه أيا كانت أسباب الأزمة فإن عواقبها ستخيم على كافة القطاعات وإن تأثر بعضها كقطاع السياحة والسفر بصورة أكثر حدة من الأخرين. ‏
- الأزمة وقطاع السياحة:
بلغت الأزمة ذروتها فى الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر فى الولايات المتحدة عندما انهارت كثير من المؤسسات المالية الضخمة فى أوروبا وآسيا بعد سنوات طويلة من النجاح واضطرت أخرى للاندماج خشية السقوط، الأمر الذى انعكس على أداء كافة القطاعات الاقتصادية.
ولا يختلف قطاع السياحة عن القطاعات الأخرى بتأثره بمثل هذه الأزمات، وإن دار الجدل حول مقدرته على مواجهة هذه الأزمات ومدى مواجهته لتداعيات الأزمة. إذ يرى البعض أنه أكثر القطاعات تأثرا لارتباط محددات الطلب عليه بالدول الخارجية وبمستوى دخول أفرادها، لارتفاع مرونة الطلب عليه. فبات أى انخفاض أو تذبذب طفيف فى معدل نمو الناتج المحلى للدول المصدرة للسياحة وركود نشاطها الاقتصادى ينعكس على الأعداد الوافدة منها بالسالب.
فى حين يرى فريق آخر أن السياحة تعد أكثر القطاعات صمودا Resilient لطبيعة ‏الطلب على السفر والترفيه الذى أصبح أساسيا فى حياة جميع الأفراد فى مواجهة ضغوط الحياة اليومية، تعدد العروض منخفضة الأسعار للرحلات، شراكة منظمى الرحلات والشركات السياحية فى استثمارات كبرى فى الفنادق والمطاعم وشركات الطيران مما يدفعهم دائما لتقديم حلول لدفع الحركة السياحية والمحافظة على مستوياتها. كما يؤكد هؤلاء حجتهم باستعادة القطاع لنموه سريعا بعد عدد من الأزمات الدولية والإقليمية والمحلية، من أهمها دوليا 11 سبتمبر 2001 وانعكاسه على كل من حركة الطيران والحركة السياحية؛ أزمة مرض السارس، وإقليميا: التسونامى 2004، حيث استعاد القطاع مكانته بعد فترة زمنية غير طويلة نسبيا تراوحت بين 8 و12 شهراً. أما على المستوى المحلي، فيعد نجاح مصر فى التعافى من آثار الحوادث الإرهابية فى التسعينيات وبالأخص حادثة الأقصر فى 1997، ثم حوادث كل من طابا 2004، وشرم الشيخ عام 2005، ودهب 2006 وأيضا حوادث الارهاب فى مدريد 2004، ولندن 2005، حرب لبنان 2006، حيث استطاعت السياحة فى تلك الدول استرجاع معدلات نموها خلال فترة زمنية قصيرة تراوحت بين شهرين و6 أشهر مع تحقيق معدلات غير مسبوقة. وقد كان للنجاح الذى حققته مصر دائما فى تخطى الأزمات التى تواجه السياحة وما تقدمه من أراء وتوصيات إزاء التعامل مع الأزمات بوجه عام بما يساعد على استعادة قوة الحركة السياحية لتعود إلى معدلات نموها الطبيعية ما أهّل وزير السياحة المصرى د. ممدوح البلتاجى ممثلا عن مصر ليرأس لجنة الأزمات Crisis Committee فى منظمة السياحة العالمية خلال التسعينيات، ثم إعادة انتخاب مصر ممثلة فى وزير السياحة المصرى السيد زهير جرانه رئيسا للجنة مرة أخرى عام 2008 بعد إعادة تسميتها بلجنة الصمود Resilient Committee.
- اختلاف الأزمة الحالية عن سابقتها:
وعلى الرغم من قدرة الحركة السياحية الدولية على العودة لمعدلات نموها بعد انفراج الأزمات السابق الإشارة إليها، إلا أن طبيعة الأزمة المالية الحالية قد يختلف تأثيرها لأنها تؤثر على قدرة الأفراد على اتخاذ قرار السفر، ليس من مصدر قلق من الإرهاب أو الكوارث الطبيعية أو الحروب ولكن من منطلق الخوف من فقدان الدخل ومن ثم القدرة على الانفاق على متطلبات الحياة الأساسية. لذا يرى المحللون أن السفر سيستمر أثناء الأزمة وإن اتخذ مقاصد أكثر قربا إقليمية ومحلية، كما أن الغرض سوف يتغير ليكون للرحلات القصيرة أو الداخلية، وأخيرا أن هيكل الانفاق ونوعية المسافر أيضا ستتبدل، إلى جانب توقع تحول الحجوزات المستقبلية إلى حجوزات الدقيقة الأخيرة Last Minute Booking للاستفادة من أفضل العروض والحوافز التى ستتنافس الدول أو الشركات أو منظمو الرحلات لتقديمها.
ويؤكد ما سبق أن القطاع لم يتأثر سريعا على المستوى الدولى كغيره من القطاعات مثل قطاع البناء والإسكان والعقارات، وصناعة السيارات من حيث انخفاض معدلات النمو أو ارتفاع معدلات البطالة فيه يعد أقل تضررا، ففى حين تراوحت معدلات انخفاض الانتاج فى قطاع صناعة السيارات بين 30-50 % خلال النصف الثانى من 2008، نجد أن معدلات الحركة الجوية للركاب تراجعت ولأول مرة منذ عام 2001 لتظهر نتائج النصف الثانى من عام 2008 مقارنة بذات الفترة من عام 2007 هبوطاً للحركة العالمية بحوالى 4.3%، و4.2% طبقا لتقديرات كل من المجلس الدولى للمطارات ومنظمة الاياتا، على التوالي. فى حين سجلت السياحة معدل نمو لم يتعد 2 % طبقا لبيانات منظمة السياحة العالمية.
وإذا تأملنا تأثيرات الأزمة على ثلاثة مستويات دوليا، وإقليميا، ومحليا يتبين التالي: على المستوى الدولي، تؤكد البيانات أن النصف الأول من عام 2008 - والذى سيظل التاريخ يسجل كم التناقضات والاختلالات التى اتسم به - سجل نمواً فى الحركة السياحية يقدر بحوالى 5%، كما لم تتراجع حركة السياحة العالمية إلا فى الثلاثة أشهر الأخيرة لتتراوح معدلات النمو بين صفر% و2% خلال الربع الأخير كانعكاس لتفاقم الأزمة مقارنة بذات الفترة عام 2007. وقد صاحب ذلك انخفاض فى حركة الطيران بحوالى 6.57 % طبقا لتقديرات المجلس الدولى للمطارات، والذى يرجعه البعض إلى ارتفاع أسعار البترول من ناحية، وتدهور قيم كثير من العملات، من ناحية ثانية مما انعكس على الاقتصادات الناشئة مثل روسيا والصين والهند بالإضافة إلى أوروبا والولايات المتحدة والتى يمثل مواطنوها نسبة كبيرة فى الحركة السياحية. وقد أظهرت بيانات الربع الأول من 2009 استمرار هبوط الحركة الدولية للركاب بحوالى 10%.
وعلى المستوى الإقليمي، أكدت منظمة السياحة العالمية أن تداعيات الأزمة كانت أبطأ على المستوى الإقليمى وإن تباينت بين المناطق المختلفة فى عام 2008، حيث أشارت أرقامها إلى جمود معدل نمو الحركة فى أوروبا، بينما حققت بقية الأقاليم معدلات نمو موجبة فكانت آسيا 2%، وأمريكا 4%، وأفريقيا 5%، والشرق الأوسط 11% والتى تعد الأكثر نموا وتسجيلا للحركة السياحية. ويفسر الكثيرون هذا الأداء المتميز لمنطقة الشرق الأوسط والذى صاحبه نمو حركة الركاب بزيادة تقدر بحوالى 9.7% إلى كل من الأرقام المرتفعة التى حققتها مصر نتيجة لزيادة حجم الحركة السياحية فيها بحوالى 16% على الرغم من انخفاض معدلات النمو عن مثيلتها فى العام السابق لذات الفترة وإلى ارتفاع حجم حركة الركاب نتيجة لموسمى الحج وعمرة رمضان فى المملكة العربية السعودية. إلا أنه يلاحظ أن حركة الطيران فى الشرق الأوسط سجلت زيادة فى الربع الأول بلغ حوالى 0.7 % وذلك نتيجة لبداية موسمى العمرة وأجازات العاملين فى دول الخليج. فى حين أشار متوسط حركة الركاب فى إقليم أفريقيا إلى انخفاض بلغ حوالى 11.4%.
أما على المستوى المحلى فإن تأثير الأزمة على قطاع السياحة فى مصر قد أخذ عدة مراحل: الأولى، اتسمت بعدم التأثر وهى منذ شهر يوليو وحتى سبتمبر 2008، الثانية، بداية عدم استقرار معدلات النمو فى شهرى أكتوبر ونوفمبر، الثالثة: بداية التأثر وظهور معدلات نمو سالبة من ديسمبر وحتى مارس 2009 وإن اقتربت من معدلات الانخفاض بعد حادثة الأقصر 13% ولكن لم تصل بعد إلى مستويات سبتمبر 2001 عندما انخفضت معدلات الحركة السياحية بحوالى 16%.
ومن المهم ليس فقط تتبع ومراقبة معدلات انخفاض الحركة السياحية ولكن انخاذ خطوات جادة لمحاولة تخفيف تداعيات الأزمة وذلك لأن قطاع السياحة يساهم بحوالى 19.3% من النقد الأجنبى، وبحوالى 40% من إجمالى صادرات الخدمات، متجاوزا بذلك جميع إيرادات المتحصلات الخدمية. كما تساهم الإيرادات السياحية بحوالى 7% الناتج المحلى الإجمالى وبصورة مباشرة وغير مباشرة بما يقرب من 11.3% من الناتج المحلى الإجمالي. هذا إلى جانب دوره فى خلق فرص العمل، وتحقيق المشاركة المجتمعية، والحد من الفقر بما يوفره من وظائف مباشرة وغير مباشرة تصل إلى حوالى 12.6 % من إجمالى حجم العمالة فى الدولة. كما بلغ معدل نمو الاستثمارات فى قطاع الفنادق والمطاعم حوالى 22% ممثلا 4% من حجم الاستثمارات المنفذة و13% من حجم الاستثمارات فى قطاع الخدمات كما أكدته أرقام عام 2008. أما بالنسبة لأهميته للموازنة العامة، فيمثل 6،2% من الدخل الإجمالى لضريبة المبيعات، و24%من إجمالى ضريبة المبيعات فى قطاع الخدمات فى 2007-2008 وقد انعكس ما تقدم فى زيادة الطاقة الإيوائية العاملة لتصل إلى 211 ألف غرفة بمعدل نمو 11 %، بالإضافة إلى 191 ألف غرفة تحت الإنشاء خلال عام 2008 بهدف تحقيق البرنامج الانتخابى فى 2011 وهو الوصول بالسائحين إلى 14 مليون سائح، ومضاعفة الليالى السياحية لتصل إلى 140 مليون ليلة، وزيادة كل من الإيرادات السياحية إلى 12 مليار دولار، والطاقة الفندقية إلى 240 ألف غرفة بمعدل 15 ألف غرفة سنويا.
- تأثير الأزمة على مؤشرات قطاع السياحة:
فى عام 2008 بلغ عدد السائحين الوافدين إلى مصر 12.8 مليون سائح بزيادة حوالى 15.7% مقارنة بعام 2007 فى وقت لم تحقق الزيادة العالمية سوى معدل نمو 2%، مما يشير إلى أن عدم ظهور تداعيات الأزمة والذى بدوره جعل نصيب مصر من النمو العالمى للحركة السياحية حوالى 10.6%. كما تحققت 129.2 مليون ليلة مقارنة بـ111.5 مليون ليلة عام 2007 بزيادة تقدر بحوالى 16%، الأمر الذى حقق إيرادات سياحية بلغت حوالى 10.9مليار دولار فى 2008 مقارنة ب9،5 مليار دولار فى عام 2007 بمعدل نمو 15.9%. وقد انعكس ذلك بدوره على حركة الطيران والركاب فى مصر خلال عام 2008 حيث لم تتأثر بصورة إجمالية واضحة بالأزمة إذ أشارت البيانات إلى زيادة حركة الركاب بحوالى 16.8 %، أما بالنسبة لحركة الطائرات (هبوط/ إقلاع) فقد زادت بمعدل نمو بلغ 15%.
إلا أن بيانات الشهور الأربعة الأخيرة منذ تصاعد حدة الأزمة فى العالم فى شهر سبتمبر تشير إلى بداية تأثير الأزمة على مصر حيث لم تحقق كل من معدلات حركة السياحة والركاب سوى 5.4%، و7.3%على التوالي، والتى تعد أقل من المتوقع فى ذات الفترة مما أثر على الايرادات المقدرة للفنادق، والمشروعات السياحية، وشركة مصر للطيران، وشركات الطيران الخاصة والأجنبية.
وقد تجلى بوضوح هذا الانخفاض خلال شهرى نوفمبر وديسمبر من عام 2008 مقارنة بذات الشهر عام2007 وإن سجل شهر دبسمبر- لأول مرة منذ أحداث 11 سبتمبر2001 - نموا سالبا بلغ 4،5% مقارنة بذات الشهر فى 2007، حيث تراجعت الحركة الجوية بصورة أساسية فى مطارات الجذب السياحى نتيجة لانخفاض الحركة السياحية الوافدة فقدرت بحوالى - 2.7% الذى انعكس بدوره على أعداد الليالى السياحية ومن ثم الإيرادات المتوقعة بالانخفاض، على الرغم مما كان يتميز به عادة هذا الشهر - لانفراد مصر بالمناخ الجميل فى تلك الفترة - من زيادة بسبب الأعياد والأجازات فى الخارج.
كما أنه بإستقراء نتائج الربع الاول لعام 2009 مقارنة بذات الفترة فى 2008 نجد تأثيرا واضحا على كل من الحركة السياحية وحركة الركاب فى مصر حيث هبطتا بحوالى 13% و12.9% على التوالي. كما انخفضت بالتبعية حركة الطائرات الاجمالية بنسبة 7.23% والتى كانت نتيجة لانخفاض معدل نمو الحركة السياحية.
- توقعات الفترة القادمة:
لعله من الصعب فى الوقت الراهن التعرف بدقة على الآثار المحتملة للأزمة العالمية على القطاع السياحى المصري، إلا أن وزارة السياحة تقوم حاليا بإعداد مجموعة من الدراسات الاقتصادية والقياسية لتحليل الآثار المتوقعة لتداعيات هذه الأزمة. مثل تلك الدراسات إن لم تحدد بدقة معدلات النمو المتوقعة على المستوى الكلى و بالنسبة للأسواق الرئيسة المصدرة للسياحة إلا أنها تعطى اتجاها وتقديرا لحجم الأعداد السياحية القادمة. كما أنها مؤشر لكيفية توجيه الإمكانيات المتاحة للخروج من الأزمة أو تخفيف حدتها. ومما لا شك فيه أن مثل هذه التحليلات ستساعد على التعرف على سبل العلاج خاصة بحلول موسم الصيف القادم والذى يحمل تخوفا من مضاعفة تداعيات الأزمة العالمية إذا لم يتحقق إصلاح للنظامين الماليين الاوروبى والامريكى بصورة سريعة. فأولا لأن التأثير السلبى على الأوروبيين الذين يمثلون الدول الرئيسية المصدرة للحركة السياحية الوافدة قد يقلل من الإيرادات السياحية المتوقعة، كذلك بالنسبة للسياحة العربية التى سوف تتأثر بالتبعية من ركود النشاط الاقتصادى أو تدهور البورصات العالمية، ومن ثم ستؤثر على عدد الليالى وحجم الإيرادات خاصة خلال شهرى يوليو وأغسطس حيث ترتفع نسب إشغال الفنادق بالعرب.
ومن جانب آخر لابد من الأخذ فى الحسبان الأثر السلبى المترتب على القطاع من قيام حرب أسعار خاصة بقدوم موسم الصيف إذا ما اشتعلت المنافسة سواء على مستوى إقليمى بين كافة المقاصد العالمية لجذب السياحة أو على المستوى المحلي، وهو ما تحاول وزارة السياحة جاهدة التصدى له عن طريق حث القطاع من خلال اللقاءات مع أعضاء الغرف السياحية، وبتوعية أصحاب المصالح فى القطاع بآثاره المدمرة. فتخفيض الأسعار بحجة المحافظة على نسب الإشغال والمحافظة على العمالة سيؤدى إلى ما يسمى بالمنافسة قاطعة الرقاب Cut Throat Competition. وتتمثل هذه المشكلة فى أن استمرار عرض المنتج بسعر متدنى لفترة زمنية سيؤدى إلى عدم قدرة كثير من المشروعات على تحمل التكاليف المتغيرة ومن ثم يقوم صاحب العمل بالتخلص من العمالة، وتخفيض مستوى الخدمات المقدمة رغبة منه على الأقل فى تغطية تكاليفه المتغيرة، ثم مع اشتداد المنافسة وفقدانه جزءاً من الطلب المتوقع سيفقد بالتالى القدرة على تغطية تكاليفه الثابتة، فيعلن إفلاسه ثم يخرج من السوق.
وينتج عن ذلك أثران: أحدهما يرتبط بالنشاط الاقتصادى بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وحجم الاستثمارات الموجهة للقطاع، والقروض الممنوحة، والقدرة على السداد للجهاز المصرفي، والآخر، يرتبط بحجم العمالة والقرارات الخاصة بتسريحهم وما يترتب عليها من انخفاض فى الدخول ومعدلات الاستهلاك والإنفاق، وارتفاع حدة الفقر وما لذلك من آثار اجتماعية سيئة. هذا من الناحية المحلية، أما بالنسبة للمستوى الدولي، فسياسة حرق الأسعار وحمى التخفيض التى تتولد نتيجة الذعر ستنعكس على مستوى الخدمات المقدمة ومن ثم صورة مصر وسمعتها العالمية ويجعل من الصعوبة بمكان استعادة مستوى الأسعار وطول الفترة الزمنية التى قد يتطلبها والتى غالبا ما تتراوح بين 5-6 سنوات مثل ما حدث من قبل.
- التنبؤ بحجم الحركة السياحية العالمية فى عام 2009:
تتوقع منظمة السياحة العالمية انعكاس استمرار الأزمة على الحركة السياحية خلال عام 2009 والذى أكدته توقعات صندوق النقد الدولى من دخول كثير من الدول مرحلة الكساد أو الركود إلى جانب تباطؤ معدلات نمو الناتج المحلى الإجمالى للدول الناشئة وهبوطه من معدلات تتراوح بين 6-7 % فى 2008 إلى 5 - 5.5 % فى 2009 والتى قد تكون الأسوأ بالنسبة لاقتصادات الدول التى تعتمد بشدة على الطاقة أو السلع الأساسية وتلك التى تعانى من مشكلات سيولة أو تمويل خارجى.
وتشير البيانات الأولية لمنظمة السياحة العالمية إلى ثبات حجم الحركة السياحية خلال 2009 أو انخفاض معدلات نمو لتسجل نسبا سالبة تتراوح بين - 1%، ‏و2% إذا ما بقيت الأوضاع على ما هى عليه. إذ مازالت حالة التشاؤم تخيم على كافة التنبؤات العالمية، وأن مالت منطقتا الشرق الأوسط وأفريقيا إلى جانب من التفاؤل حيث تشير الدراسات الأولية إلى إمكانية تحقيقهما معدلات نمو موجبة خلال هذا العام. وتعتمد هذه الدراسات على توقعات الشركة العالمية لحجز الطيران (أماديوس)، ومنظمة الطيران المدنى الدولية (إيكاو)، وعلى ‏ تقرير ديلويت (مؤسسة الضيافة). فتفيد هذه التقارير بالحجوزات المرتفعة فى منطقة الشرق الأوسط وعدم تعرض أسعار فنادقها للاهتزاز مما يدل على استمرار ارتفاع الطلب عليها.
- التنبؤ بحجم الحركة السياحية فى مصر خلال 2009:
تقوم حاليا وزارة السياحة بعمل مجموعة من الدراسات القياسية والاقتصادية لمحاولة التنبؤ بتقدير الأثر على الحركة السياحية وانعكاس ذلك على بقية الأنشطة الاقتصادية. وهناك طريقتان لدراسة تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية على القطاع السياحى: الطريقة الكمية Quantitative Method، والطريقة الكيفية Qualitative Method أو ما يسمى تحليل أثر الاتجاه Trend Impact Analysis.
وتعتمد الطريقة الأولى على أسلوب النماذج القياسية بناءً على مجموعة من المتغيرات التى تتوقف على مجموعة من السلاسل الزمنية ترتبط بمؤشرات فعلية للسنوات محل الدراسة. فيتم من خلالها حساب التقديرات المبنية على متغيرات دالة الطلب التى تعتمد على أسعار الرحلات السياحية، والخدمات والمنتجات السياحية المصاحبة، وأسعار الدول المنافسة، والناتج المحلى الإجمالى للدول المصدرة للسياحة فى مصر كبديل لمتوسطات دخول الأفراد. وهذا الأسلوب برغم دقته إلا أن عدم التيقن من معدلات نمو دخل الدول محل الاختبار يقلل من الثقة فى نتائجه، بل قد تكون مضللة وغير ممثلة للواقع.
أما الأسلوب الثانى وهو الأسلوب الأفضل استخداما فى مثل هذه الأزمات ويعتمد على التوقعات قصيرة الأمد (كل ثلاثة شهور) ويعتمد على افتراضات المؤسسات الدولية للنمو الاقتصادى لمجموعات الدول: متقدمة، وناشئة، ونامية، هذا بالإضافة إلى توقعات وزارة السياحة، والقطاع السياحى الخاص، والمجتمع المدنى من الخبراء المتخصصين وذلك باحتمالات مختلفة لتأثير مدى الأزمة الزمنى بنسب تختلف درجة شدتها.
ويتم قياس أثر الأزمة على الحركة السياحية بإعطاء أوزان مختلفة (احتمالات مختلفة) بافتراض أكثر من سيناريو، بحيث يكون الإجمالى يساوى الواحد الصحيح بمعنى أنه لو أن درجة شدة الأزمة مرتفع يكون الإنخفاض فى حجم الحركة السياحية بنسبة من 25 إلى 35% ولو أنه معتدل من 15 إلى 25% وضعيف من 5 إلى 15% وهكذا. وقد تم عقد مجموعات عمل لتحديد التوقعات المختلفة لحساب الأثر على إجمالى الحركة السياحية الوافدة أو الحركة من الدول محل الدراسة.
وقد تبين من الدراسة الأخيرة أنه على الرغم من انخفاض الحجوزات المعتادة فى الربع الأول من 2009، إلا أن الاتجاه غالبا ما سيكون للحجز قصير المدى - كما أفادت تقارير منظمة السياحة العالمية - وسبق الإشارة إليه. وبأخذ مؤشرات السيناريو الوسط فإن الدراسات تشير إلى احتمال حدوث انخفاض فى الحركة السياحية يتراوح بين 15 إلى 20% خلال عام 2009، آخذين فى الاعتبار أقل المعدلات التى شهدتها مصر فى أسوأ الأزمات والتى تراوحت بين 13-16% إلى جانب اعتبار أن الصيف وتحديدا شهر يونيو سيكون محل تنافس معظم الدول. إلا أن ما يخفف من الأثر السلبى هو الربع الثالث من السنة ( يوليو- سبتمبر) لتوقع ارتفاع السياحة العربية خاصة خلال شهر رمضان.
إلا أن تقديرات مؤشرات النشاط السياحى تشير إلى انخفاض الإيرادات السياحية سواء على مستوى المنشآت السياحية، أو متحصلات النقد الأجنبى فى ميزان المدفوعات، بالإضافة إلى انخفاض مدفوعات المصريين لأغراض السياحة والسفر والتى قد تصل إلى 20% نتيجة لتوقع انخفاض قيمة الجنيه المصرى إذا ما اتخذت الحكومة هذه السياسة كنتيجة للعجز الذى يمكن أن ينتج من تدهور الإيرادات السياحية، وقناة السويس، والصادرات السلعية.
اجراءات مواجهة الأزمة
أولا الخطوات قصيرة ومتوسطة المدى:
- تكثيف الحملات الترويجية والتسويقية لتنشيط السياحة فى عدد من الأسواق الأوروبية وتنشيط السياحة الوافدة من الدول العربية مع عقد لقاءات مع المهنيين والحكوميين والصحفيين بالدول المختلفة.
- دعم كل من الرحلات الخاصة لتنشيط السياحة فى عدد من الأسواق الرئيسية والحملات التسويقية المشتركة مع منظمى الرحلات الدوليين.
- استمرار برنامج دعم الطيران العارض فى مطارات طابا، وأسوان، ومرسى علم، والساحل الشمالى، مع الاتفاق مع الجهات المعنية بالطيران على عدم فرض أى رسوم جديدة ومناقشة إمكانية خفض بعض الرسوم خاصة المرتبطة بالهبوط وتشجيع الرحلات منخفضة التكاليف.
- إعفاء الفنادق من الرسوم التى تدفعها فى خطة التنشيط السياحى لمدة عام.
- دعم مطالب القطاع الخاص فى تخفيف الأعباء المالية على القطاع السياحى مع الوزارات المعنية (ضرائب، فوائد مستحقة على القروض، التأمينات الاجتماعية) ودراسة إمكانية تأجيل سداد بعض مستحقات الجهات الحكومية لدى الشركات والفنادق السياحية من فواتير الكهرباء، المياه. ألخ
- التأكيد على عدم فرض رسوم جديدة فى المزارات السياحية.
- دعم غرفة الشركات السياحية فى تكاليف الاشتراك فى المعارض الدولية.
- استمرار الحملة الداخلية لرفع الوعى من خلال عقد لقاءات مع القطاع السياحى الخاص لمناقشة الأزمة الاقتصادية وآثارها ومناقشة كيفية الحفاظ على الأسعار وعدم تخفيضها.
- الدعوة لتنشيط السياحة الداخلية.
ثانيا الخطوات طويلة المدى للاستفادة من الأزمة فى إعادة ترتيب البيت من الداخل من خلال:
- متابعة تحقيق استيراتيجية وزارة السياحة فى خطة التنمية السياحية المستدامة مع الاهتمام بفكرة الاقتصاد صديق البيئة Green Economy، والذى يرتبط بتنمية وإقامة المشروعات السياحية مع ضمان المحافظة عليها للأجيال القادمة.
- دراسة سبل التكامل السياحى مع الدول العربية لتصميم برنامج سياحى مشترك يشمل مصر ضمن برنامج الزيارة لدول أخرى مع الاهتمام بالسياحات غير التقليدية.
- التنسيق مع البنوك لتيسير تمويل المستثمرين ومراعاة ظروف السداد للجادين منهم.
- دعم جودة المنتج السياحى وتأمين السائح أثناء الرحلة من خلال توفير خدمات صحية على مستوى عال على الطرق وفى المناطق السياحية الجديدة.
وختاما، بما أن أبعاد الأزمة لم تظهر بصورة واضحة، كما أن توقع مداها الزمنى لم يتحدد بعد ومازال يشوبه الغموض، فإن التنبؤ بمعدلات موثوق فيها للحركة السياحية يعد أمرا غير دقيق وقابلاً للتعديل طبقا للتغيرات المحتملة سواء الأسوأ أو الأحسن. إلا أنه مما لا شك فيه أن تدخل الدولة ودورها فى تحقيق دفعة فى الاقتصاد بوجه عام ومساندة قطاع السياحة بوجه خاص حتى يتخطى هذه الأزمة ولا تنعكس آثارها على الاستثمارات الموجودة أو القادمة ومن ثم دورها فى توفير فرص عمل جديدة يعتبر أمرا أساسيا ولازما لاستمرار قيام هذا القطاع بالدور المنوط به، وفقنا الله لصالح هذه الأمة ورقيها.